لنقُل إنك تريد شراء منتجات تحتوي على جراثيم. أمامك الزبادي بالطبع، لكن توجد منتجات أخرى كثيرة جدًّا.

تستطيع شراء حبوب لمعدتك أو كريمات لبشرتك أو أقراص لإنعاش رائحة فمك، وتستطيع أيضًا شراء عصير توت بالجراثيم وبيتزا بالجراثيم. وتقدم كثير من هذه المنتجات وعودًا كبيرة بالمنافع التي يحققها لك ما بها من جراثيم. فعلى سبيل المثال: عقار «فنجال ديفينس» محضَّر خصوصًا بمكونات تساعد على الحفاظ على توازن وصحة بيئة الهضم، وكريم «ناتاشاز بروبايوتك فيس كريم» من شركة ناترين «مدعم بأجزاء من الحمض النووي لخلايا بكتيريا نافعة تسرع من عملية تجدد الجلد الطبيعية».

ألا تجد هذه العبارة الأخيرة صدًى عندك؟ وهل أضناك البحث عن نتائج التجارب الإكلينيكية التي أظهرت أن عقار «فنجال ديفينس» يجعلك بالفعل تتمتع بالصحة؟ لا تشغل بالك! فغالبًا ستجد في مكان ما على ملصق المنتج الغني بالجراثيم الذي اشتريته هذه الكلمات: «هذه العبارات لم تُقيِّمها بعدُ إدارة الأغذية والأدوية. ولا يقصد من هذا المنتج تشخيص أي مرض أو علاجه أو مداواته أو الوقاية منه.»

توجد أدلة وافرة على أن الجراثيم التي يبلغ عددها مائة ترليون ميكروب وتقطن في أجسامنا — الميكروبيوم — تؤثر تأثيرات مهمة على عملياتنا الحيوية. وفي حين يمكن أن تتسبب بعض هذه الجراثيم في مرضنا، فإن معظمها يساعدنا في الحفاظ على صحتنا، من خلال تغذية جهازنا المناعي وترطيب بشرتنا وتكسير الطعام والمركبات السامة. ومع ذلك كانت أغلب الأبحاث منعزلة إلى حدٍّ ما عن عيادة الطبيب. فعلى سبيل المثال، أُجري كمٌّ هائل من الأبحاث على الفئران بدلًا من البشر؛ ويرجع هذا إلى أن العلماء يستطيعون تربية القوارض دون وجود أي بكتيريا في أجسامها، ثم ملاحظة ما يحدث عند إضافة أنواع معينة إلى الميكروبيوم الخاص بها. كذلك أجرى العلماء كثيرًا من الأبحاث على البشر، لكن كانت معظمها مجرد ملاحظات أكثر من كونها تحويرًا؛ على سبيل المثال، كيف يبدو شكل ميكروبيوم شخص ما قبل إجراء عملية المجازة المعدية وبعدها؟

كانت التجارب الفعلية على البشر أقل بكثير، ولا عجب في ذلك. (هل يوجد والدان مستعدان لوضع أطفالهما حديثي الولادة داخل فقاعة بلاستيكية لحمايتهم من الجراثيم طوال أول خمس سنوات من حياتهم؟ هل يوجد؟ ألا يوجد أحد؟) هذا لا يعني عدم وجود مثل هذه التجارب. فأحيانًا يختبر العلماء البكتيريا على أشخاص لمعرفة ما إذا كانت تستطيع علاج مشكلاتهم الصحية، وبعض هذه التجارب مبشرة. والنتائج الملحوظة التي حققتها زراعات البراز لدى من يعانون من إصابات معوية خطيرة أصبحت الممثل الحقيقي لاستخدام الميكروبيوم في الطب. إلا أن أيًّا منها لم تخضع لأبحاث شاملة كالتي أُجريت على عقار معتمد من إدارة الأغذية والأدوية، مثل المركب المكافح للسرطان: «جليفيك».

توجد أسباب كثيرة لهذا القصور؛ حيث لم يتمكن العلماء من دراسة الميكروبيوم بوضوح كبير إلا في العقدين الأخيرين؛ لذا كانت بدايتهم متأخرة. ويوجد سبب آخر وهو أن الميكروبيوم يختلف عن خلايا أجسامنا وأعضائنا، فهو نظام بيئي مكوَّن من مئات الأنواع، ذو كثير من التأثيرات المنتشرة والمترابطة على أجسامنا.

وما يزيد الأمر سوءًا (أو يعد تحديًا مثيرًا، إذا كنت من أصحاب النظرة التفاؤلية) أنه لا يوجد ميكروبيوم واحد؛ فبينما تتشابه ميكروبيومات البشر، يوجد لدى كل واحد منا خليط فريد من الأنواع والسلالات؛ خليط يتغير أيضًا من يوم لآخر. وهذا التنوع يجعل من الصعب القول إن إضافة نوع معين سيُحدث فارقًا لدى شخص يعاني من مرض بعينه. فقد يلعب ميكروب نادر للغاية دورًا حيويًّا في النظام البيئي بأكمله.

لم يُعق أيٌّ من هذه الحواجز نمو تجارة الميكروبيوم. إلا أن الصناعة التي يصل حجمها إلى ٨٫٧ مليارات دولار أمريكي ازدهرت بسبب احتلال الميكروبيوم مركزًا وسيطًا غير واضح من حيث التقنين. فيستطيع مورِّدو المنتجات الغنية بالجراثيم التلميح إلى أن سلعهم ستحقق لك منافع طبية. لكن بالنسبة للحكومة الأمريكية، لا تعتبر منتجاتهم — رسميًّا — دواءً؛ فهي إما نوع من الغذاء أو مستحضرات التجميل.

فمن المحتمل أن زجاجة البكتيريا النافعة التي تشتريها من الصيدلية ستساعد فعليًّا في تعزيز عملية الهضم لديك، أو ستعزز جهازك المناعي، أو ستقضي على رائحة نفَسك الكريهة. لكن يُحتمل أيضًا أن تتعرض البكتيريا التي تشتريها للإبادة داخل البيئة القاسية في جسمك. إن كثيرًا من الأنواع التي ستجدها في المنتجات التي تحتوي على بكتيريا نافعة لا تنتمي حقيقة لمجموعات الأنواع السائدة في الميكروبيوم البشري. فما إن تتوقف عن تناولها، تختفِ من جسمك.

ربما يرجع شعورك بالتحسن عقب تناول البكتيريا النافعة إلى أسباب مختلفة تمامًا. فمن يدري؟ ربما تكون مجرد فكرة أن حبة دواء بإمكانها «استعادة نظامك البيئي» لها تأثير نفسي قوي. وطالما أن الشركات لا تزعم أن الجراثيم التي تطرحها تشبه العقاقير، تستطيع أن تقول ما بدا لها (فقد تعرضت شركة دانون للمساءلة في عام ٢٠١٠ لزعمها أن زبادي «أكتيفيا» يمكنه علاج نزلات البرد). مع ذلك لم يعد الحال هكذا في أوروبا؛ ففي نهاية عام ٢٠١٢ لم تعد الشركات قادرة على الترويج للمنافع الصحية للجراثيم الموجودة في منتجاتها.

ربما لن تضرك هذه المنتجات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العلاج الطبي. فإذا كنت مصابًا بحالة خطيرة من مرض السكري، يجب ألا تبدأ عشوائيًّا في تناول أقراص البكتيريا النافعة لمجرد أنك سمعت أن الميكروبيوم الموجود في جسمك يؤثر على إشارات الأنسولين. هذا لا يعني أنه لا يُحتمل في يوم من الأيام وجود علاجات ميكروبيومية مؤكدة النتائج إكلينيكيًّا لعلاج مرض السكري، إلا أننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد.

لكن ترى مجلة «نيتشر بايوتكنولوجي» أننا بصدد الوصول إلى هذه المرحلة. فيركز العدد الحالي منها تركيزًا خاصًّا على الميكروبيوم (للأسف عبر جدار دفع). وكما أشار المراسل الصحفي تشارلز شميدت في مقال له بالمجلة، فإن الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية في سبيلها لبدء السعي للحصول على اعتماد الأدوية من أجل إثبات أن بعض البكتيريا آمنة وفعالة بالفعل. يختبر المتخصصون في طب الأمعاء في مينسوتا سلالة من الإشريكية القولونية لتكون علاجًا لنوع من التهاب الأمعاء يطلَق عليه اسم التهاب الجيب. وساهم أيضًا بيرنات أوليه — المؤسس المشارك لشركة «فيدانتا بايوساينسز» في بوسطن — بمقال في مجلة «نيتشر بايوتكنولوجي» ذكر فيه أن شركته تختبر خليطًا من الأنواع التي تستطيع إعادة بناء النظام البيئي للأمعاء الذي تؤدي الأمراض إلى تدهوره.

كل هذا جيد جدًّا عدا أن البكتيريا التي تدرسها هذه الشركات كانت معروفة منذ وقت طويل. يرجع هذا إلى أن البيئة داخل المختبرات مواتية بدرجة تسمح لها بالنمو. فمعظم الميكروبات داخل أجسامنا تحتاج ظروفًا غير تقليدية بالمرة؛ ولهذا بدأ العلماء في اكتشاف هذه الميكروبات من خلال استخلاص حمضها النووي من أجسامنا. هذا وتحاول بعض الشركات العثور في هذا التنوع المكتشَف حديثًا على أنواع رئيسية قد تكون لها تأثيرات مهمة على صحتنا. يمكن أن تكون هذه الأنواع الجديدة أيضًا اختبارات من أجل تشخيص الأمراض. فعلى سبيل المثال، ترتبط بعض الميكروبات الموجودة بالفم باحتمال الإصابة باعتلال القلب. حصل فريديك بيكهيد في جامعة جوتنبرج بالسويد هو وزملاؤه على براءة اختراع لابتكارهم أسلوبًا لتقييم هذا الاحتمال من خلال دراسة البكتيريا الموجودة في بصقة.

يشير أوليه أيضًا إلى أن بعض الشركات تقوم بتصميم بكتيريا بالهندسة الوراثية نستطيع استهلاكها. ويشهد هذا العام الذكرى الأربعين لغرز أول جين حيواني في الإشريكية القولونية. وحاليًّا تنتج الإشريكية القولونية والميكروبات الأخرى المصممة بالهندسة الوراثية كميات هائلة من الدواء والمنتجات الأخرى. إلا أنها تقوم بهذا الأمر داخل صهاريج تخمير عملاقة، لا داخل أمعائنا. يجب على المصابين بمرض السكري انتظار حصول هذه الشركات على الأنسولين من الإشريكية القولونية، ثم تنقية الجزيء وبيعه في قوارير يستطيعون حقن محتوياتها في مجرى الدم. تخيل بدلًا من ذلك أن يتمكن الناس من تناول البكتيريا التي قد تقيم داخل الأمعاء وتنتج عقارًا منقذًا للحياة حيث تكون الحاجة إليه تمامًا.

تحاول شركة تسمى «أكتوجينيكس» القيام بهذا الأمر. فقد أجرت تجارب بشرية مبكرة على نوع يطلَق عليه «لاكتوكوكس لاكتيس» صممته بالهندسة الوراثية ليحمل جينًا يفك شفرة بروتين مضاد للالتهاب. صممت شركة أخرى تسمى «أوسيل» بكتيريا «لاكتوباسيلس جينسني» بحيث تحمل جين سيانوفرين-إن، وهو بروتين ربما يساعد في الوقاية من الإصابة بعدوى فيروس نقص المناعة البشري. وهي لا تزال في مرحلة ما قبل التجارب السريرية.

لن تغير هذه الموجة من الجهود الطب على المدى القصير، لكن ربما على المدى المتوسط. أجرت مجلة «نيتشر بايوتكنولوجي» استطلاعًا للرأي بشأن مستقبل الميكروبيوم في الطب بين الخبراء، فصرح ييرون رايس بجامعة فراي في بروكسل قائلًا: «إن إمكانية تحوير مجهريات البقعة المعوية هائلة للغاية، وكذا الحال بالنسبة للسوق. فبعد ١٥ عامًا سنتمكن من شرب أمزجة من البكتيريا النافعة المحدَّدة والمُعدَّة لكل فرد على نحو مخصص. وأنا أقترح أن يقوم كل إنسان صحيح بتجميد عينة من البراز حاليًّا حتى يستطيع علاج نفسه في المستقبل.»

Bugs as Drugs by Carl Zimmer. The Loom. April 8, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.