يسأل السيد عبد الهادي بيومي عن أدوار المغنين الكبار في عصر عبده الحامولي وما قبله: هل كانت لهم طريقة معروفة لتسجيل ألحانهم؟ وهل توجد هذه الطريقة في أوراق محفوظة؟ وعلى أي أساس كانوا يعتمدون في مراجعتهم الفنية؟ وهل يمكن أن تقارن طريقتهم في تسجيل الألحان بطريقة النوتة الإفرنجية في الموسيقى الحديثة؟

والمحقق في موضوع هذه الأسئلة أن الفن الموسيقي القديم كانت له طريقته في التسجيل، وهي طريقة الحفظ والرواية، ولا تقل هذه الطريقة في ضبطها للأصوات والألحان عن طريقة السلم الإفرنجية؛ لأن المهم في السلم هو حفظ النسبة بين النغمات والمقامات على حسب الاختيار، وقد طرأت على هذه النسبة تعديلات كثيرة في الزمن الأخير وفقًا لكل مذهب من مذاهب الفنانين المولعين ببدعة التغيير إلى الأحسن أو إلى «الألعن» على حسب المصادفات والحظوظ.

ولا يخفى أن حفظ النسبة بين النغمات كحفظ النسبة بين المسافات في كل قاعدة، فليس ما يمنع الكاتب — مثلًا — أن يقدر النسبة بين السطور والكلمات بالمقادير التي يرتضيها، وكل ما يلزمه في هذه الحالة أن يكون بعضها نصف البعض الآخر أو أربعة أو ثلاثة أضعاف أو عشرة أضعافه كما يشاء مع التزام الفرق في جميع الأحوال، ولا مانع في هذه الحالة من الشذوذ على قياس، أو من الخلط على قاعدة، كما حدث فعلًا في بعض مذاهب الفن الحديث.

أما طريقة الفن الشرقي التي اعتمدت على الحفظ والرواية، فإنها لا تنحرف قيد شعرة عن المحفوظات وعن الأصوات التي تناسبها ويعرفونها بعلاماتها.

ولهم طريقة متوارثة قائمة على أساس متين من مراجع متعددة، أهمها فيما نعلم:

أولًا: علم التجويد أو علم القراءات، وقد اجتمع من مراجع هذا العلم في القاهرة وطنطا — حيث يحفظ القرآن بالمسجد الأحمدي — ما لم يجتمع في بلد من البلدان الشرقية، وتعاون الثقات من أقطاب فن الإيقاع في المشرق والمغرب على صيانة هذا العلم فيما يتعلق بحفظ القرآن الكريم بتلك العناية الدقيقة التي تلاحظ في كل أمر يرتبط بتعليم القرآن وأمانة حفظه، وانتقلت أعباء هذه الأمانة إلى القاهرة من عواصم الدولة العباسية في المشرق وعواصم الدول الإسلامية على اختلافها في المغرب، وتوافد إليها العلماء المغربيون بعد اضطراب الأحوال في الأندلس ومعهم كل ما أتقنوه من فنون الإيقاع والتوشيح وفي مقدمتها علم القراءات … وقد كان الفيلسوف من كبار الفلاسفة المغربيين يجمع بين العلم بالشريعة وبين العلم بالأنغام على الغاية مما وصل إليه هذا العلم عند الأقدمين، وكان من أوليائهم المنقطعين للعبادة من يحسن دراسة القراءات على أصولها الفنية والفقهية. ومنهم الإمام الشاطبي صاحب القصيدة المطولة المعروفة باسم «حرز الأمان» التي اشتهرت باسم الشاطبية في علم القراءات، وهو مدفون بالقاهرة، فهو غير الإمام الشاطبي محمد بن سليمان المعافري المدفون بالإسكندرية، وكان أيضًا من أكبر علماء القراءات وله فيها كتاب «شرف المراتب» و«المنازل» مع كتاب «اللمعة الجامعة» في التفسير. ومما يدل على ارتباط علم القراءات بعلم الإيقاع في الفن الشرقي إلى العصر الأخير أن أكثر واضعي الألحان منذ خمسين سنة كانوا من المشايخ الذين نشئوا أولًا بين القراء ثم اشتغلوا بأناشيد الموالد وانتقلوا منها إلى التلحين، ونذكر منهم الشيخ يوسف المنيلاوي، والشيخ سلامة حجازي، والشيخ زكريا أحمد، والشيخ سيد درويش، وآخرين غيرهم لم يشتهروا بالفن شهرة هؤلاء.ثانيًا: فن التوشيح، وقد تجمع أقطابه في القاهرة من الأقطار الإسلامية المتفرقة، وكان آخر أقطابهم فيها الشيخ درويش الحريري رحمه الله، وقد كان يحفظ مئات التواشيح بألحانها التي لا خلل فيها، وإليه كان مرجع الفنانين في ضبط هذه الألحان.ثالثًا: أناشيد الموالد، ومثلها أناشيد القداس في المعابد القبطية، ويغلب على اعتقادنا أنها ترجع إلى أصول سابقة لعصر الإسلام وعصر المسيحية. وبينها من التقارب في قواعدها العامة ما ليس يخفى على المستمعين إليها في الصعيد الأوسط والصعيد الأقصى على الخصوص. وهناك نشأ أكبر «الموالديه» على قلتهم في الأقاليم الشمالية. وقد سمعنا علمًا من أعلامهم المتأخرين وهو الشيخ حسن جابر الذي عاش إلى عهد قريب، وكان آية الآيات في طلاقة الصوت وحسن الإيقاع والخبرة بضوابط الصوت في أناشيد التواشيح ومواويل الغناء «البلدي»، وأكثرها خبرة مستمدة من السماع والرواية الموروثة، مع حفظ غير قليل من التعليم والتلقين … وعلمت من بعض من سمعوه وصاحبوه أن إسناده في العلم بالقراءات تتصل بالإمام الجلال السيوطي رضي الله عنه وهو ابن بلده كما هو معلوم.رابعًا: جمع المرددات الشعبية من أنغام شعراء الربابة الحماسيين، والشعراء الذين ينشدون مواويلهم على الربابة أو على الأرغول، وتضاف إلى هذه المرددات أناشيد الأعراس والمآتم وأناشيد الفلاحين في مواسم الزرع والحصاد. وكلها مأخوذة عن أصول فنية جيدة في إيقاعها وأدائها، وإن يكن بعض المرددين لها يجهلون أصولها بين أوزانها كما هو الشأن في كل عمل فني ينتقل إلى غير أهله؛ إذ ليس كل ما يوقع الآن على معازف البيوت ودور السماع مطردًا على أصوله التي قيدها كبار الفنانين، ممن أدركوا عهد التسجيل بالنوتة أو بغيرها من ضوابط الأصوات والألحان. وعلى هذه الأسس المتعددة يمكن أن تقام قواعد التلحين في كل لون من ألوان الغناء وكل مذهب من مذاهب الموسيقى، فلا حاجة بالفن القديم إلى قواعد مخترعة في العصر الحاضر، ومثله في ذلك مثل الحروف الأبجدية التي تتألف منها الكلمات إلى غير نهاية، أو مثل الكلمات التي يحيط بها القاموس ويتألف منها ما يشاء المؤلف من الأفكار التي يناقض بعضها في معناها، فلا حاجة إلى تعديل في الحروف والكلمات وإنما الحاجة — كل الحاجة — إلى التعديل في العقول والأذواق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.