كتب إليَّ بعضهم يستشيرني في العيد كيف يقضيه! حتى عن هذا يسأل بعضُهم! وقد حرت كيف، وبماذا أجيب؟ ثم خرجت من المأزق الذي زج بي فيه سؤاله بكتاب وجيز، هذا بعض ما فيه:

«والشرط في العيد أن يشتري لك سواك كسوة، فإذا لم يوفقك الله لهذا، أو كنت ممن يَشترون ولا يُشترى لهم، فلا عيد لك. ويجب أن يكون مع الكسوة لعبة — أي لعبة — كرة ملونة مخططة، أو زمارة، أو حصان خشبي، أو ما شئت غير ذلك، على أنك سألتني فأنا أختار لك «البارود» إذا كنت غلامًا، وإذا كنت لا تعرفه فاعلم أنه «فتيل» ملفوف عليه ورق أحمر، وبعضه في سُمْك القلم، والبعض أسمك من ذلك جدًّا، والأول يُرَصُّ في عُلبة، والثاني فُرَادَى لضخامته. وإذا أشعلت النار في هذا أو ذاك، انطلق منه مثل أصوات البنادق والمدافع، أما إذا كنت «بنتًا» فأنا أشير عليك بما يُسَمَّى «علي لوز» وهو سكر يُحل ويُعقد، ويزين باللوز والبندق والفستق، وما إلى ذلك، وتحمله الفتاة في طبق — بعد أن يبرد لئلا تحرق أصابعها الناعمة — وتدور به على الصبيان تبيعهم منه، كُلُّ ملء ملعقة صغيرة بمليم، وهذا هو السعر القديم، وزيادته جائزة.

واحرص على أن تُعطى في العيد بلا تقتير أو حساب، فتأخذ باليمين لتنفق بالشمال، وكلما فرغت يدك وذهب ما معك، عدوت إلى أهلك تطلب منهم أن يعطوك، وتبكي وتصيح وتدبدب برجليك — وبيديك أيضًا إذا شئت — وتتمرغ على البساط، أو البلاط — وهو أفضل — إذا أبطَئوا وتلكَّئوا في العطاء، أو بخلوا به. فإذا ملَئُوا جيوبك قروشًا ذهبت إلى الأراجيح، وبعضها خيل تدور براكبيها حتى تدور رءوسهم، والبعض «دكك» أربع كل اثنتين منها متقابلتان، تدور كالساقية وأنت معها، فتُسَرُّ أو تخاف، وتصرخ أو تغني على هواك، والدكك دائرة كالأيام، صاعدة بك طورًا، وطورًا هابطة، لا تبالي — كالأيام أيضًا — أضحكت أم بكيت، وفرحت أم جزعت. ومن الأراجيح أيضًا نوع لا أشير به عليك إذا كنت فتاة، فإنه يعرّيك ويطير ثوبك عمَّا تحته، وهو عبارة عن لوح مشدود من الجانبين إلى حبلين معلقين، يقف عليه الفتى ويمسك الحبلين بيديه، ويروح يدفع اللوح بقدميه، فيندفع من الخلف إلى الأمام، ومن الأمام إلى الخلف، فإذا كنت قويًّا أو مدربًا، بلغ بك علوًّا كبيرًا.

وإذا لم يعجبك هذا الذي أقترح فإنه لا يبقى لك إلا أن تذهب إلى القبور فتزور موتاك، وتترحم عليهم وتستغفر لهم، والسلام.»

وقد ندمت بعد أن وضعت الكتاب في صندوق البريد؛ لأني خفت أن يصدر عن رأيي، فيفعل ما أشير به! ومن الغريب أن هذا هو الرد الوحيد الذي بعثت به على ما جاءني من الرسائل في شهر كامل!

صدق من قال: يُثاب المرء رغم أنفه!

***

ما أعجب غرور الإنسان! وما أحوج الإنسان إليه!

لي صديق — وفي هذا مبالغة قليلة ولكنه لا ضير منها — ليس بينه وبين الغوريللا فرق، وقد اعتاد أن يتخذ مكانه كل يوم على مقهى يكثر مرور الناس — رجالًا ونساء — على رصيفه، وهو على طريقي في أغلب غدواتي وروحاتي، ومن عجيب أمره أنه شديد التأنُّق في ملبسه، كأن من الممكن أن يحجب حسن الهندام قبح الوجه وسخافة القوام. وكان أولى به في رأيي أن يتوارى عن العيون في مقهى في زقاق ضيق إذا كان لا بد من الجلوس في مقهى، وقد سألته مرة وقد ألح عليَّ في مجالسته:

لماذا تؤثر هذا المكان والضجة فيه عظيمة!

قال: أتفرج على الناس.

قلت: أو يتفرجون عليك!

فلم يسؤه قولي بل ضحك وقال: لا بأس: يتفرجون وأتفرج.

قلت: أواثق أنك تحمد العاقبة!

قال: لا شك! انظر إلى هذه الفتاة التي ترشقني بنظرتها الحلوة.

فأحنقني واستفزني هذا الغرور وقلت: لعلك تظن أنك فتنتها بجمالك؟

فما انهزم والله، بل قال: وهل في هذا شك؟

فلم أطق صبرًا على هذا الغرور فانصرفت عنه، وإني لأدري أن بالإنسان حاجة إلى قدر من الغرور يعوذ به ويعول عليه، ويستمد منه القدرة على احتمال حياته، ولكن هذا قد جَارَ على نصيب جيله كله من الغرور.

وقد تعجبت في مستهل هذه الكلمة لغرور الإنسان، وأنا أختمها بالتعجب من المرأة؛ فقد رأيت أجمل امرأة أخذتها عيني في حياتي، تتأبط ذراع هذا الغوريللا، وتثني إليه محياها الصبيح وهو ينضح بشرًا وابتهاجًا، وفي عينيها وميض الحب، وقد خيل إليَّ، وأنا أنظر إليهما كأنها تشتهي أن تأكله!

وقد سلم عليَّ يومئذٍ بغير استخفاف، وبغير احتفال كذلك، ولم يتمهل إلا ريثما يهز يدي، ويسألني عن صحتي، كعادته كلما لقيني، ولم يستعجل أيضًا، ولم أَرَ على وجهه ولا في سلوكه ما يدل على أنه مَزْهُوٌّ بمصاحبة هذه الحسناء الفاتنة، فكأن هذا أمر عادي جدًّا. فسبحان ربي القادر!

***

وعلى ذكر التعجب أقول إن عجبي لا ينقضي من عجز الإنسان وجهله، نعم استطاع أن يخترع اللاسلكي مثلًا، فهو يرسل الموجة من جهاز فتمضي في الجو إلى أطراف المعمورة، ويلتقطها جهاز آخر فتستحيل كلامًا وغناء وموسيقى. وهذه الأجهزة مصنوعة من مواد يستخرجها الإنسان من الأرض التي يعيش عليها، وهو أيضًا مخلوق من طينها، وفي بدنه كل عناصر هذه الأرض، ومع ذلك لم يخطر له أن يحتال حتى يتخذ من بدنه جهازين للإرسال والتلقي، أو أن ينمي قدرته على ذلك؛ فإن الناس يتفاهمون بالنظر إلى حَدٍّ ما، فماذا يمنع أن يتسع نطاق التفاهم حتى يشمل كل شيء، فيستغني الإنسان عن أداة اللغة التي قَلَّ أن يحسنها والتي هي عنوان العجز والقصور؟

وأمر آخر: حطم الإنسان الذرة، وهي لا ترى لا بالعين ولا بالمجهر. وأطلق بتحطيمها قوة مهولة مفزعة، استخدمها أول ما استخدمها في التدمير، وسيستخدمها — إذا لم تقضِ عليه قبل ذلك — في التعمير، وما من شك في أن في الإنسان طاقات محبوسة أو مستكِنَّة أو راكدة لو أطلقت بحساب وقدر — حتى لا تعصف به — لبلغ من القوة والاقتدار درجة يعجز الخيال عن تصورها، ولكنه لا يفعل، ولعل العلماء الذين حطموا الذرة لم يخطر لهم أن يعالجوا القيام بشيء من التحطيم في جسم الإنسان وقد يحتاج ذلك إلى زمان طويل، وقد يستغرق الاهتداء إلى وسيلة مأمونة لتحطيم ذرات الإنسان وإطلاق طاقاتها بقدر إلى قرن أو أكثر، ولكن ما قرنٌ إذا قيس إلى هذه الغاية التي تقلب الإنسان ماردًا جبارًا؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.