يرد مع كل بريد غربي طائفة من الكتب والمصنفات تحيط بكل موضوع من موضوعات الثقافة الإنسانية، ويحار القارئ بينها فيما يقرؤه وما يدعه؛ لكثرتها، وإغراء كل منها بالإقبال عليه قبل غيره، ولكننا نحب هذه الحيرة، ونُروِّض أنفسنا عليها؛ لأن الحيرة بين مائة شيء حسن «أريح» من اليقين أمام شيء واحد رديء، وقد شبعنا زمنًا طويلًا من اليقين الرديء الذي لا حيلة فيه.

ويندر في هذه البُرُدِ أن تغلب عليها صبغة واحدة في كل رسالة؛ فإنها تجمع بين الجد والهزل، والمحافظ والمجدد، ومذاهب اليمين ومذاهب اليسار، إلا أننا نحسب أو نتخيل أن البريد الأخير قد واجهنا ببعض الشذوذ عن هذه القاعدة العامة؛ فقد كادت الفكاهة أن تغمره عامدة أو غير عامدة، وقد أوشكت أن تتسلل إلى الجد المقصود منه كما تسللت إلى الهزل الذي كتبه كاتبوه للضحك والتسلية من صفحة العنوان إلى صفحة الختام.

وهذه أمثلة منوعة تعفينا من أعباء الحصر والاستقصاء، وتدل على ما نعنيه من غلبة الفكاهة على جده وهزله، من الألف إلى الياء.

كتابان من باب الجد؛ هما: كتاب فرنسي عن «تطور مصر من سنة ١٩٢٤ إلى سنة ١٩٥٠»، وكتاب «التحدي في مستقبل الإنسان على الكرة الأرضية».

وكتب أخرى من باب الفكاهة والتسلية؛ وهي: تاريخ الغزل والتشبيب، وتاريخ الحكمة السائرة في المواعظ والأمثال، وكلام عن الإخراج المسرحي، وكلام عن الممثل كين، وكتاب يقول عنوانه: «اضحك معي»، ويكاد جوابه كله أن يكون: لا!

(١) تطور مصر في ربع قرن

ألف هذا الكتاب مارسيل كولب، وقدمه الأستاذ روبرت مونتاني، من أساتذة الكولج دي فرانس، وأراد به الجد في الكتابة عن تطور مصر في ربع القرن الذي ابتدأ سنة ١٩٢٤ وانتهى في سنة ١٩٥٠ … ولكنه لو تعمد السخرية بالتاريخ كله لما احتاج إلى جهد يبذله، وأدلة يستند إليها، غير الجهد الذي توافر عليه بعلمه وبغير علمه، والأدلة التي استند إليها في عامة فصوله وهو لا يدري.

وهذا نموذج واحد عن مسألة نعلمها نحن علم اليقين، ويعلمها معنا كل من قرأ لنا طرفًا مما كتبناه في هذه السنوات الخمس والعشرين.

وخلاصة هذه المسألة أن «العقاد معجب بموسوليني وهتلر»، وأنه ألَّف كتابه عن عبقرية محمد ليعقد المقارنة بين رسول الإسلام وبين أبطال الطغيان من هذا القبيل.

قال سامحه الله: «إن النبي عند العقاد صورة عالية لا في التاريخ العربي وحده، أو التاريخ الإسلامي وحسب، بل في تاريخ الإنسانية قاطبة. فإن هذا الدارس المثابر على دراسة جيتي، المتشبع بآراء نيتشة، المعجب في حماسة وقوة بالدكتاتورية الألمانية والإيطالية، يسرد مناقب النبي النادرة … ويعقد المقارنة الطويلة بينه وبين نابليون وهتلر …»

فماذا يقول صاحبنا هذا لو لم نُؤلِّف كتابنا عن الحكم المطلق في أوائل هذه السنين الخمس والعشرين، ولو لم نؤلف خلال الحرب كتابنا «هتلر في الميزان»، ولو لم نقل قبل ذلك: إن الناس ينظرون إلى نابليون وهو يسبح في بحر من الدم ولا يعنيهم منه إلا الإعجاب ببراعته في السباحة؟!

كنا نقول عن أديب مصري مات قبل أوانه، وكان من عادته مع القراء وعادة القراء معه أن يضحكوا من كل ما يقول ولو كتب في معرض الرثاء، كنا نقول عنه رحمه الله: «إنه لو كان يُضحِك قرَّاءه قاصدًا لكان أبرع من موليير في علم الفكاهة!»

فالحمد لله على نظراء من أدباء فرنسا لأديبنا الفقيد، وهو سبحانه وتعالى محمود على كل شيء.

(٢) تاريخ الغزل

ومع البريد كتاب في فنون الغزل من أقدم عصوره إلى منتصف القرن العشرين، كتَبه «تيرنر» مُؤلِّف كتاب تاريخ الإعلان، ولم يتعمد فيه الهزل، ولكنه لم يستطع أن يهرب منه في صفحة واحدة؛ لأن الحب كله لا يخلو من الهزل، ودع عنك الغزل الذي يجري في كل عصر على حسب التقاليد.

والمؤلف حريص على تبرئة الجنس البشري من وصمة الجلافة والخشونة منذ أيام الغابات والكهوف، فلم يوجد قط ذلك العاشق الذي يخبط المعشوقة على رأسها بالهراوة ثم يسحبها من شعرها إلى منزل الزوجية بين المقاومة والتسليم.

ولم يتخلف الإنسان في هذا الميدان عن الطير والحيوان، فإذا كان الطير قد عرف كيف يستهوي الحبيب بالعش اللامع الوثير، وعرف كيف يتلقى من الطبيعة حلية الريش والزينة، فخليق بالإنسان أن يتعلم منه بالقدوة والمحاكاة، إن لم يتعلم منه بالعقل والبداهة.

وعلى طول المسافة بين عصر الكهوف وعصر «ناطحات السحاب» يرى المؤلف أن الرحلة قصيرة، وأنها تدور ثم تعود إلى حيث بدأت كلما أمعنت في الطريق، وأن رحلات الهوى بين المتعلمين والمتعلمات في القارة الحديثة إنما هي رحلات على مدى خطوات من فنون الغزل تحت ظلال الآجام، وبين مغاور الكهوف.

إلا ذلك الاستثناء الذي لا بد منه للتقدميين؛ فإن القلوب «التقدمية» لا تعرف ذلك الغزل البرجوازي الانتهازي الذي كان يعرفه الأقدمون.

وفي سهرة من سهرات الإذاعة بموسكو، يسمع الناس تمثيل الغزل بين فتى فلاح في مزرعة تعاونية، وفتاة فلاحة تسوق الجرارة في تلك النوبة، وتتنهد الفتاة ثم تقول: «ما أجمَل العمَل في ليلة جميلة كهذه الليلة، ومِن فوقنا البدر الكامل! وعلينا أن نجتهد كلَّ الاجتهاد في توفير البترول!»

ويجيب الفتى: «إن هذه الليلة توحي إليَّ أن أزيد على حصتي من الإنتاج …»

وبعد هنيهة يعود فيقول: «إنني عشقت أسلوبك في الدأب والاجتهاد منذ اللحظة الأولى.»

ويتغنى فتيان برلين الشرقية بأنشودة يسمونها أنشودة السيارة، ويقول فيها الفتى: «إني أتغنى بسيارتي وكل سيور الجلد تغني معي؛ لأني الليلة سأقبل حبيبتي، وأقول لها، ثم أعيد القول فخورًا بالمزرعة رقم «ثلاثة» التي سبقت إلى الرقم القياسي جميع النظراء …»

ووصلت إلى اتحاد النقابات الدولي نسخة من أغاني الغزل التي يسمح بها الحزب الشيوعي في بورما لأتباعه؛ فإذا هي تحرم عليهم الغزل البرجوازي من قبيل «أهواك!» … وما أحلاك! … إلى أشباه هذا الهراء، وتنظم لهم نماذج للغزل يقول الفتى لفتاته في بعضها:

إنني مفتون بإخلاصك وأمانتك لقضية الحزب، وأتمنى أن نرفع الراية معًا في هذا الجهاد.

ولا يجمل «بالتقدمي» المخلص أن يبدأ الغزل ويختار مَن يُخاطبها به قبل اطِّلاع اللجنة التي يعمل في نطاقها، ويَحقُّ لها أن توجهه في العمل حيث كان!

(٣) الحكمة السارة

ويمضي مع تاريخ الغزل تاريخ آخر للحكمة العالمية من أقدم أصولها.

والحكمة العالمية من أقدم أصولها هي حكمة الأمثال التي يقال عنها: إنها يخف وزنها ويثقل معناها كأنها الجواهر والفصوص.

وقد سماها صاحب هذه المجموعة بالأمثال السارة، فلم يخدع القارئ بهذه التسمية، فكل مثل من أمثالها الألفين يُضحِك بمُفارَقاته، ويَسرُّ السامع بحلية من حُليِّ البلاغة في التعبير، ويدهشه؛ لأنه لا يدري حين يسمع المثل السار أو المثل السائر: هل اقترب من شيء بعيد، أو ابتعد من شيء قريب؟

قالت الإنسانية بجميع لغاتها، أو قال آدم بجميع لغاته، فما من مثل هنا إلا وهو تكرير لكلام قيل في لغة أخرى، وهكذا قيل:

إذا أردت أن تنسى شيئًا فاذكره.

رنين الدرهمين في الكيس أعلى من رنين المائة.

من يضحك من نفسه أولًا لن يضحك منه أحد.

مداراة المعرفة خير من إظهار الجهل.

كلما صعد النسناس ظهر احمراره!

الكسالى أقل الناس فراغًا.

تسقط الشجرة حيث تميل.

أحبب جارك ولا تهدم جدارك.

القط الذي يطرد الفيران، والقط الذي يقبضها يستويان!

الحماقة في الوقت المناسب عقل.

أكثر الأشياء لها مقبضان.

إذا عثر اللسان نطق بالحقيقة.

الخطيب الأخير ينال يد العروس.

الثروة تعب في الجمع، وهَمٌّ في الصيانة، وخوف من الضياع.

الكلب لا يعوي إذا قذفته بعظمة.

أسأل الله الصديقَ الذي يُطلعني على عيوبي فيُغنيني عن الأعداء.

السمعة الحسنة تذهب بعيدًا، والسيئة أبعد!

الثوب جديد، أما البالي فهو الثقوب.

كل ثناء يموت ما لم تُطعِمه.

الكأس الأولى هي الغالية.

أصدق الصدق ما تنكر سماعه.

الماء الملوث يطفئ النار كالماء الطهور.

المال الخفيف يحملك، والمال الثقيل تحمله.

كسوتنا الأخيرة في الدنيا بغير جيوب!

لا تستر عن الصديق ما يعرفه العدو.

زيادة في العجلة نقص في السرعة.

وكلما قالت الإنسانية قولًا خالدًا نفيسًا قالته بهذا الأسلوب، ولم تقله بأسلوب التلغراف أو التليفون.

وكلما عزَّ على الإنسانية أن تتعب في سبيل الحكمة مسَّتها الحاجة إليها.

وهكذا هي اليوم تطلب في كل تعليم علمًا بغير دموع، وحقوقًا بغير واجبات، وأمثالًا ملبسة بالسرور.

(٤) واضحك معي

وكتاب من هذه الكتب غاية في الجد على الرغم من جامعيه ومُرتِّبيه؛ ولهذا يطلبون من قُرَّائه أن يضحكوا، ولا يتركونهم وشأنهم يضحكون متى شاءوا، ويبكون إن طاب لهم البكاء. وقد يكون البكاء ألزم من الضحك بعد قراءة الكثير من «مُضْحِكات» الكتاب.

اسم الكتاب «اضحك معي» …

ومؤلفوه طائفة من أعلام الفكاهة السيارة في الصحافة الأمريكية والإنجليزية، وصاحب الرأي والذوق في اختياره عَلمٌ آخرُ من أعلام الفكاهة السيارة في العصر الحاضر يسمى دافيد لانجدون … إن كنت قد سمعت به أيها القارئ الضحوك.

إحدى فكاهاته: رجل نجا من الموت بالسم وبالرصاص وبالسلاح الأبيض، وعاش بعد ذلك متشائمًا منقبضًا؛ لأنه اعتقد أن القدر لم «يُكلِّف خاطره» أن ينجيه من الموت مرات إلا لأنه يدَّخر له في جَعْبته مصيرًا أصعبَ من الموت!

ومن فكاهاته: رجل إنجليزي يحدث صاحبه عن أبيه فيقول له: إنه اشترك في حرب «الزولو» …

فيسأله الصديق: في أي الجانبين؟

وملحة الملح من نوادر الكتاب قصة الرحالة الذي اتهمه الأفريقيون «بالعين الحاسدة»، وألقوا عليه التهمة فيما أصابهم وأصاب مزارعهم وأشجارهم وأنعامهم من العلل والأوبئة وخسائر الجدب والكساد.

ولا بد من الجزاء، وهو معلوم.

فإن لم يذعن للجزاء فعليه أن يحصل على شهادة البراءة من كاهن القبيلة، ولا يعطيه الكاهن هذه الشهادة إلا إذا مرَّ «حافيًا» فوق الحجارة المحماة على مشهد من المصابين والمصابات، ومن شهود الذمة والأخلاق.

والمتهم — ماك جريجور — فيه نظر.

وكاهن القبيلة فيه نظرات.

وعيون أبناء القبيلة فيها أنظار كثيرة مفتوحة؛ لكي ترى أو لا ترى، على حسب المقام.

وقد برئ المتهم من جرائمه كل البراءة ومرَّ على الحجارة المُحماة حافي القدمين فلم يُصبه سُوء.

مرَّ على الحجارة المُحماة حافي القدمين ولكن على الدراجة.

ولم يرد في العلم القديم أن الدراجة تعصم المتهم من قضاء الأرباب.

هذه هي المضحكات التي استطعت أن أُلبِّي بها طلب السادة مؤلفي الكتاب، أو طلب السيد الذي يدعونا إلى الضحك معه!

وأحسبني قد استخدمت الكرم الشرقي في تلبية ذلك الطلب العسير!

والرأي عندي أن يقنع الغربيون من الشرقيين في هذا العصر بطلب واحد؛ وهو طلب البكاء.

طلب غير مستجاب بغير تكليف!

(٥) الجمهور معصوم

والسؤال السريع الذي يسبق القارئ إلى لسانه: معصوم من ماذا؟ أو معصوم من أي شيء؟

فقد تكون العصمة من الصواب هنا أقرب العصمتين، ولكن المخرج الكبير «أدولف زيوكر» لم يقصد هذا حين كتب ترجمة حياته وتحدى بها المخرجين قائلًا: إن الجمهور لن يخطئ أبدًا.

تجربة خمسين سنة قضاها هذا الفنان المجري في إخراج روايات المسرح والصور المتحركة، وعمل فيها بفراسة الشرقي؛ لأن أبناء المجر محسوبون في القارة الأمريكية من الغربيين، وعمل فيها بتنظيم الحساب أو تنظيم الإحصاء؛ لأنه قوام كل عمل في العصر الحديث، وجاء في الحق بخلاصة نفيسة لتجارب الفن المسرحي في القرن العشرين، ومدارها كلها الاهتمام بالفنان والاهتمام بالكاتب معًا، ثم الاجتراء على التكاليف بغير مبالاة.

وكانت أولى مجازفاته إطالة الوقت للرواية المعروضة على اللوحة البيضاء؛ فقد كان المظنون في الجمهور أنه لن يصبر على منظر من مناظر الصور المتحركة أكثر من دقائقَ معدوداتٍ.

وكانت له مجازفات كثيرة في التعاقد مع بعض الممثلين والممثلات على مئات الألوف من الريالات، فلم يخسر في مجازفة واحدة منها لأن الجمهور خيَّب رجاءه وأخلف تقديره، أو أخلف حسابه، على القول الصحيح.

وقد تتبعنا المخرج الكبير في معظم صفحاته وخرجنا من الكتاب ونحن على ثقة من موافقته على شريطة واحدة: أن يكون عنوان الكتاب «الجمهور لا يبخل أبدًا …»

فلم يُثبِت زيوكر نتيجة واحدة كما أثبتَ هذه النتيجة من تجاربه الطوال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.