كان الناس يتهامسون في الأسبوع الماضي بأن شيئًا جديدًا قد طرأ في مسألة الدَّين وأداء فوائده ذهبًا أو ورقًا. وكانوا يتهامسون بألوان من الأحاديث في تفسير هذا الشيء الطارئ، وأشرنا نحن إلى هذا كله حين أخذنا الوزارة القائمة بالمواقف المريبة التي تقفها بإزاء المفاوضات والامتيازات والدَّين. ولم نرد أن نبسط القول، فقد زعموا أن من الحق على الصحف إذا عرضت لبعض المسائل السياسية الخارجية أن تصطنع الدقة وتحرص على الاحتياط، وألا تقول كل ما تعلم حتى لا تحرج الذين يشتغلون بهذه السياسة الخارجية، ولا تثير من المشكلات ما لا خير في أن يثار؛ لذلك لمحنا ولم نصرح، وأجملنا ولم نفصل، وقدرنا أن في هذا التلميح ما يكفي. ولكن يظهر أن «الأهرام» تريد أن تخطو خطوة أوسع من خطوتنا نحن؛ فهي تلمح أيضًا، ولكن تلميحها أقرب إلى التصريح، وهي تُجْمِل ولكن إجمالها أدنى إلى التفصيل.

وهي تحدثنا صباح اليوم بأن مسألة الدَّين قد طرأ عليها تعقيد سياسي له قيمته وخطره. فالظاهر أن المندوب السامي قد ذهب إلى لندرة ليقنع حكومته بمعونة مصر في ألا تدفع ذهبًا. وكانت حكومته قد أظهرت استعدادها لهذه المعونة وموافقتها على وجهة النظر المصرية. والظاهر أيضًا أن إيطاليا قد أظهرت ميلًا إلى إجابة مصر إلى ما تريد. وإذن، فلم تبقَ إلا دولة واحدة هي التي تغير موقفها، وهذه الدولة هي فرنسا.

و«الأهرام» تتساءل عن الأسباب التي تدعو فرنسا إلى التشدد في موقفها هذا، وتمنعها أن تظهر لمصر ما أظهرته دائمًا من المودة وحسن الاستعداد لتوثيق الصلات بينها وبيننا على قاعدة التعاون الصادق الخالص من الشوائب، بمقدار ما تستطيع الصلات السياسية بين الأمم أن تخلص من الشوائب. وتحاول «الأهرام» أن تجيب على هذا السؤال، فلا تصدِّق أن فرنسا تتشدد في موقفها؛ لأن الفرنسيين الذين يملكون السندات المصرية كثيرون جدًّا، وتلاحظ «الأهرام» — ولها الحق — أن منفعة فرنسا إنما هي في حسن الصلة بينها وبين مصر، وفي المحافظة على تقاليدها في معاملة مصر، وفي الظفر بما ظفرت به دائمًا من حب المصريين لها، وإيثارهم إياها بالمودة حين يقيمون في بلادهم، وبالزيارة حين يرحلون عنها. وإذن، فليس هذا السبب هو الذي يضطر فرنسا إلى أن تتشدد في موقفها بإزاء مسألة الدَّين، ويكون حظها من حسن الاستعداد أقل من حظ إنجلترا وإيطاليا، فيجب أن يكون هناك سبب آخر، وهذا السبب تستنتجه «الأهرام» بالظن والحدس. ونريد نحن أن نستنتجه بالحدس والظن أيضًا كما فعلت «الأهرام»؛ لأن الظن والحدس هما أقرب وسائل الاستنتاج وأصدقها في مثل هذه المسائل، وهو أن فرنسا ليست قليلة الحظ من حسن الاستعداد بالقياس إلى مصر، ولعلها شديدة الحرص جدًّا على أن تحتفظ بتقاليدها وتؤثر حب المصريين ومودتهم على هذه المنافع المالية اليسيرة التي لا تلائم حقًّا ولا عدلًا. ولعلها كانت تريد أن تقبل وجهة النظر المصرية، ولكن على أن تقبلها هي، وعلى أن تسدي هي إلى مصر هذا الصنيع، وعلى أن يشعر المصريون شعورًا واضحًا بأنها قد آثرت مودتهم على منفعة فريق من أبنائها. فأما أن تغير موقفها؛ لأن الإنجليز أرادوا ذلك أو أشفعوا فيه، فتخسر هي من الناحية المادية ولا تربح شيئًا من الناحية المعنوية، ويستأثر الإنجليز بهذا الربح المعنوي، ويعتقد المصريون أن إنجلترا هي التي وضعت عنهم ثقل الدفع ذهبًا — فذلك شيء تنفر منه فرنسا ولا ترضاه لا لكرامتها ولا لما تريده لعمالها من حسن الموقع في نفوس المصريين.

وتدافع «الأهرام» بعد ذلك عن توسط الإنجليز بما ليس يعنينا أن نقف عنده الآن. إنما الذي يعنينا، هو أن تحرج فرنسا من أن تسدي إلى مصر صنيعة بإدارة الإنجليز، أو بشفاعتهم أمر قد تحدَّث فيه الناس منذ أيام، وكرهنا نحن أن نفصِّل القول فيه. وما كنا لنعود إليه لولا أن استنتجه «الأهرام» صباح اليوم بالظن والحدس والتخمين كما تقول.

ومن المعقول جدًّا أن تجد دولة عظيمة كفرنسا مثل هذا الحرج، ولكن من المعقول أن يتساءل الناس عن الذي اضطر فرنسا إلى هذا الحرج، فالمعروف أن الإصبع الإنجليزية لا تدع أمرًا من أمور السياسة الخارجية المصرية إلا مسته ولعبت فيه. والمعروف أن فرنسا وغيرها تعلم هذا حق العلم، وتعلمه بنوع خاص منذ سنة ١٩٠٤، وتعلمه بنوع أخص منذ أرسلت إلى الدول تبليغها بعد صدور تصريح فبراير سنة ١٩٢٢. وإذن، فأيُّ شيءٍ جَدَّ في الأمر؟ أهي حكومتنا التي لم تحسن تصريف هذا الأمر الدقيق ومراعاة ما يحيط به من الظروف فاضطربت فيه اضطرابًا مريبًا: أظهرت للفرنسيين استقلالًا لم تستطع أن تحتفظ به وتمضي فيه! وأظهرت للإنجليز تهالكًا لم تستطع أن تخلص منه أو تتراجع عنه؛ فصدقها الفرنسيون وهموا أن يعاملوها معاملة الحكومات المستقلة، وأسرع الإنجليز فاستغلوا تهالكها عليهم وإسرافها في الاستعانة بهم، ونشأ عن هذا الموقف المريب ما كان موضوع حديث الناس منذ أسبوع، وما استنتجته «الأهرام» بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم؟ أم هو شيء آخر لم يصل إليه بعد حظ «الأهرام» من الظن والحدس والتخمين؟

قد يكون هذا وقد يكون ذاك! وكلاهما يحزن وكلاهما يسوء. ولكنَّ وراء هذا وذاك شيئًا لا يحزن ولا يسوء، بل يُسر ويُرضي؛ وهو أن موقف الأمة المصرية بإزاء مسألة الدَّين قد أحدث آثاره الطبيعية، فأخذت الدول تظهر استعدادها لقبول الرأي المصري، وكلها تحرص على أن يشعر المصريون منها بحسن هذا الاستعداد.

ووراء هذا وذاك شيء آخر، هو أن من الخير أن تتخذ الحكومة في السياسة الخارجية طريقًا واضحة، وخطة صريحة جلية لا يظهر فيها عوج ولا الْتواء. فقد يدعو فساد الظروف السياسية الداخلية للحكومة إلى أن تدور وتضطر، فتمضي حينًا، وترجع حينًا وتمضي مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، وتسرف مرة في القوة ومرة في الضعف، وتصانع مرة وتصارح مرة أخرى. كل هذا يحدث مع الأسف، وكل هذا يمكن تفسيره وتأويله في السياسة الداخلية. أما في السياسة الخارجية فشره أنه حدث عظيم؛ لأن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تعتمد على مداورة الأحزاب ولا مصانعة الأصدقاء ومدافعة الخصوم. وسواء أصحت كل هذه الأحاديث أم لم تصح فإن الذي يلاحظ دائمًا على سيرة وزارتنا القائمة في مسائل السياسة الخارجية هو أنها لا تخلو من غرابة وإيثار للغموض والإبهام. والواقع أننا لم ننتظر خيرًا منذ ارتحل رئيس الوزراء إلى أوروبا فأخذ يظهر في سياحته تلك بهذه المظاهر الفخمة الضخمة التي هي أشبه شيء بالإعلان التجاري منها بالزيارات السياسية. لم ننتظر خيرًا من هذا الإعلان، بل توقعنا منه شرًّا كثيرًا. فقد يكون من الحسن أن يظهر رئيس وزرائنا في إيطاليا أو فرنسا بمظهر رئيس الوزراء للبلاد المستقلة حقًّا، ولكن على شرط أن يجد من نفسه القوة على أن يظل كذلك، وبشرط ألا يستحيل هذا الاستقلال الفخم الضخم إلى تهالك واستذلال متى وصل رئيس الوزراء إلى جنيف، فأخذ ينتظر وزير الخارجية الإنجليزية ويصطنع المقبول وغير المقبول من الوسائل ليظفر برؤيته والتحدث إليه، ثم إذا عاد إلى القاهرة اتخذ المقبول وغير المقبول من الوسائل ليظهر أنه متمتع بعطف وزير الخارجية الإنجليزية.

هذا التناقض نفسه مريب، وهو إن كان مريبًا بالقياس إلى المصريين مع أنهم يعلمون من أمر رئيس الوزراء ما يعلمون فهو أكثر ريبًا بالقياس إلى الأجانب الذين إن عرفوا شيئًا فقد تخفى عليهم أشياء.

لقد زار رئيس وزرائنا روما وفرنسا وتحدث إلى الحكومتين الإيطالية والفرنسية في مسألة الدَّين حديث الوزير المستقل. ولكنه لم يلبث أن ذهب إلى جنيف فدار حول وزير الخارجية الإنجليزية دوران الوزير غير المستقل. ثم عاد إلى القاهرة وإذا الإنجليز يتوسطون عند فرنسا وإيطاليا فيما كان يحدثهما فيه رئيس الوزراء من غير واسطة؛ فإحدى اثنتين: إما أن يكون رئيس وزرائنا مستقلًّا فيسير سيرة المستقلين، أو تابعًا فيسير سيرة التابعين. أما الاضطراب بين هاتين السيرتين فهو الذي لا خير فيه، وهو الذي يثير الريب والشكوك ويملأ الجو بهذه الأحاديث التي أفاض الناس فيها منذ أيام، والتي استنتجتها «الأهرام» بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم، والتي لا تفيد أحدًا من الأجانب ولا من المصريين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.