لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئًا من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضًا؛ فلا بد لأعمال الوزارة من غربال، ينقِّي منها الخبيث، ويستبقي منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل، أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء، حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت المنبثَّة في أنحاء القاهرة والإسكندرية، والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.

ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمرَّ أعمالها بالغرابيل. فأما غرابيل البرلمان فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلًا، تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضًا، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.

كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.

وكانت تريد أن تخصِّصَ منها في أمر الصحافة أيضًا، وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالًا خفيًّا، لا تعرفه أنت ولا أعرفه أنا، قد ظهر لها من حيث لا تحتسب، فهزَّ أمر الصحافة هزًّا وغربله غربلة، وقسمه أقسامًا ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس، وسنتحدَّث عنها بعد حين.

فأما غربال الصحافة فالوزارة تَضِيق به، وتسخر منه في وقت واحد؛ تضيق به، وهي لذلك تودُّ لو قطَّعته تقطيعًا، وتحزن كل الحزن؛ لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه؛ لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب، وهي على ذلك تركب رأسها، لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمرَّ بها معرِضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.

فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقًّا عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرَّة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف، وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهُّل والأناة.

كانت الوزارة تريد — لأن موظفًا كبيرًا من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد — أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتدَّ في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين، وكانت الوزارة تريد — لأن موظفًا كبيرًا من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد — أن تغل التاريخ وتقيِّد كتَّابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد — لأن موظفًا كبيرًا من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد — أن تعيد النظر في قانون المطبوعات، وتستحدث للصحف نظامًا جديدًا، ضيقًا، دقيقًا، ينفَّذ في المصريين والأجانب معًا.

وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجِّلة لا تحتمل الريث ولا الأناة؛ لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكَّر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغشَّ، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان؛ لأن البرلمان غائب؛ ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.

وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف وهي تريد أن تنكِّل بها تنكيلًا؟! ولكن الوزارة كانت تريد شيئًا، والله عز وجل كان يريد شيئًا آخر، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له من أحد مهما يكن، حتى ولو كان موظفًا كبيرًا من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرِّخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها عدولًا نهائيًّا، واضطرَّ هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب، وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكم، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفَّذ في المصريين والأجانب معًا، فقد أرجأته الوزارة إرجاءً، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضًا؛ إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوِض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعًا، وإما لشيء آخر؛ وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان، فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام، فيقال: إن الوزارة جادة في ذلك، ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.

وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.

وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهرًا على اقتراحه هذا، فليصبر شهرًا أو شهرين على ما بقي منه، وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنَّبَها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخَّاها الأذكياء.

ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان، ولا سيما إذا كان التعجل مخالفًا للدستور خارجًا على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهِّد لتراجع الوزارة وتهوِّن عليها احتمالَ هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حُسنَ بلائها وما وُفِّقَت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.

وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تَحُول بين الوزراء وبين مختلفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.