كان العزم أن أتناول في هذا الحديث كتابًا أهداه إليَّ صديق، وأويت البارحة إلى الفراش وأنا على ذكر منهما، حتى كدت آرَقُ، فلما طلع الفجر وتنفس الصبح، ألفيت نفسي قد نسيت كل شيء، أُنسيت أي صديق هو المتفضل بالهدية، وأُنسيت الكتاب واسمه وموضوعه، وأُنسيت أين وضعته أو تركته — أعني الكتاب لا الصديق — وكان آخِر عهدي به — الكتاب أيضًا — قبل أن أذهب إلى مرقدي بدقائق معدودات، فلم أدرِ ماذا أصنع؟ وفي أيِّ شيء غير هذا أكتبُ؟ وهممت أن أسأل مَن في البيت أين تركوني في ليلتي قبل أن يتفرَّقوا ليناموا، ولكن هذا قليل الجدوى؛ فإني قَلَّما أبقى في مكان واحد، ولا أزال أتحول من غرفة إلى أخرى، وأَجَلْتُ عيني في المكتبة فارتعت، فإن العثور فيها على كتاب بعينه أيسرُ منه — جدًّا جدًّا — الاهتداءُ إلى إبرة في كوم من القش، أو الالتقاء بصديق على غير ميعاد في هذه المدينة الصاخبة المائجة، ومن كان مثلي آفته النسيان، فأخلق به أن يحرص على اتخاذ مذكرة يثبت فيها ما يريد قبل أن يطير من رأسه، ولكني لا أفعل، وإنى لأحمل دفترًا صغيرًا — أحمله منذ سنوات — وأدوِّن فيه أحيانًا بعض ما يخطر لي، ولكني لا أعرفني رجعت إلى هذا الدفتر، وقلما أنتفع به إذا راجعته؛ لأن ما أكتبه فيه لا يزيد على بضع كلمات تكفي للتذكير في وقتها، ولكنها بعد أسابيع أو شهور تفقد قدرتها على ذلك، وتنقلب أشبه بالألغاز، وعلى أني أنسى الدفتر كله فما خير أن أكتب فيه شيئًا.

ولا ضير من هذا النسيان لو كان الناس يعذرون، ولكنهم يقضون في أمرك بالقياس على أنفسهم، فيظلمون — غير عامدين — فإن هذه سبيل الإنسان في كل حال، وفي وسعك أن تستغني عن إنصاف إخوانك، ولكن كيف السبيل إلى الاستغناء عن إنصاف ذويك — أمك، وزوجتك، وأبنائك؟ إنك معهم أبدًا، وأنت الموكل بهم، وعليك بعد الله معولهم، فإذا كنت معهم، شاهدًا كغائب، وسامعًا غير واعٍ، وناظرًا يرنو بعيني نائم، فكيف تكون حياتك بينهم، وكيف تستقيم وتطيب حياتهم معك؟

وكل يوم يسألني منهم سائل — واحد على الأقل — (كيف نسيت هذا؟ كيف يمكن أن تنسى؟) كأن لي يدًا في هذا، أو كأن لي فيه حيلة وقصرت! و(هذا) يكون حينًا كتابًا يطلبه أحد الشيطانَيْن الصغيرَيْن الموكَّلَيْن بامتحان صبري، لحاجته إليه في دروسه التي يهملها ويتظاهر بالانكباب عليها، وهو مشغول الذهن — واليد — بالقطة الراقدة في حجره، وأحيانًا يكون (قرطمًا) لعصفور (كان هنا ثم غاب)، وأنا في حياتي ما استطعت أن أعرف أين تباع هذه الأشياء — وأعترف أني ما حاولت قَطُّ أن أعرف — وما أكثر ما أنسى طعامي وأذهل عن جوعي، فكيف أذكر طعام القطط والعصافير؟ على رفقي بها ورحمتي لها، وعطفي عليها. ويراني أحد العفريتَيْن أُلاعِب القطة فيقول لي وهو يبتسم، وفي عينيه نظرة خبيثة: «يا بابا … يسرك أن تلاعبها، وتنسى طعامها.»

فأستثقل الشرح والاعتذار، وأدفع بها إليه وأقول له: «خذها عني، فإني أريد أن أشتغل في المكتب.»

فيذهب بها ويقول لها، وهو يمسح لها شعرها، بصوت أسمعه: «لا تلومي بابا، فإن بابا لا يُلَام … هو هكذا أبدًا … وستعتادين سهوه كما اعتدناه؟»

وكثيرًا ما أقف على إحدى درجات السلم وأسأل نفسي: «أين كان العزم أن أذهب؟» لأني أكون قد نسيت، وأكثر ما يحدث لي ذلك، حين يكون العفريتان في البيت — في يوم الجمعة أو غيره من أيام البطالة — يريان أني أَهُمُّ بالخروج فيُقبِلان عليَّ بمائة طلب وألف سؤال، فأحس أن عقلي سيطير، وأقول لهما: «اسمعا، صبرًا حتى ألبس ثيابي، على مهل وفي هدوء، حتى لا أنسى شيئًا … ثم بعد ذلك أجلس إليكما ونتحدث في سكونٍ، وبغير ضجة.»

فيقولان: «طيب.»

ولكنهما لا يكفَّان عن اللغط، فتتبعثر خواطري وتتشتت أفكاري، ويصبح رأسي كالشجرة أطار الفزع عنها العصافير. والغريب مع ذلك أني أستطيع أن أقرأ وأكتب مهما بلغ من الضوضاء حولي، ولو كان في الغرفة معي ألفٌ يتلاغطون، لما عبأت بهم شيئًا ما داموا لا يوجِّهون إليَّ كلامًا، وهي مَزِيَّة، ولكنها تكلفني شططًا، وقد أخطأت في رياضة نفسي على الانصراف عن الناس وأنا بينهم، وكان خيرًا لي لو نشدت الوحدة وحرصت عليها عند القراءة أو الكتابة، وحسب الكاتب ما يبذله من جهد التفكير، وما أغناه عن جهد آخر يتكلفه ويضني به أعصابه لينصرف عما يدور حوله، وليمنع الأصوات المضوضية أن تشغله عما هو فيه، وقد لا يشعر أنه يتجشم في ذلك عناء، ولكنه يتجشمه، شعر به أم لم يشعر، وآية ذلك أن القليل من العمل بين الناس يملني ويتعبني كما لا يتعبني أو يملني الكثير من العمل في حال الخلوة، وأنا أستطيع أن أقرأ مائتي صفحة في سكون الليل، ولا أستطيع أن أقرأ ربع هذا القدر في ضجات النهار، وإذا تناولت القلم في بكرة الصباح المطلولة، فإني أسترسل ولا أَمَلُّ ولا أتوقف، ولا يورثني طول العكوف على الكتابة تعبًا، فإذا أدركني النهار بضوضائه وزوَّاره قبل الكتابة، فترت وتحلل بي الإعياء بسرعة.

وقد عوَّدت نفسي الذهول عن الناس وأنا بينهم، وروَّضتُ نفسي عليه، فأجناني هذا النسيان، ذلك أني أحب العزلة، وأوثر الوحدة والخلوة بنفسي، ولا سبيل إلى ذلك إذا كنتَ تريد أن تكسب رزقك، فلم يبقَ لطالب العزلة — مثلي — إلا أن يغيب عن الخلق بنفسه، وهو حاضر بجسمه، ولم أزل أعالج ذلك حتى صار — على الأيام — أيسر ما أتكلف، وليس في الوحدة ما يشق عليَّ، ولو طالت، فإني أنعم بخواطري وأزجي الفراغ بما يدور — أو بما أدير أنا — في نفسي من خوالج وخيالات، وحواري مع نفسي أمتع لي وأحلى عندي وأطيب من كل ما عسى أن يدور بيني وبين غيري، ولهذا يطول صمتي مع الناس، أو يقل كلامي، وإن كنت ثرثارة، لا يكف لساني عن الدوران حين يطيب لي الكلام، وهو يطيب في المجالس الصغيرة، أما إذا كثر الناس، فإني أشعر بالضيق وبمثل كرب الاختناق، وأعاني وطأة الرغبة الملحة في الفرار، ومن أجل هذا أتقي الزحام، ويندر أن أغشى محفلًا أو أشهد اجتماعًا كبيرًا؛ لأن شهوده يتعبني، والكلام بصوت عالٍ يضنيني، ولعل خفوت صوتي بعض ما صرفني عن التعليم، وقد يشكو إخواني أن صوتي خفيض لا يكاد يُسمَع، ويقول بعضهم لي مازحًا إنه إنما يفهم عني بالنظر إلى حركة الشفتين، ولكنهم يحمدون مني حسن الإصغاء، لأني أوثر الصمت، وإن كانوا لا يعلمون أن معظم ما يقولون يفوتني، لكثرة شرودي عنهم.

على أن نسياني مقصور على جانب السمع دون جانب البصر، وأعني بذلك أني أنسى ما يصافح أذني، ولكني لا أنسى ما تأخذه عيني، فما أقوله أنا أو أسمعه يذهب ويندر أن يبقى منه شيء، ولكن ما أراه يبقى ولا يضيع، ولا تفتر صورته أو تبهت ألوانها، ومن الممكن أن أقول أن ذاكرتي فوتغرافية، أيْ أنها تتعلق بالمناظر وصورها وتحفظها، ولكنها تهمل الأصوات ولا تثبتها أو تحرص عليها، وقد أنسى اسم الإنسان، بل أنا سريع النسيان للأسماء، حتى ليكبر في وهمي أحيانًا أني سأنسى اسمي يومًا ما، فلا أعود أعرف من أنا، أو ماذا أُدعَى، ولكني لا أنسى صورة إنسان؛ وجهه وثيابه وألوانها وحركاته ونظراته، وهيئته على العموم.

ومن خوفي أن أنسى اسمي، أحمل معي بطاقات به، لأراجعها إذا كان ما أخشى أن يكون! ومن يدري؟ لعلِّي حينئذٍ أنظر إلى البطاقة وأتعجب لصاحب هذا الاسم، من هو يا تُرَى؟

وما حمل البريدُ إليَّ رسالةً إلا دسستها في جيبي لأرد عليها «فيما بعدُ»، وتظل الرسائل في جيوبي، شهرًا بعد شهر، وأغير البذلة وأحرص على نقلها إلى الجيوب الجديدة وحشوها بها، ولكن الشهور تمضي والرد لا يُكتَب، ولا ترضى زوجتي عن منظر الجيوب المنتفخة، فتفرِّغها وتضعها فوق الأكوام السابقة، وتقول بحقٍّ: «سيَّان أن تُوضَع هنا أو في جيوبك ما دمت تنساها.»

وهذا عذري على الإخوان الذين يحسبون أني أهمِل رسائلهم، أو أقصر في الرد عليها، أو يتوهمون غير ذلك، فهل يعذرون؟ عسى ولعل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.