في مكانٍ ما في الغابة البرازيلية المطيرة، تخرج نملة من النمل الحفَّار بمفردها من عشِّها لتلقى مصيرها المحتوم.

فطر أوفيوكورديسيبس ينمو من جثمان أحد أفراد النمل الحفار.
فطر أوفيوكورديسيبس ينمو من جثمان أحد أفراد النمل الحفار.

هذه النملة مصابة بعدوى من نوعٍ من الفطر يُعرَف باسم «أوفيوكورديسيبس يونيلاتيراليس»، والذي يخترق جسم النملة ويتحكم فيها. وبينما يلتهم الفِطْرُ النملة وهي على قيد الحياة، فإنه يدفع أيضًا عائله الذي أصبح جثةً متحرِّكة لتسلُّق ساق أحد النباتات سريعًا. تسير النملة على طول الجانب السفلي لورقة النبات وتُطبِق فكَّيْها بقوة على أحد عروق الورقة. هذه هي قبضة الموت؛ حيث إن هذين الفكين لا ينفتحان مرة أخرى على الإطلاق. وخلال أسبوع أو نحو ذلك، تخرج من رأس النملة ساق طويلة تنمو نحو الخارج وإلى أسفل في صورة كبسولة بصلية الشكل، والتي يخرج منها سيل من الأبواغ. وإذا مرَّتْ أعداد أخرى من النمل أسفلها، فإنها تُصاب بالعدوى.

يسيطر الفِطْر بإحكام لا يُصدق على عائله الذي أصبح عبارة عن جثة متحركة. تصعد النملة دائمًا لمسافة ٢٥ سنتيمترًا فوق التربة، وهي منطقة تتميز بدرجة حرارة ورطوبة ملائمتين لنمو الفِطْر.

لكن، لماذا تترك النملة عشَّها من الأساس؟

خارج عشِّ النمل، يحتاج الفِطْر إلى دفع عائله إلى مكان يتيح له أفضل فرصة لإطلاق الأبواغ إلى أسفل على الشغالات من النمل التي تمر بالمكان. لكن، داخل العشِّ هناك الآلاف من الشغالات في الجوار. وفي وجود هذا الكمِّ المتنوِّع الكثيف من العوائل الجدد من النمل المعرض للعدوى، لماذا ترسل الفطريات عائلها الحالي خارج العش؟

ربما يكون هذا التصرُّف من صنيع النمل؛ فالحشرات التي تسكن في مستعمرة لديها نوع من نظام المناعة الاجتماعية، وهي تتصرَّف بطرق تمنع العدوى من الانتشار في أعشاشها. فالنمل ينظِّف بعضه بعضًا، ويتخلَّص من جِيَفِ النمل الذي كان يشارِكه عشَّه. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمل المريض الذي أُصِيب بعدوى من الفطريات القاتلة، عادةً ما يبتعد عنه أقرانُه من الشغالات، وفي بعض الأحيان يترك العشَّ ليموت بعيدًا بمفرده. عادةً ما ينظر علماء الأحياء لهذه التصرفات باعتبارها تضحيةً بالذات، كما لو كان النمل مثل كابتن أوتس الذي ضحَّى بنفسه من أجل زملائه في رحلته الاستشكافية إلى القطب الجنوبي.

لكن راكيل لوريتو وديفيد هيوز من جامعة ولاية بنسلفانيا لديهما رؤية مختلفة عن الأمر؛ أولًا أدرك الاثنان ما كان يحدث عندما جمَعَا أعشاش النمل الحفَّار ووضَعَا فيه النمل الذي قتلته فطريات «أوفيوكورديسيبس» منذ وقت قريب. اكتشف النمل الحي هذه الجِيَفَ المتبقية وتخلَّص من نصفها تقريبًا، وهذا يُعَدُّ مثالًا عمليًّا واضحًا على نظام «المناعة الاجتماعية» الذي يميِّز النمل. لكنهما لم يكونا بحاجة للشعور بالانزعاج، حيث اتضح أن الفِطْر «لا يمكنه ببساطة» النمو داخل أعشاش عوائله. وحتى في حال وضع الجِيَفِ داخل الأعشاش التي لا يوجد فيها نمل، فإن الفطريات لم تنمُ.

يقول هيوز الذي درس لسنوات عديدة الفطريات التي تحوِّل النمل إلى جثث متحركة: «إن أفضل حال لأفراد النمل السقيمة هو البقاء في بيتها!» ويضيف هيوز قائلًا: «ظاهريًّا يبدو ترْكُ العشِّ تصرُّفًا يتسم بالإيثار، إلا أنه في الواقع نوع من التلاعُبِ من جانب الفِطْر.»

إذن، ما الذي يحدث خارج العش؟ لمعرفة ذلك، انطلقت لوريتو في رحلةٍ سيرًا على الأقدام في المكان ذاته من الغابة البرازيلية المطيرة لمدة ٢٠ شهرًا؛ من أجل دراسة ١٧ عشًّا من أعشاش النمل الحفار. قامت لوريتو بمغامرة في الأدغال ليلًا مستخدِمةً كشافات تعمل بالأشعة تحت الحمراء؛ من أجل رسم خريطة لمسارات البحث عن الطعام التي تسير فيها شغالات النمل.

بالإضافة إلى ذلك، حدَّدَتْ لوريتو منطقة تبلغ مساحتها ٢٠٠ متر مكعب تحيط بأربعة أعشاش؛ مكان تُطلِق لوريتو عليه اسم «عَتَبَة» المستعمرة. إنه المكان الذي يتعيَّن على جميع شغالات النمل المرور به في طريقها من وإلى العش. كانت لوريتو تمر بهذه العَتَبَات مرة كل شهر، وتفحص الجانب السفلي من «كل ورقة نبات» داخل هذه العَتَبَات للعثور على الجثامين المتحركة للنمل المصاب بالعدوى.

تقول سيلفيا كريمر من معهد العلوم والتكنولوجيا في النمسا: «هذه دراسة مهمة؛ لأنها تمثِّل واحدةً من الدراسات الميدانية القليلة التي أُجرِيت حول التفاعلات بين النمل والطفيليات.» معظم الأشخاص الذين درسوا نظام المناعة الاجتماعية عرَّضوا النمل للطفيليات في إطار الظروف المصطنعة داخل المختبرات وما تفرضه من قيود. يقول هيوز: «يكون من المفيد دائمًا إضفاءُ بعض الواقعية على هذه المناقشات.»

وجدَتْ لوريتو في نهاية مجهوداتها الجبَّارة الجثامينَ المتحركة حول كلِّ عش من الأعشاش التي درستها، والبالغ عددها ١٧ عشًّا. استمرت لوريتو في العثور على جِيَفٍ جديدة كل شهر حول الأعشاش الأربعة التي درستها بالتفصيل. كانت النتائج واضحة، وهي: على الرغم من نظام المناعة الاجتماعية المميز للنمل، يصيب الفطر نحو ١٠٠٪ من الأعشاش الموجودة في المكان، ويفعل ذلك أيضًا على مدار العام. من ثَمَّ، فهذا خطر دائم وموجود في كل مكان.

يعتقد الفريق أن الفِطْر ناجح للغاية، ويرجع ذلك بالتحديد إلى أنه «يرسل عائله خارج العش». فداخل العش، يمكن أن يوفِّر نظام المناعة الاجتماعية الحماية للنمل، أما خارج العش، فهذا النظام لا يجدي. يقول هيوز: «على مدار ٢٠ شهرًا، لم ترَ راكيل قطُّ المستعمرة تُطهِّر حدودها من العدوى.»

يعتمد النمل أيضًا على المسارات ذاتها؛ لذا فإن الفِطْر يضمن على نحو شبه تام العثور على عائل جديد إذا وضع عائله الحالي في المكان الملائم. يشبِّه هيوز ذلك بالممر الخطير الذي يختبئ فيه القناصة فيقول: «يخرج النمل الباحث عن الطعام ليلًا، ويمر أسفل جِيَفِ أشقائه من النمل الذي أصبح الآن يُطلِق الأبواغ على أقرانه.»

لكن، لماذا لا يُطوِّر النمل الحفَّار تدبيرًا مضادًّا؟ مع مرور الوقت، من المؤكد أنك ستتوقع أن يبدأ النمل في التخلُّص من الجِيَفِ المصابة بالعدوى من الأوراق التي تحيط بأعشاشها، مثلما تفعل الأنواع الأخرى من النمل في أي مكان في العالم. يشير هيوز إلى أن النمل الحفَّار قد لا يحتاج للقيام بهذا الأمر؛ فصغار النمل الحفَّار لا تبرح أعشاشها، ولا تغامر بالخروج للبحث عن الطعام إلا عندما تكبر. من ثَمَّ، فإن الفِطْر لا يمكنه إصابة النمل بالعدوى إلا عندما يشارف النمل على الوفاة بأي حال.

يبدو أن هذه الاستراتيجية ملائمة لكلا الطرفين؛ فالنمل يضمن أن أفراده الأضعف فقط هي مَن تواجه الموت الناتج عن إصابتها بالفِطْر الذي يجعلها جثةً متحركة، ويحصل الفِطْر على مورد متجدِّد باستمرار من العوائل المُعرَّضَة للإصابة. وهذا من أقوى أمثلة المواقف التطورية التي يستفيد فيها كلا الطرفين.

Zombies Snipers at the Doorstep by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. March 9, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.