ولكنه من نوع خاص، هذا الذي يضطرب له قلب الوزارة ويخرج له وزير الداخلية عن طوره، فيرد إلى الشرطة فضلًا من قسوة، ومزيدًا من عنف، يدفعها إلى شر ما كانت فيه منذ حين من التعرض للناس، والاعتداء عليهم، وأخذ أبدانهم بالعصي والسياط، ودفعهم إلى السجون دفعًا، والإقدام حتى على انتهاك ما لا ينبغي أن ينتهك من حرمة الصلة بين الشعب والعرش، والعلاقة بين أهل البلاد ومَلِيكِ البلاد.

رعب غريب هذا الذي أخذ أعصاب الوزارة منذ يوم الخميس؛ ففقدت ما كانت تريد أن تتكلفه من ضبط النفس وإيثار العافية والاقتصاد في الظلم، وعادت إلى ما كانت عليه الوزارة السابقة، أو عاد وزير الداخلية إلى ما كان عليه حين كان يعمل مع صدقي باشا، ويتلقى منه دروس العنف والقسوة، عاد إلى دقة الإحساس، ورقة الشعور، والانزعاج من رئيس الوفد إذا غدا، والانزعاج من رئيس الوفد إذا راح.

رعب غريب هذا الذي أَشْعَرَ وزير الداخلية بأن في مصر شيئًا يُخاف غير صدقي باشا، وبأن في مصر قومًا تُنْصَبُ لهم الحرب غير أولئك الضعفاء المترددين من أنصار صدقي باشا، وبأن الرجل الماهر هو الذي يحارب صدقي باشا وأصحابه بألوان الحرب الخفية، حتى إذا فرغ منه ومنهم فأخذ منه أصحابه أخذًا، واضطره هو إلى السكوت والعزلة والاستخذاء؛ حارب الوفد جهرة بهذه الأدوات المعروفة: أدوات الشرطة، وعِصِّيِها وسياطها، وبأسها وشدتها، وبثها في الشوارع، وإرسالها في الطرق، وحشرها حول القرى، ونشرها داخل القرى وتحويل الريف إلى مظهر مخيف لولا أنه مضحك يدعو إلى هز الأكتاف؛ مظهر ميدان من ميادين الحرب وساحة من ساحات القتال.

نعم، رعب غريب هذا الذي انبث في الوزارة منذ يوم الخميس؛ فأيقظها للحرب بعد نوم وردها إلى النشاط بعد فتور، وأكرهها على تكلف الحياة وما بها حياة، وعلى تصنع القوة وما بها قوة، وعلى التظاهر بالبأس وقد مضى وقت البأس، وجاء وقت الهدوء والاطمئنان والاكتفاء بتصريف الأعمال وإمضاء الأوراق في الدواوين، والاستماع للنواب والشيوخ، والرد على النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله بالراحة الكبرى التي ينالها عظماء الرجال على جسر من التعب، كما يقول أبو تمام، وينالها الرجال الطيبون وأعوان الرجال الطيبين في غير كد ولا جهد، وفي غير مشقة ولا عناء. أفيكون مصدر هذا الرعب الغريب أن المندوب السامي الجديد قد وصل إلى مصر، واستقر في العاصمة أيامًا يظهر الاشتغال بالأوضاع الاجتماعية، وضروب المجاملة، والصيد وزيارة الآثار، ويضمر البحث والدرس والتفكير والتقدير، ويهيئ لنفسه حكمًا عاجلًا يصطحبه حين يعبر البحر إلى بلاده؟! أفيكون مصدر هذا الرعب إقامة المندوب السامي في القاهرة، وحرص الوزارة على أن تظهر أن لها من القوة ما يعجبه، وأن عندها من البأس ما يُرضيه، وأنها خليقة أن تحارب الوفد كما حاربه صدقي باشا، وأن تهدر الحريات كما أهدرها صدقي باشا، وأن تقاوم نشاط الشعب كما قاومه صدقي باشا، وأن تظهر للمستعمرين أنها لا تحب — كما أظهر صدقي باشا للمستعمرين أنه لا يحب — أن يستمتع المصريون بحياة حرة يأتون فيها ما يأتي الرجال الأحرار؟!

أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة سليمة النية طيبة القلب ساذجة الضمير، تظن أن المندوب السامي الجديد لا يعرف من أمرها ومن أمر مصر شيئًا، فهي تريد أن تبين له أنها كل شيء، وأن غيرها ليس شيئًا، وأنها قابضة حقًّا على أزمَّة الأمر، مسيطرة حقًّا على القلوب والنفوس، وأن رئيس الوفد وأصحابه والذين يحفلون بهم ويلتفون حولهم ليسوا إلا قلة قليلة لا ينبغي أن يُحْسَبَ لها حساب؟! أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة جزعت حين جاءها النبأ أن المندوب السامي قد رأى جماعة ضخمة من أهل القاهرة تحفل برئيس الوفد مساء الخميس؛ فأشفقت من هذا وأرادت أن تتقي أمثاله، فأنفقت ما أنفقت من قوة مساء الخميس وصباح الجمعة وطول نهار الجمعة، ثم شطرًا من ليله أيضًا تريد أن تطفئ نار الشعب بأفواهها، ونار الشعب لا تُطْفَأ بالأفواه، ولا يقدر على إطفائها الرجل الطيب وزملاؤه الطيبون؟! كل هذا ممكن، ولكن هذا كله إن دل على شيء؛ فإنما يدل على أن الوزارة طيبة ساذجة، سليمة النية بريئة القلب، مسرفة في حسن الظن بالأيام وبالإنجليز، مسرفة في الشك في نفسها والريب في قدرتها على أن تثبت دون أن يكون لها سند من رضاء الإنجليز.

كان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس والقبض عليهم مساء الخميس، وكان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس وأخذ الطرق عليهم حين أَدَّى رئيس الوفد صلاته أمس، وكان مسرفًا نشاط الشرطة في التضييق على الناس وأخذهم بألوان العذاب ومحاصرة القرى حين زار رئيس الوفد وأصحابه بعض الوفديين أمس.

كان هذا كله كثيرًا وكان مسرفًا، وكان أكثر وأشد إسرافًا مما تستطيع هذه الوزارة أن تحتمل مع ما يملكها من الضعف، وما يشغلها من الشئون. وكان على هذا كله عبثًا لا يُغني شيئًا ولا يفيد في شيء. فقد حاول من هو أقوى منها أن يصرف الناس عن الوفد؛ فلم يُفلح ولزم داره آخر الأمر مخذولًا مدحورًا. وحاول من هو أمهر منها وأبرع أن يقنع الإنجليز بأن الناس منصرفون عن الوفد، يلوذون به هو، ويكبرونه هو، ويؤمنون له هو؛ فلم يُفلح، لم يصدقه الإنجليز، ولم يصدقه الناس، ولم يكن هو يصدق نفسه. ثم أبت الأيام إلا أن تظهر له وللإنجليز وللناس أنه لم يكن يظفر بحب أحد، ولا بثقة أحد ولا بإيمان أحد، وإنما كان وحيدًا يؤيده السلطان، فلما تخلى عنه السلطان أصبح وحيدًا لا يؤيده شيء، ولا يحفل به إنسان — نستغفر الله — بل لا يذكره إنسان. كان مسرفًا وكان عبثًا ما أتته الوزارة منذ يوم الخميس. أليست توافقنا الوزارة على أن الرجل الذي يستمتع ببقية من فهم وفضل من فطنة، خليق أن يتجنب الإسراف، ويعرض عن العبث الذي لا خير فيه؟ وكان أكثر من هذا كله، وأشد إسرافًا من هذا كله، وأمعن في العبث من هذا كله، وأبلغ في ازدراء القانون من هذا كله، هذا الذي أتته الشرطة أمس حين ردت عن قصر جلالة الملك قاصدًا إلى قصر جلالة الملك، وحين أخذت من أحد أبناء الشعب عرائض كان بعض الشعب يريد أن يرفعها إلى جلالة الملك؛ فقصر جلالة الملك ملاذ للمصريين جميعًا. وحق الشعب في أن يلوذ به ويشكو إليه ويفزع إليه في رفع الظلم وكشف الضر، ثابت مقدس لا يعرض له إلا من يخالف القانون. وما رأي الوزارة في أنها لم تؤلف لترد اللائذين بالقصر عن القصر، وتمنع الشاكين إلى جلالة الملك من أن يشكو إلى جلالة الملك؟ وكيف تفسر هذا، وكيف تؤوله، وكيف تلائم بينه وبين القانون؟! أفتريد أن تلجأ إلى وزير المالية؛ ليفسر لها هذا كله بنحو من فقهه الدستوري البديع، فيزعم لها وللناس كما زعم للنواب أن الوزارة هي الملك، وأن من أراد أن يشكو إلى الملك فليشكُ إلى الوزارة؟ فإذا أراد الناس أن يشكوا إلى الملك من الوزارة؛ أفيشكون إلى الوزارة من نفسها؟! فإذا أراد الناس أن يطلبوا إلى الملك أن يقيل الوزارة؛ أفيطلبون إلى الوزارة أن تقيل نفسها؟! أم هل ترى الوزارة أنها أرفع من أن تُشْكَى، وأعز من أن تطلب إقالتها؟! أفترى الوزارة أنها تؤدي ما يجب عليها للقصر وللشعب حين ترد الشعب عن أن يلوذ بالقصر ويفزع إليه؟! لتصدقنا الوزارة: إن هذه الأعمال التي تمعن فيها لا تنفعها، ولا تغني عنها شيئًا، وإنما تنفع خصومها وتغني عنهم أحسن الغناء. فلو أنها أقسمت للإنجليز في كل يوم ألف يمين ويمين أن الناس معها لما صدقها الإنجليز، ولو أنها أنفقت ما في الأرض جميعًا من قوة لترد أبناء مصر عن أن يفزعوا إلى ملك مصر؛ لما بلغت من ذلك شيئًا. إنما حظها وطاقتها أن تصرف الأمور وتمضي الأوراق في الدواوين وتسمع كلام النواب والشيوخ، وترد على كلام النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله لها بالراحة الكبرى التي يَمُنُّ بها على المريض حين يستيئس من الشفاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.