عرفتُ نوعين من اليائسين؛ الأول: يائس تمامًا من إمكان التغلب على مشكلاتنا الراهنة، مثل: الديون، والتفجُّر السكاني، والفساد، وضعف الإنتاج، والبطالة، والأزمة الاقتصادية، والتحلل الأخلاقي. والثاني: لا يستبعد حَلَّ جميع تلك المشكلات، ولكنه يائس تمامًا من إمكان اللحاق بالأمم المتطورة؛ فقد طارت بها التكنولوجيا إلى آفاق رحيبة، ونحن ما زلنا نتعثر في أول الطريق، ومع كل يوم تزداد المسافة بيننا وبينهم بُعْدًا وتراميًا، حتى ليستوي الاستمرار في السباق مع الخروج منه.

اليائس الأول جاهل بالتاريخ؛ تاريخ الأمم وتاريخ وطنه نفسه، عصبي المزاج، قليل الحيلة، مرشح دائمًا للانهيار والهزيمة، لا شك أننا نملك موارد وإمكانات وقوى بشرية، ولا ينقصنا إلا المزيد من النظام، والإصرار، والمتابعة، والمراقبة، والحزم، والقيادات الاجتماعية والعلمية الصادقة، وسوف نقهر مختلف صعوبات الحاضر، ونمضي في طريقنا إلى غايات بعيدة.

أما اليائس الثاني فهو يتصوَّر أن النهضة لا تتحقَّق إلا إذا جلسنا على القمة مع الأمم القائدة، في العلم والتكنولوجيا … لكن العالم يتسع لأكثر من درجة مقبولة من الأمم، وأكثر من أسلوب للحياة والحكمة والسعادة. ألا يكفي أن نجعل من أوطاننا أوطانًا مستقلة تتبادل الخير والسلام مع بقية الأمم؟ وأن نجعل من المواطنين أمثلة طيبة للتعلم والثقافة والإيمان والعمل؟ وأن نجعل من حكوماتنا نظمًا إنسانية يحظى الإنسان في ظلها بالأمن والاحترام؟ وأن تؤمن الأمة بالحق والخير والجمال، ولا تضن على العلم بكل جهد متاح؟

إنه مشروع ممكن التحقيق، يهيئ لنا حياة كريمة، ويمنحنا استحقاقًا للوجود في هذه الدنيا — حتى ولو لم نَعْتَلِ قمتها أو نتقدم مسيرتها في الفضاء — لا وجه لليأس، سواء على المدى القريب أم البعيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.