بعد ألفي سنة تعود كليوبترة وتستأنف إثارة المشكلات في المدينة الخالدة أو المدينة المقدسة، وتثبت أنها لا تزال أهلًا للاختلاف عليها وهي في عالم الظلام.

كان جمال كليوبترة — ولو في الظاهر — هو علةَ القتال العنيف الذي نشب بين أغسطس ومارك أنطوني القائدين الرومانيين الكبيرين؛ لأن مارك أنطوني طلق زوجته «أُكتافيا» أخت أغسطس وأهانها لغرامه بحية النيل كما كانوا يسمونها.

وقبل ذلك كانت كليوبترة مثار الخلاف بين يوليوس قيصر وحزب كبير في مجلس الشيوخ يأبى أن يؤيدها في نزاعها مع أخيها مطاوعة لأهواء قيصر، ومن هذه الأهواء غرامه بكليوبترة وهي في نحو العشرين!

أما خلاف اليوم فلا شأن له بالسياسة ولا بالحرب، ولا شأن له «بشخصي كليوبترة ولا بجسدها».

خلاف اليوم على التمثال بعد زوال الأصل الأصيل بأكثر من ألفي عام، على تل من التلال السبعة التي تقول لنا الأساطير: إن المدينة الخالدة مقامة عليها يرتفع تمثال «فينوس» أو الزهرة ربة الجمال في مذهب الأقدمين.

ويتوالى النقاد والمؤرخون عصرًا بعد عصر وهم يسمونها زهرة «الإسكيلين»؛ نسبة إلى التل المشهور.

ثم يأتي في هذه الأيام مؤرخ إيطالي فينكر ما تعارف عليه الأوائل وأجمعوا عليه، ويقول: إن التمثال لم ينصب للربة السماوية فينوس، وإنما نصب للربة الأرضية كليوبترة حية النيل. وواحد من براهينه الكثيرة على ذلك أنها تضع بجانبها حية لم تكن ممن يوضع إلى جانب ربة الجمال.

ويطلع المؤرخ الحفري جورجيو جليني Gullini على آراء هذا المؤرخ فيرفضها بكلمة واحدة: مستحيل، مستحيل!

مستحيل لماذا؟ لأن التمثال «أبرد» من أن يكون صورة لكيلوبترة التي تشع الحرارة من تاريخها بعد ألفي سنة.

رأي مع الآراء

والحقيقة أن التمثال لا يشبه التماثيل التي أقيمت لفينوس في العصور القديمة، مع اختلاف الملامح بينها في الوجه والنظرة.

لكننا لا نظن هذا الاختلاف في الشبه كافيًا لتحويل التمثال من صورة لفينوس إلى صورة لسليلة البطالسة، فإن صانع التماثيل يختار نماذجه وفاقًا لذوقه وتقديره، ولا يتفق أن تتشابه النماذج على تباعد البلدان والأزمنة، وتعدد المشارب والأذواق.

أما الذي يشككنا في نسبة التمثال إلى «فينوس» فهو سن التمثال لا ملامح التمثال.

فإن الأقدمين لم يتعودوا أن يمثلوا ربة الجمال في صورة البنت النامية التي لم تستوفِ بعد سواء الأنوثة الناضجة، ولكنهم مثَّلوها دائمًا في صورة امرأة بين الخامسة والعشرين والثلاثين، ولولا حرصهم على بروز النهدين لتأخروا بها عن هذه السن بضع سنوات.

كانت باردة فعلًا

وأما الأستاذ جليني المؤرخ الحفري الذي استبعد أن يكون التمثال لكيلوبترة؛ لأنه «أبرد» من أن يمثلها، فهو مأخوذ بالإشاعات عن هذه المرأة التي غلبت فيها الأقاويل على الحقائق الكامنة وراء جميع الإشاعات.

إنه يظن أن حية النيل كانت شعلة من الغرائز الجنسية لا تفرغ من التهالك على اللذات والتصدي لأهواء الرجال؛ ولهذا خطر له أن الرخام البارد خليق أن ينقل للناظر قبسًا من حرارتها المتوهجة، وإلا فهو تمثال لغيرها وإن كانت غيرها «الباردة» في نظره ربة للجمال.

إلا أن كليوبترة في الحق لم تكن على هذه الصورة التي انعكست عليها من غرام عشاقها الكثيرين.

لقد كانت «باردة» فعلًا وكانت تلعب بالعقول ولا يلعب بعقلها أحد، وكان الرومان يخافونها ويحسبون أنها هي الملكة التي تذهب بمجد دولتهم كما جاء في نبوءات العرافين والكهان. وقال المؤرخ القدير الدكتور تارن Tarn: إن الدولة الرومانية لم تنزل عن كبريائها قط لتحسب حسابًا لعدو من أعدائها غير إنسانين اثنين؛ هما: هنيبال وكليوبترة!

وفي رأي بعض المؤرخين المعاصرين أن كليوبترة أعظم حاكم قام في مصر من دولة البطالسة، وأنها عملت برأسها قبل أن تعمل بقلبها في علاقاتها السياسية أو علاقاتها بقيصر وأنطوني وأوغسطس، ولم تكن مغلوبة على هواها في علاقة من تلك العلاقات.

والذنب على كليو

والذنب على «كليو» في أكثر هذه الإشاعات.

و«كليو» كما نعلم هي عروس التاريخ والملاحم بين عرائس الفنون والعلوم. واسم كليوبترة قريب من اسم هذه العروس كما هو ظاهر من نطق حروفه، ولكنها على هذه القرابة اللفظية لم تسعد من التاريخ بالكلمة الصادقة، ولم يكن نصيبها منه — أو أكثر نصيبها منه — إلا حفنة من الأكاذيب.

لؤلؤة لا تذوب

وأول هذه الأكاذيب في علاقاتها بالقائد أنطوني — كما زعموا — وضعت لؤلؤة نفيسة في قدح الشراب فذابت وشربتها؛ لأنها لا تقنع بالرحيق شرابًا «لصحته» كما نقول الآن، ولا تضمن على الكأس الأولى التي تشربها معه بألوف الدنانير.

وفي وسعك اليوم أن تعلم أنها أكذوبة لم تحصل ولا تحصل الآن؛ لأن الخل — أقوى حامض يستطاع شرابه — لا يذيب اللآلئ الغالية ولا الرخيصة، فإذا كان المشروب أقوى من الخل كثيرًا فما هو بصالح للشراب، وما هو بمعروف بين الخمور التي تعاطاها الأقدمون أو يتعاطاها المحدثون.

والحمامات

ومن أكاذيب «كليو» عن كليوبترة أنها تركت المعركة في «أكتيوم» ولاذت بالخليج الأزرق في مرسى مطروح؛ لتنعم مع عشيقها أنطوني بسهرات الطرب والغرام.

ومنذ أسبوعين نقلنا كلامًا عن هذا الخليج من كتاب الرحلة التي قام بها الفتيات الثلاث في الصحراء الغربية. فلا يزال الناس يتخيلون أن الخليج الأزرق أو «اللاجون» في مرسى مطروح حمام من حمامات كليوبترة لا يصلح لغير ليالي العشاق.

واللاجون حقًّا «حمام» يغري بخلق الأحاجي والخيالات، ولا بد له في الوهم من عشاق ومن هالات ومن فواجع كفواجع العشاق التقليديين، الذين يستحقون من الطبيعة أن تدبر لهم مكانًا للسياحة وللغرق أخيرًا كهذا المكان!

رأيت البحر الأبيض في بيروت ويافا وبورسعيد والإسكندرية والسلوم، فلم أرَ ماءً من أمواهه يشبه ماء هذا اللاجون في الصفار الذي يكاد ينافس الضياء.

فكيف يكون في مصر غرام كغرام كليوبترة ولا يتصل في خبر من أخباره بهذا الصفاء السماوي، لولا أنه فوق الماء؟

لكنه الحاصل في أرجح الأخبار.

فإن كليوبترة لم تترك «أكتيوم» إلا بعد اليأس من النصر الأخير، وعادت إلى قصرها في مريوط ولم ترجع إلى مرسى مطروح؛ لأنها أرادت أن تتلقى الخبر على بعد من الإسكندرية، لكيلا يعلم الشعب وحاشية القصر مصير المعركة من مظهر الرسول الذي يحمل أخبار الهزيمة، فإذا أيقنت بالهزيمة الأخيرة أدركت الموقف بتدبيرها الأخير، إن كان ثمة تدبير.

فلما علمت بهزيمة الأسطول عادت بسفينتها بين الرقص والغناء ومعازف الموسيقى تسبقها بأصواتها إلى مدًى بعيد، وغلب الظنون أنها انتصرت في المعركة وأنها تعود في هذه الزفة عودة الظافرين. وخطر لها أنها تستطيع بعد هذا كله أن تجمع أسطولها في البحر الأحمر وأن تنقل السفن بطريق النيل إلى خليج السويس، فأطبقت المصائب تباعًا بانسداد طريق القناة بين النيل والبحر الأحمر وانقطاع الماء فيها موضعًا بعد موضع. وجاءت الأنباء من سورية بخذلان الجيوش لأنطوني وانفضاض الفرق الموالية له وللدولة المصرية وانضمامها إلى الأعداء. وأيقنت أنها لن تساوم أغسطس بعد هذا مساومة الأنداد، فلا مصير لها إذن إلا أن تقاد في موكب النصر فرجة للمتفرجين بالمدينة الخالدة، أو تبخع نفسها بيديها وتفوت على غريمها هذا الحلم الجميل.

وقد اختارت الحية لتنجو بسمها الزعاف من هذه المهانة، وعنيت بتربية هذه الحية وتدريبها كأنها تعنى بتربية قط وديع أو طائر بريء. وظهر «برود» تفكيرها في هذا الاختيار الذي صبرت عليه سنوات؛ لأن «الحية» من رموز الملك والحكمة وزينة التاج عند ملوك مصر الأقدمين.

وما أكثر حماماتها

ويكاد كل أثر على الماء يحسب حمامًا لكليوباترة في عرف الأثريين المرتجلين.

ويسري هذا الخاطر من شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى سواحل النيل في أسوان.

فهناك يرى السائح إلى اليوم بِنية أمام ديوان المديرية يسأل عنها فيقال له: إنها «حمام كليوبترة»، وكل ما يعلم عنها على التحقيق أنها بنيت في العهد الروماني ودخل عليها في العهد العربي بعض التعديل.

هذا ما يعلم عنها على التحقيق.

أما ما يعلم عنها في باب الطرائف والفكاهات فكثير، ومنه تصحيف اسم كليوبترة أو «كلوبطرة» على لسان رجل من أبناء أسوان في الجيل الماضي كان من أقدر خلق الله على تصحيف الألفاظ بغير فهم لمعناها.

وكان مصدر ولعه بالتصحيف أنه كان يحفظ القرآن حرفًا حرفًا ويعتقد أنه يحتوي على [كل] كلمة ينطق بها لسان إنسان. ثم استطرد من ذلك إلى اعتقاد مثله في اللغة العربية، فهي في عرفه تشتمل على جميع الكلمات في جميع اللغات؛ لأنها اللغة التي تكلم بها آدم عليه السلام، وتعلم بها الأسماء.

كان يقال له: أفي القرآن مليم؟

فيقول على الأثر: نعم، «فالتقمه الحوت وهو مليم».

ويقال له: أفي القرآن نيكلة؟

فيقول على الأثر: نعم، «نكال الآخرة والأولى».

ويسألونه: أبواخر كوك موجودة في القرآن؟

فيجيب لتوه: نعم، «وتركوك قائمًا».

ويسألونه: أفيه ذكر للبشارية؛ وهم قبيلة صحراوية تلقي رحالها في خلاء المدينة؟

فلا يلبث أن يجيب: «يا بشرى هذا غلام.»

ويأتي جوابه على حسب حالاته، فإذا كان راضيًا آمنًا فالجواب كما تقدم، وإن كان غاضبًا مرتابًا فيمن يسأله كان جوابه أولًا: نعم يا زنديق! نعم يا منافق! إي والله يا كافر، إي والله يا «ضلالي» أو يا خبيث، أو يا ابن …

ويسأله أولاد الحلال يومًا: هل كان آدم عليه السلام يعرف «كلوبطرة»؟

فيقول: وكيف لا يعرفها يا أولاد الحرام وهي من صلبه واسمها واحد من الأسماء؟! إنها «قلوب طرية» … طمس الله على أبصاركم وبصائركم!

وما أقرب كلوبطرة من قلوب طرية في مسمع الأذن، وفي تخريجات المؤرخين والقصاصين!

إبرة كليوبترة

على أن التاريخ لم يفلت عياره في خبر من أخبار كليوبترة المسكينة كما أفلت عياره في تسمية الأنصاب التي تعرف بالمسلات.

في لندن وفي نيويورك تُشاهَد مسلتان نقلتا من مصر قبل نحو ثمانين سنة وعرفت كلتاهما باسم إبرة كليوبترة.

وكليوبترة بَراء من الاسم والمسمى؛ فإن المسلتين أقيمتا في عهد تحوتمس الثالث، ولا شأن بهما لكليوبترة على الإطلاق.

وأما التسمية فهي من بدائع العادة الذهنية المعروفة بتداعي الخواطر والمشابهات.

نظر المصريون إلى هذه الأنصاب فسموها بالمسلات تشبيهًا لها بالإبرة الكبيرة التي تخاط بها الأنسجة الغليظة، ثم جاء الأوروبيون فترجموا الكلمة ترجمة حرفية باسم Needle.

وتقترن الإبرة دائمًا بامرأة، فمن تكون المرأة التي تقترن هذه الإبرة باسمها؟ كليوبترة ولا سواها!

لأن المسلة من آثار مصر، والغربيون لا يعرفون امرأة مصرية من عهد تلك الآثار غير كليوبترة!

وما أعظمها من ماردة سحيقة تلك التي تلعب بمسلة تحوتمس بين أصابعها!

وأنف كليوبترة أخيرًا

وأخيرًا خرجت كليوبترة من أساطير التاريخ وخرافاته إلى فلسفة التاريخ في لبابها، فكثيرًا ما نسمع اليوم أن أنف كليوبترة لو طال نصف قيراط لتغير مجرى التاريخ.

والقائلون بهذا يريدون أن الصغائر الشخصية قد يكون لها من الآثار في الحوادث العظمى ما يحيط بالدول والأمم؛ لأنه يعمل عمله في الحروب والمنازعات.

وأصحاب هذا «الشعار التاريخي» خاصة يريدون أن مارك أنطوني ما كان ليشغف هذا الشغف بالفاتنة المصرية لو كان لها أنف تنفر منه الأنظار.

ولا نخالهم إلا على صواب.

فلا شك أن سلوك «مارك أنطوني» كان يختلف كثيرًا لو لم يكن مشغولًا بغرام كليوبترة، وأن نفوذه بين الجيوش الرومانية كان يتوقف على ذلك السلوك، فلا يتخلى عنه من تخلى، ولا يكون في مصر حين ينبغي أن يكون في سورية.

وأنف كليوبترة ولا ريب قوة فعالة في ذلك السلوك وفي كل ما ترتب عليه.

ولكن ماذا تصنع المسكينة، وماذا يصنع أنفها حين يقضي التاريخ قضاءه الأخير في القلوب والعقول والملوك والملكات؟!

يجري إلى مستقره وأنف المسكينة في الرغام!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.