إذا لم يكن بُدٌّ من تفضيل إحدى مدارس النقد على سائر مدارسه الجامعة، فمدرسة «النقد السيكولوجي» أو النفساني أحقها جميعًا بالتفضيل في رأيي وفي ذوقي معًا؛ لأنها المدرسة التي نستغني بها عن غيرها ولا نفقد شيئًا من جوهر الفنِّ أو الفنان المنقود.

إنَّ المدرسة الاجتماعية تُفسِّر لنا عوامل العصر في المجتمع الواحد، ولكنها لا تفسر لنا الفوارق بين مائة شاعر أو كاتب يعيشون في مجتمع واحد وفي حقبة واحدة.

والمدرسة الفنية أو البلاغية تفسِّر لنا أسباب شيوع الذوق المختار إيثارًا لأسلوب من التعبير على أسلوب، ولكنها قد تعرفنا بالصانع وبالقدرة على الصناعة، ولا تنفذ من وراء ذلك إلى «الإنسان» الذي يصنع والإنسان الذي يتذوق ذلك الفن من فنون الصناعة اللفظية أو المعنوية.

أما الناقد السيكولوجي فإنه يُعطِينا كل شيء إذا أعطانا بواعث النفس المؤثرة في شعر الشاعر وكتابة الكاتب، ولا بد أن تُحيط هذه البواعث — إجمالًا أو تفصيلًا — بالمؤثرات التي جاءته من معيشته في مجتمعه وفي زمانه.

وآية القدرة في يد الناقد السيكولوجي أن يشمل العصر كله بمقاييسه النفسانية حين يهتدي إلى وجوه المشابهة في الأعماق، فيرجع بها إلى سببٍ واحدٍ شاملٍ لجميع المناهج والأساليب والدوافع السيكولوجية، وإن بدا عليها أنها تفترق بينها أبعدَ افتِراق.

قليلٌ من النقاد مَن يستطيع هذا في عصره، ومن هذا القليل الأستاذ «روبرت إليوت فيتش» Fitch صاحب كتاب «أوديسة الذات المحصورة» الذي صدر في الأسابيع الأخيرة وعرضته صحافةُ الأدب الغربي للمناقشة، ولا تزال تعرضه بين الرضا عنه والسخط عليه.

هذا الناقد — بالجملة — كما جاء في بعض المجلات ينحي مرة واحدة بجرة قلم عريضة على مذاهب الإلحاد، واللاأدرية، والرومانتيكية، والعقلية، والإنسانية، والوضعية والوجودية، والسريالية، وكل مذهب ينتهي بياء النسبة في لُغَتِنا أو ينتهي «بالإزم» المعهودة Ism في اللغات الأجنبية.

كل هذه المذاهب تنتهي إلى عيبٍ واحد، وهو «الأنانية» والانحصار في الذات، وتركيز الاهتمام كله والشواغل كلها فيما يعنينا لذواتنا، ولا يخرج بنا عن محيطنا.

وعنده أن المشكلة ليست مشكلة الأنانية بمعنى «حب الذات»، ولكنها هي مشكلة الاشتغال بالذات إلى حدِّ السآمة من الذات، والاشمئزاز من الذات، وما يصحُّ أن نسمِّيَه باللهجة الدارجة «القرف من الذات».

فهذه السآمة هي التي تقود الناس في العصر الحديث إلى «تحليل الذات» وإلى «الرثاء للذات»، وإلى كراهة الذات، وحبِّ التخلص منها بما يُشبِه الانتحار؛ لأنه لا يُخرجها من أُفُقِ الحياة الواسع، ويحصرها في هذه «الذاتية» السائمة المسئومة، بغير رجاء.

وعِلَّةُ العِلل عند هذا الناقد بالجملة — ولا بد أن نذكر أنه أستاذ الفلسفة الدينية — هي الضلال عن العبادة المُثْلَى: عبادة الله الذي لا يصحُّ معنى العبادة كله إن لم يكن مداره على العبادة الإلهية.

ترك المحدَثون عبادة الله، وظنوا أنهم يستبدلون بها عبادة الطبيعة، أو عبادة الإنسانية، أو عبادة المجتمع، أو عبادة الفضاء، حتى صاروا إلى العبادة الأخيرة وهي عبادة «الذات»، فلم يزالوا بها قبولًا ورفضًا وحبًّا وبُغضًا حتى صاروا بها إلى الإفلاس.

ويقول الأستاذ «فيتش» إن عبادة الذات كانت مزهوة بنفسها قبل أن تصير إلى الإفلاس الأخير، فكان «ويتمان» شاعر أمريكا منذ مائة سنة يقول:

إنني أهيم بنفسي، وكم لي من متعة هناك!

وكان «فوست» بطل رواية الشاعر «جيتي» الألماني يَهِيم بالقوة، ودون جوان بطل رواية بيرون الإنجليزي يَهِيم بالسرور، ويتبعهم هكسلي فَيَهِيمُ بتحقيق الذات، ثم يتبعهم كيرواك فيقول بلسانه بطلُه: «إنني فراغ، إنني لا فرق بيني وبين الفراغ، ولا فرق بين الفراغ وبيني.»

والغرض الأكبر لهذه العِلة الشاملة أنه لا يُلقِي اللوم على الذات، بل يُلقِيه على كل مسئول آخر أو غير مسئول، تارة على الوراثة، وتارة على البيئة، وتارة على الربِّ المعبود، وتارة على الدولة، وتارة على البنات، وتارة على الآباء، وتارة على الحرب الباردة … إلا «الذات» وهي المسئول الأول إن لم تكن المسئول الأول والأخير. فإنها لا تلام ولا تزال براءً من الاتهام.

وما الدواء؟ وما الشفاء بعد كل هذا التوصيف والتشريح؟ وكل هذا الاتهام والإنحاء؟

الدواء في بضع كلمات أن يذكر الإنسان أنه لا يعيش ولا يعرف العزاء بغير صلاة، وأن الصلاة لا تكون ولا يفهم لها معنًى إن لم تكن صلاة إلى الله، وإذا أراد فليجرب الحقيقة وهو خالص مخلص في هذه التجربة …

وإلا فقد جرب «الذات» وكل مضافٍ إلى الذات من حبٍّ وكراهية، وشغلان وسآمة، وتحليل وتركيب، فلم ينته إلى شيءٍ غير الإفلاس.

إن هذا الكتاب لم يصل إلينا بعدُ، ولم نعرف منه إلا ما قرأناه من مقتبساته ومن تعليقات النقَّاد عليه، ولكن القدرة على «الإحاطة» العميقة واضحة في هذا المقدار الذي عرفناه عنه، وهو يوافق اعتقادنا الدائم أن المصيبة كلها في أدعياء الإصلاح أنهم يعفُون «المصابين» من المسئولية ويُلقُونها تارة على المجتمع وتارة على الوراثة … وينسون أنَّ كلَّ صلاحٍ يُبنى على أن الإنسان «غير مسئول» هو إصلاح مستحيل، ولا يَعنِينا بعد ذلك أن يكون صحيحًا أو غير صحيح. فإن المريض الذي لا يفهم أولًا أنه مسئول عن طلب العلاج النافع لا يُفيده بحال من الأحوال أن يعلم ما هي العدوى ومن أين انتقلت إليه.

لا بد من نهوضِ «الذات» بالمسئولية قبل كل شيءٍ، وهذه هي الخطوة الأولى للخروج من الذات والقدرة على رؤيتها ورؤية ما حولها، وبغير ذلك يتساوى حبُّ الذات وكراهة الذات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.