أشهد أن «الصدق» متعبة، وأنت تعتاده إذا كانت نشأتك طيبة و«حرة» على الخصوص، وأعني بكونها حرة أن أهلك لم يُرَبُّوك بالخوف، ولم يُحْوِجُوك بسلوكهم معك إلى الحذر والتُّقْيَة والمكر وتوقُّع الغدر بك والقمع لِما عسى أن يبدو من ميولك ونزعاتك، ولم يحملوك على ما يشبه اليأس من العدل والخير والشك في قيمة الحق، يقابل هذا من الطرف الآخر الإغراق في التدليل وما هو خليق أن يورث من فساد، وليس اعتياد الكذب بأسهل من اعتياد الصدق ولكنك تعتاد هذا أو ذاك فتنشأ عليها ويصعب عليك مطلب ضده، إلا إذا أدَّبت نفسك أدبًا جديدًا وهذا يتطلب رياضة طويلة وإرادة ثابتة، والمعول الأول في هذا كله على الأم فإنها ألصق بالبنين وأوثق اتصالًا بهم من الأب، ولو كان الأمر إليَّ في هذا البلد لعنيت بتربية البنت قبل العناية بتربية البنين فما أشك في أن هذا أقوم طريق للإصلاح.

تعتاد الصدق — كما قلت — فتُلفي نفسك في بلد معظم أهله قد ورثوا من آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم سوء الظن بالناس، وخاصة بكل ذي شأن أو سلطان، وهذه هي الثمرة المرة التي أجناها إيانا عهد الاستبداد الظالم الطويل الذي عانيناه فيما مضى، ومن السهل جدًّا أن تعلِّم الأمة كل ما في الدنيا من علوم ومعارف فما بك حاجة إلى أكثر من المال والوقت، ولكنه ليس من السهل أن تقتلع الجذور المعرقة التي غرستها عصور الظلم الماضية، وليس يكفي أن تقرر العدل وتقيم قواعده بين الناس ولا حتى أن تقنعهم بأنك تلتزمه ولا تحيد عنه قيد شعرة، بل لا بد أن تقنعهم بالعطف عليهم والرحمة لهم وصدق السريرة في إرادة الخير بهم، وإلا أساءوا الظن بعدلك الذي تحرص عليه وسلكوه والظلم في نظام واحد.

ولست أكتب بحثًا اجتماعيًّا ولكني لا يسعني إلا أن أعذر المصري حين أراه يتوجس ويستريب ويأبى له ما ورث من آبائه أن يطمئن إلى إخلاص الغير — ولاسيما الحكام منهم — أو يثق بهم أو يحمل ما يكون منهم على محمل حسن، وقد طرحت مصر نير الاستبداد القديم، وقام فيها حكم عادل على الجملة وأطلقت حرية الرأي والعمل في حدودها الرشيدة وجاء الدستور بحكم الأمة لنفسها بنفسها، ولكن الرجل من الأوساط العاديين في قريته ما نصيبه من كل هذا الخير؟

إنه لا يزال يُظلم ويُهان — يضربه ويهينه ويظلمه العمدة وشيخ البلد وكل ذي جاه أو نفوذ في القرية، ويضربه ويهينه ويظلمه رجالُ الإدارة والصحة ومن إليهم من أكبرهم إلى أصغرهم، ويضربه ويهينه ويظلمه المعلم في المدرسة والأب والعم والخال والأخ الأكبر في البيت، يقول الحق فيُضطهد، ويعالن بالرأي الذي يراه فيُؤذى، ويشكو فلا يجد منصفًا، ويطلب فلا يفوز بحقه، ويكد ويشقَى ثم يُمطل أو يُسلب جزاؤه، ويتلفت فإذا الذي يفوز بالطيبات القوي أو الغني أو المنافق، أفغريب بعد ذلك أن تراه ينزع إلى سوء الظن والحذر ويؤثر في سلوكه مع الناس المكر والكذب، وينطوي على مخبر يخالف مظهره؟ حدَّثني محامٍ قال: إن الفلاح لا يعترض على أي شرط تشترطه في عقد الإيجار ولا يحجم عن التوقيع أو الختم أو البصم، مهما بلغ من قسوة الشروط وما فيها من الحيف عليه لأنه موطِّنٌ نفسه من البداية على نقض كل هذه الشروط وهو ذكي واسع الحيلة. قلت: فإن له عذره، أعطه العدل وأذقه طعم الرحمة وانظر بعد ذلك كيف يكون.

وهنا في المدن كيف الحال؟ لا أدري ولكن الذي أدريه أن الولد يذهب إلى المدرسة فيعامله بعض المعلمين — كما يعامل مأمور المركز الفلاح العامل في الحقل — بالضرب والشتم القبيح والظلم. والتلميذ الصغير يخطئ ويطيش، ومَن أولى منه بالعذر؟ وهو ذاهب إلى المدرسة ليتعلم لا لأنه متعلم مجرب، ومع ذلك يُعاقَب على الخطأ والجهل والطيش ولا يجد — إلا في الندرة القليلة والفلتة المفردة — من يعالجه بالإفهام برفق وأناة.

حدثني بعضهم قال: «عاد ابني يومًا من المدرسة وهو يبكي، والدم يسيل من ساقه، فنهيته عن البكاء، ومسحت له دموعه، وسألته عن الجرح ما سببه؟ فقال إن المعلم سأله عن كراسته فقال له: «إن أبي أخذها مني البارحة ليراجعها ونسي أن يردها إليَّ ولا أعلم أين وضعها.» وكان هذا صحيحًا فما كان من المعلم إلا أن ركله برجله — عاقبه على خطأ أبيه — فأحدث له هذا الجرح، فطهرته بصبغة اليود وسألت الله في سري أن لا يكون حذاء الأستاذ الفاضل ملوثًا، وفي صباح اليوم التالي كتبت إلى الناظر كلمة في هذا لا على سبيل الشكوى بل لمجرد لفت النظر إلى قبح هذه المعاملة وسوء أثرها، ورجوت منه أن لا يعد هذه شكوى تستوجب تحقيقًا ومؤاخذة، ولا أكتمك إني خفت إذا أنا أجريت الأمر مجرى الشكوى الرسمية أن تكون النتيجة أن يحقد المعلم على ولدي فيضطهده فيكون ولدي هو الخاسر.

وقد كان الناظر الفاضل عند ظني فاعتذر وأسف وبعث إلي المعلم ليعتذر، وقد هالني حين جاءني المعلم أن أراه كالفيل الصغير فابني إلى جانبه فأرة، وهالني أيضًا أن أسمعه يعتذر بعبارة ذليلة وهالني أخيرًا أن يخبرني أنه — وهو تلميذ — ضربه معلمه فأحدث له عاهة وأفقده الانتفاع بأحد أصابعه، فلم أعد أدري ماذا أقول له، فصرفته بسرعة وحدثت نفسي لما خلوت بها أن تعليمًا يتولاه أمثاله لا يمكن أن يثمر خيرًا.»

أقول وصاحبي هذا على حق. فإني أنا أيضًا أعالج أن أصلح ما تفسده المدرسة، وأحسب أن الحظ أعفاني من كثير من أسباب الشكوى والتذمُّر، ولكني مع ذلك لا أعدم أن أقع على ما أنكر وأستهجن، مثال ذلك أن التلاميذ دُعُوا مرة إلى الاشتراك في رحلة إلى السويس، فطلب ولداي أن يشتركا فأجبتهما إلى ذلك، فأدَّيَا قيمة الاشتراك، وفي صباح اليوم المعين ذهبا إلى المدرسة ليركبا السيارة فتعجل الموكل بالرحلة وتحكم، وأخذ أحد الولدين وترك الآخر كما ترك غيره، لا لضيق في السيارة أو اكتظاظ، بل لأن صدره ضاق بالأطفال، وفي الطريق الطويل — وهو يقطع في قرابة ساعتين — بدأ الأطفال يتلاغطون على عادتهم، فنهرهم وزجرهم وألزمهم الصمت طوال الطريق، وهو عسير على الرجال فكيف بالأطفال؟ وهذه رحلة للرياضة والنزهة! وبلغوا السويس فأوصد الباب — باب السيارة — على الصبية وقضى عليهم بالبقاء فيها لا ييرحونها وهددهم وأنذرهم وذهب هو إلى شاطئ البحر ليستحم ولما انقضى النهار وقضى هو وطره عاد بالأطفال في السيارة التي لم يغادروها مذ ركبوها.

وجاءني الولد يشكو فقلت له ضاحكًا: إنه كان يدربكم على ضبط النفس. فلم يقتنع الولد بهذا الكلام الفارغ، وظل يسأل لماذا ذهبنا إذن إذا كان علينا أن لا نتكلم ولا ننزل من السيارة ولو لقضاء حاجة؟ فلم يسعني إلا أن أعترف له أن الموكل بالرحلة كان سخيفَّا وأن أدعو الله أن يوكل بغيرها في المقبل من الأيام أو الرحلات.

أظن أني معذور إذا قلت إنه لا الحال في القرى ولا في المدن يساعد على اعتياد الناس الصدق والذمة والثقة المتبادلة؛ ولهذا يتعب الصادق المخلص أليس هذا كذلك؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.