تعددت الكتابات في الآونة الأخيرة عن الأزمة المالية العالمية وأسبابها ونتائجها. ولعله لا يقل أهمية التساؤل ليس فقط عن أسباب هذه الأزمة، وإنما كيف فشلنا في التنبؤ بها، رغم كل ما نتحدث به عن وفرة المعلومات وتقدم المعرفة العلمية في الاقتصاد والإحصاء والتمويل؟ كيف تقع هذه الأزمة دون إنذار مع هذا الحشد من علماء الاقتصاد والتمويل وكبريات المؤسسات المالية؟ وهل وقعت الأزمة في مكان مغمور أو في بلد صغير على أطراف المعمورة، أم الحقيقة أن الأزمة قد انفجرت في قلب حياة المال في نيويورك ومع أعرق البيوتات المالية؟

وبطبيعة الأحوال لن يخلو الأمر من ارتفاع بعض الأصوات، للقول بأن هناك اقتصاديًّا مغمورًا — أو مرموقًا — قد نشر بحثًا هنا أو هناك عن احتمالات وقوع الأزمة. وتظل الحقيقة مع ذلك هي أن الأزمة فاجأت الغالبية، تمامًا كما جاءت أحداث ١١ سبتمبر مفاجئة للعالم، رغم احتمال وجود تقرير في أحد مكاتب المخابرات ينبه إلى خطورة «القاعدة» أو غيرها من التنظيمات السرية. لقد فوجئ العالم في الحالتين كما فوجئ قبل ذلك بسقوط الاتحاد السوفييتي. فالفشل في التنبؤ بالأزمة المالية لم يكن المفاجأة الأولى، ولن يكون الأخيرة.

وهل هناك غرابة في ذلك، ألم يسبق أن انهار منذ عقد من الزمان (١٩٩٨) أحد أكبر «صناديق التحوط» Hedge Fund المعروف باسم «صندوق إدارة رءوس الأموال طويلة الأجل» (LTCM) حيث بلغت خسائره عدة بلايين من الدولارات، مما اضطر بنك الاحتياط الفدرالي إلى التدخل حمايةً للسوق المالية. وكان هذا الصندوق قد أنشئ بمعرفة عدد من أكبر العقول الأمريكية في الاقتصاد والرياضيات، حتى إن جائزة نوبل في الاقتصاد قد مُنحت لكل من مايرشولز Scholes وروبرت ميرتون Merton، وهما المؤسسان الرئيسيان للصندوق. وكانت مسوغات الترشيح لهذه الجائزة هي أن هذين الاقتصاديين قد صمما نماذج رياضية تسمح بالتحوط التام من مخاطر الأسواق المالية. وبلغت المفارقة — أو لعلها المأساة — ذروتها حين أفلس الصندوق بعد عام واحد من حصول مؤسسيه على جائرة نوبل في الاقتصاد، وضاعت معها بلايين الدولارات للعديد من المستثمرين الأبرياء.

فكيف نفسر كل ذلك؟ هل هو فشل لعلم الاقتصاد والاقتصاديين؟ أم أن هناك حدودًا لما يمكن التنبؤ به، وأن هناك دائمًا مفاجآت في التاريخ؟ فالاقتصاد بل وكافة العلوم، رغم أنها صحيحة ومفيدة، فإن هناك حدودًا لفاعليتها؟ فالعقل البشري مهما بلغ من قدرة وقوة فإنه يظل قاصرًا، وعلينا أن ندرك ذلك ونستوعبه. وهذه ليست دعوة لنبذ العلم والعقل، وإنما فقط لعدم المكابرة وضرورة قبول ما يرد على العقل والعلم من حدود. ولكنها سوف تصبح مصيبة وخيبة كبيرة إذا استخلصنا مما تقدم رفض العقل والعلم للوقوع من جديد في براثن الخرافات والخزعبلات. فالعقل والعلم قوة هائلة وقد دفعت البشرية فراسخ للأمام، وما زال أمامها الكثير. ورغم إنجازات العلم، وهي كثيرة، فإنه وحده لن يكون كافيًا لكشف كل أسرار الغيب. فإذا كان العلم يلقي كل يوم أضواء جديدة على مجالات لم تكن معروفة من قبل، فسوف تظل مساحات أخرى مجهولة أو غير معروفة بالكامل. وبالمثل فكما أن بعض الظواهر الطبيعية تستعصي أحيانًا على التنبؤ، فإن سلوك البشر كثيرًا ما يكون مصدرًا للمفاجآت. ومن هنا أهمية ما ظهر أخيرًا على الساحة باسم نظرية «البجعة السوداء» للبناني نسيم نيقولا طالب.

ولد نسيم طالب في شمال لبنان لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذوكس، وعاصر في صغره الحرب الأهلية مما اضطره — مثل غيره — إلى الهجرة وإكمال تعليمه في الخارج حيث يشغل حاليًّا منصب أستاذ في جامعة ماساتشوست. ويبدو أن الحرب الأهلية قد فاجأته — كما فاجأت الكثيرين غيره — باعتبارها حدثًا غير متوقع. فجده كان وزيرًا للدفاع ثم للداخلية قبل الحرب، وكانت مفاجأة الحرب بالنسبة له لا تقل عن مفاجأة الآخرين من غير المسئولين الذين لا يفترض أن تتوافر لديهم نفس المعلومات. وكان آخر الأشياء التي يمكن أن ترد على البال هو هذه الحرب الأهلية بين مختلف الطوائف وهي التي عاشت قرونًا في وئام وتصالح تحكمها المصالح المشتركة والتسامح المتبادل. ويستعيد نسيم من ذكريات عائلته، أنه باستثناء بعض المشاحنات بين طائفتة (روم أرثوذوكس) وبين بعض الموارنة وعلى فترات متباعدة، فلم يحدث أن قامت مشاحنات طائفية مع المسلمين من سنة أو شيعة أو دروز. فكيف قامت هذه الفتنة، وكيف لم يستطع أحد أن يتنبأ أو يتوقع مثل هذا الانفجار الرهيب أو التمزق الشديد بين أفراد تعايشوا لقرون طويلة في سلام وأمان؟ لعل هذه الأحداث كانت البداية في بزوغ فكرة أن المستقبل مليء بالمفاجآت.

وبعد أن تخرج من مدرسة وارتون بجامعة بنسلفانيا، وهي أحد أشهر المعاهد في العالم في العلوم المالية والاقتصادية، عمل في أحد البنوك العالمية في مجال تحليل البيانات المالية بغرض التنبؤ بتطورات الأسعار المالية. وفي ١٩ أكتوبر ١٩٨٧ (الاثنين الأسود) عرفت سوق نيويورك أكبر انخفاض في أسعار الأسهم في يوم واحد (٢٣٪). وخرج نسيم من مكتبه في بنك «كرديه سويس» في نيويورك لتتبلور الفكرة عنده، وهي أن أهم أحداث التاريخ تقع دون سابق إنذار وأن أخطر ما يخبؤه المستقبل لا يمكن التنبؤ به. ومن هنا ولدت نظرية «البجعة السوداء». وسبب إطلاق هذا الاسم، هو أن الاعتقاد ساد لقرون طويلة بأن لون البجعة هو الأبيض، وأنه من المستحيل أن توجد «بجعة سوداء». وبعد ذلك جاء اكتشاف نوع غير معروف من «البجع الأسود» في أستراليا، وذلك ليكذب الاعتقاد السابق. وبدأ نسيم طالب في صياغة نظريته بأن أخطر أحداث التاريخ التي كان لها أكبر الأثر في حياة البشر، كانت نتيجة أحداث غير متوقعة، بل وأحيانًا غير قابلة للتوقع. فالمستقبل مليء بالمفاجآت.

وبطبيعة الأحوال، فإن نسيم طالب ليس من السذاجة للقول بأننا لا نتعلم من تجارب التاريخ الماضي، أو أن الأحداث الماضية لا تفيد في فهم الحاضر والمستقبل. ولكن ما يود أن يقوله هو أنه إلى جانب الأحداث التي تتكرر يومًا بعد يوم، والتي تفيد في فهمنا للحاضر والمستقبل، فإن هناك دائمًا مفاجآت، وأنه لا يمكن الاعتماد فقط على تجارب الماضي، فهناك دائمًا أمور غير متوقعة وهي كثيرًا ما تكون غير القابلة للتنبؤ، بل وغالبًا ما تكون أشد تأثيرًا في حياة البشر.

ويعلمنا المنطق أن هناك طريقين لاستخلاص القوانين العلمية. هناك ما يعرف «بالاستنباط» Deduction، الذي يبدأ بوضع قاعدة عامة أو نظرية ثم تستخلص منها النتائج التطبيقية، فهنا ننتقل من «العام» إلى «الخاص». ولكن هناك أيضًا طريقًا آخر يعرف «بالاستقراء» Induction، وهو يبدأ بملاحظة العديد من الأحداث المتفرقة التي تؤكد أن هناك نمطًا واحدًا يربط بينها، لكي ننتهي «بنظرية عامة»، وبذلك ننتقل من «الخاص» إلى «العام». ويعتمد «العلم» بشكل كبير على هذه الطريقة الأخيرة (الاستقراء)، بحيث نبدأ بملاحظات في الواقع قبل أن نستخلص منها قاعدة عامة أو نظرية مجردة. فالعلم — وفقًا لهذه الطريقة — يبدأ تجريبًا بالملاحظة لينتهي «بالنظرية». ومع ذلك يرى العديد من المفكرين أن البحث العلمي لا يبدأ تجريبيًّا بالملاحظة، وإنما يبدأ «بالحدس» بوضع «افتراض» نظري، وتتحقق صحة النظرية إذا لم تكذبها التجارب. فالعلم ليس حقيقة بقدر ما هو «افتراض»، قابل للإثبات والنفي بالملاحظات التجريبية.

وهذه الفكرة الأخيرة قدمها الفيلسوف المجري كارل بوبر في تعريفة للعلم. فالعلم عنده هو مجرد «افتراضات» يمكن التحقق من صحة نتائجها بالملاحظات التجريبية. وتظل «النظرية العلمية» سليمة إلى أن تكذبها التجربة. ولكن بوبر ذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا استحالة استخلاص «قوانين للتاريخ»، فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بشكل المستقبل. وفي كتابه عن «فقر القوانين التاريخية» Poverty of Historicism، يؤكد بوبر استحالة معرفة قوانين تطور التاريخ. فقد يكون التاريخ خاضعًا بالفعل لقوانين لا يدركها الأفراد، ولكن مجرد اكتشاف هذه القوانين والوعي بها يؤدي إلى تغير سلوك الأفراد، وبالتالي تغيير مسار التاريخ.

وكانت مشكلة «الاستقراء» كوسيلة لاستخلاص قواعد عامة، قد أثارت الكثير من الجدل لدى العديد من علماء المنطق. فقد شكك دافيد هيوم في إمكان استخلاص قانون عام من مجرد استقراء الأحداث المتعددة. وقد أعطى برتراند راسل مثالًا لما قد يأتي به المستقبل مناقضًا تمامًا للخبرة السابقة. فربة المنزل قد تعنى بطيورها بتغذيتها استعدادًا لوليمة تعد لها، ولكن من وجهة نظر «الدجاجة»، فإن هذه السيدة الرائعة تقدم لها الغذاء يومًا بعد يوم، وبالتالي فلا بد أنها تريد لها كل الخير، وربما لم يدر ببال الدجاجة أن هذه التغذية إنما هي من أجل ذبحها ليلة الوليمة. ولكن أليست «الفقاعات المالية» التي عرفتها الأسواق المالية وكذا المتعاملون فيها، هم أقرب إلى هذه الدجاجة المسكينة، وذلك حين وجدوا الأسعار ترتفع يومًا بعد يوم دون أن يدركوا أن هذه الارتفاعات إنما هي تمهيد ليوم «الذبح» أو الانفجار المالي الكبير!

ومن هنا أهمية كتاب نسيم طالب، فهو وإن لم يقل باستحالة التنبؤ بالمستقبل، فإنه يؤكد مع ذلك أن هناك أحداثًا يصعب التنبؤ بها، بل إن بعض هذه الأحداث هي الأكثر أهمية في تطور التاريخ. فنحن نعيش في عالم مليء بعدم اليقين. وإذا كان الإنسان كائنًا متعلمًا، فإنه يتعلم من تجربته، والكثير من هذه التجارب مفيد في فهم المستقبل. ولكن الخطأ هو المبالغة والاعتقاد الأعمى بأننا قادرون على استشفاف المستقبل بكل أبعاده. الحقيقة أن هناك حدودًا لما يمكن أن نتنبأ به.

لا شك أن الإنسان المعاصر أكثر قدرة على التعامل مع المستقبل نتيجة تجربته ومعرفته بالماضي، ولكنه سيكون من الادعاء المخل الاعتقاد بأننا نعرف مفاتيح المستقبل، أو حتى أننا نعرف أكثر الأمور أهمية. فما نعرفه من الماضي هو مجرد عينة من الأحداث والوقائع التاريخية، وقد لا تكون وقائع هذه العينة هي أكثرها أهمية في تشكيل المستقبل. الإنسان ما زال يجهل أكثر مما يعلم، والمستقبل مليء بالمفاجآت وكذلك بالبجع الأسود. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.