كثير على بلاد المغرب أن تصطلح عليها زلازل السياسة وزلازل البراكين في وقت واحد، ولكننا — نحن بني آدم — نُصاب ونحن متحفزون للخطوب، متقلِّدون عُدَّتنا للشدائد، خير من أن نُصاب ونحن وادعون لا نتوقع هولًا من الأهوال، ولا تخطر لنا الشدة على بال، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.

ومن لم يسلم للنوائب أصبحت

خلائقه طرًّا عليه نوائبا

ونعود مرة أخرى فنقول مع أبي تمام:

قد يُنْعِم الله بالبلوى وإن عَظُمَتْ

ويبتلي الله بعض القوم بالنِّعَمِ

دنشواي وزلزال مسيني

من المألوفات في تداعي الخواطر عند الذين حضروا أيام دنشواي وتتبعوا جرائدها، أن يقرنوا بينها وبين الزلزال الجائح الذي دمَّرَ مدينة «مسيني» في إيطاليا، وهي تلك المدينة التي يحفظ لها الأدب الأندلسي أبيات شاعره ابن حمديس؛ إذ يقول فيها مجنسًا: «من ذا يمسيني بمسيني؟!» إلى آخر ما قال …

وليس اقتران دنشواي بزلزال مسيني من قبيل المجازات التي تنعقد فيها المشابهة بين زلزال الثورات النفسية وزلازل البراكين، ولكنه من قبيل العلاقات التاريخية أو علاقات الواقع كما سنراه بعد قليل.

إن كارثة دنشواي إحدى الحوادث الكبرى التي يتمثل فيها العقل واللسان معًا بالآية القرآنية الكريمة: ().

فلو أن ديوان الإحصاء نِيطَ به أن يقسم حوادث التاريخ المصري الحديث بين بابَيِ النِّعَم والمصائب، لما تردَّد في وضع هذه الحادثة بالخط البارز تحت باب المصائب، أو المصائب الكبار … ولكننا لا نعرف حادثة واحدة كان لها من الفضل على النهضة المصرية ما كان لهذه المصيبة المكروهة على غير حسبان.

لقد كان كرومر يُسمِّي نفسه صديق «الجلاليب الزُّرْق»، ويقول إنه لا يبالي الصيحة المصطنعة من لابسي الطرابيش ولابسي الكسوة المقصبة ما دام «الجلباب الأزرق» يُعْرَف له فضل الإصلاح والإنقاذ من السخرة، والكرباج، والضرائب، والإتاوات.

ولا تكتم الحق … فقد كان له مصدقون بين المصريين وغير المصريين في هذا الذي كان يدَّعِيه … فلما وقعت الكارثة، وبطش الاحتلال بالفلاحين الأبرياء تلك البطشة النكراء، لم يَبْقَ في مصر فلاح يضن بالجلباب الأزرق كفنًا للاحتلال، ولو لم يملك سواه.

ولم تمضِ شهور حتى ظهرت الأحزاب المنظمة تطلب الجلاء والدستور وينادي بعضها بطلب «الاستقلال التام».

وسَرَتِ الضجة من مصر إلى الخارج، فخاضت فيها الصحف، وكتب برناردشو مقالاته وتحقيقاته التي سجلت الوصمة تسجيلًا لا فرار منه على كرومر وأعوانه من المستشارين المتجبرين، فطاحت به قبل أن يمضي على الحادثة عام.

وكان كرومر هذا معدودًا من بناة الإمبراطورية، بلغ من اعتداده بنفسه أنه كان يتقدَّم قرينته في الحفلات على سُنَّة الملوك، وأنه التمس الإذن مرة بمقابلة الملك «إدوارد السابع» فجاءه الجواب بالموعد بعد ثلاثة أيام، فلم يشأ أن ينتظر هذه الأيام الثلاثة وأرسل إلى القصر الملكي يقول إنه مستعجل … وإنه ينوي السفر غدًا إلى الريف … قال الملك إدوارد السابع وقد أُبْلِغ هذه الطُّرْفة النادرة: «إن اللورد المحترم قد نسي أنه ليس في القاهرة، وأنني لست الخديوي عباس!»

فلما أطبقت الحملة على هذا الحاكم بأمره، عزَّ عليه أن يعترف بالخطأ وأن يعتذر من شططه، وأصرَّ على صواب عمله، ورمى المصريين بالتعصب الأعمى، وكراهة الأجانب، والنفور من كل حضارة «مسيحية» … وزعم أنهم كانوا يتصايحون بطلب الجهاد بعد حادثة العقبة؛ لأنهم أرادوا ضمَّها إلى دولة الخلافة الإسلامية، فغضبوا على الإنجليز لأنهم أبقوها في داخل الحدود المصرية.

وإن هذه المعمعة الدائرة بينه وبين زعماء الحركة الوطنية؛ إذ تثور الزلازل بإيطاليا وتُدَمِّر مسيني وما جاورها، ويهيب الفاتيكان بالعالم الإنساني في طلب المعونة العاجلة، فيستجيب له القادة المصريون، ويثبتون للعالم أنهم سبقوا الأمم الأوروبية إلى النجدة، وبادروا إلى جمع التبرعات وإقامة الحفلات، فظهر اسم مصر في مقدمة الأمم، وكان هذا «الجواب العلمي» أقوى تفنيد لدعوى اللورد كرومر، ودعوى المستعمرين أجمعين.

ومن ذكرياته الأدبية

ونَظَم حافظ إبراهيم قصيدته في الزلزال لِتُلْقى في إحدى هذه الحفلات، ومن أبياتها هذه الأبيات البليغة:

ما «لمسيني» عُوجِلَتْ في صباها

ودعاها من الردى داعيانِ

خُسِفَتْ، ثم أُغْرِقَتْ، ثم بادَتْ

قُضِيَ الأمر كله في ثوانِ

رُبَّ طفل قد ساخ في باطن الأر

ض ينادي: أُمِّي أبي، أدركاني

وفتاة هيفاء تُشْوَى على الجمـ

ـرِ تعاني من حرِّه ما تعاني

وأبٍ ذاهل إلى النار يمشي

مستميتًا تمتد منه اليدانِ

باحثًا عن بناته وبَنِيه

مسرع الخطو مستطير الجنانِ

تأكل النار منه لا هو ناجٍ

من لظاها ولا اللظى عنه وانِ

وكالعادة التي لا فكاك منها، شُغِلَتِ الأندية الأدبية بالقصيدة ونقدها، وأعطاها بعضهم فوق حقها، ونزل بها بعضهم دون حقها … وكان من هذا النقد الذي دون حقها، أنهم أخذوا عليه استعمال حرف العطف «ثم» مرتين في هذا الزلزال الجارف الذي لم يَطُل غير لحظات، وأنه «زنقته» القافية فقال عن الأب إنه «تمتد منه اليدان.» وما أراد إلا أن يقول: «يمد يديه.» فلم تسعفه القافية ووقع في هذه الضرورة المعيبة.

لم يكن هذا النقد منصفًا في الواقع؛ لأن قوله «تمتد يداه» أبلغ في هذا المقام من «يمد يديه»، كأنه لذهوله تتحرك أعضاؤه وهو لا يدري، وتسرع به خطاه وهو لا يعلم إلى أين يذهب. وأما حرف العطف مع التراخي، فهو أوفق لهذا المقام الذي تمر لحظاته كأنها أجيال؛ لِعِظَم ما تخلَّلها من الأهوال.

وكاد حافظ يطير فرحًا حين علم بدفاعنا عنه، ولكنه لم يَنْسَ صراحته حين لقيني بعد ذلك، بل قال لي همسًا كأنه يستودعني سرًّا: والله يا فلان … إنها لرمية من غير رامٍ، ولكن لا تَقُلْ لأحد!

قلت: وهي على ذلك لم تخطئ شرط البلاغة؛ لأن الشاعر قد يأتي عفوًا بأبلغ من معانيه التي يتكلف لها ويتعب في تنقيحها.

ومع الفلسفة

ويقضي سوء حظ الجزائر أن تكون لها سوابق في الزلازل الجائحة، لعلها تُخْتَم بهذا الزلزال الأخير … لقد كان لها نصيبها من زلزال «لشبونة» عاصمة البرتغال الذي دمرها في سنة ١٧٥٥، وقيل عنه بعد ذلك إنه زلزل من العقول والعقائد أضعاف ما زلزله من المواقع والديار.

كان حقًّا كأنه الغارة المرتبة بخطة مرسومة؛ لأنه حدث والناس في المعابد يحتفلون بعيد من أكبر الأعياد عندهم؛ وهو عيد جميع القديسين.

وبلغ ضحاياه ستين ألفًا مات بعضهم تحت الردم، ومات غيرهم بالحرائق التي اشتعلت في البيوت من نيران المواقد المُعَدَّة لطعام الموائد في ذلك العيد.

ولم يكفِ الردم والحرق حتى أُعِينا بطوفان من المد المفاجئ أخذ من وجده في طريقه وهبط به إلى هاوية في قاع البحر لم تظهر منها بعد ذلك جثة واحدة، ولا أثر واحد من آثار البيوت والسفن الكبار والزوارق الصغار.

وصنع الزلزال صنيع التتر الأقدمين؛ إذ كانوا يخربون المدينة ثم يرجعون إليها في غرة من أهلها العائدين إليها، كأنهم يسخرون من طمأنينتهم ومن أملهم في السلامة والأمان. وهكذا صنع الزلزال بأهل لشبونة يومًا بعد يوم، حتى ترك الناس ودائعهم فيها وأوجسوا من عاقبة البحث عنها، خوفًا من بغتة لاحقة من بغتات هذا الزلزال الغدور.

ويحدث هذا كله في عصر الفلسفة وإبان الجدل بين القائلين بالعناية الإلهية، والقائلين بالكون الذي لا قصد فيه ولا عناية ولا دليل في حوادثه على نظام غير نظام الضرورة.

ويكون مذهب الفيلسوف «ليبنتز» أروج المذاهب في ذلك العصر الحائر.

ويكون فولتير بمرصد لهذا المذهب ينصَبُّ عليه بكل ما أُوتِيَ من قدرة على السخرية والمغالطة.

أما مذهب ليبنتز، فخلاصته أن عالمنا أحسن العوالم الممكنة؛ لأنه يجمع ألوف الألوف من الممكنات التي لا تُجمَع معًا إلا بنقص في كل منها، فليس في الإمكان كما قال الإمام الغزالي من قبله أبدع مما كان.

وأما مذهب فولتير، فقد يُلَخِّصه من شاء في تلقفه للحوادث التي من قبيل زلزال لشبونة، كأنها — كما قال بعضهم مجاريًا له في سخريته — غوث تَسُوقه له العناية الإلهية لإنكار العناية الإلهية.

ولقد تناول نكبة لشبونة في قصة «قنديد» فلم يكْفِه ما فيها من الفجائع والفظائع حتى يُضِيف إليها تحفة من تحف محكمة التفتيش، فيصِف لنا هذه المحكمة وهي «تُحقِّق» أسباب الزلزال ووسائل الوقاية منه في المستقبل، فلا تعرف له سببًا إلا أن الناس يعصون رجال الدين ويتزوجون بغير إذنهم، وعلى غير سنتهم، ويستبيحون من الطعام ما لم يبيحوه ومن الكلام ما لم يقبلوه، ثم تصادف القسمة المشئومة تلميذ الفيلسوف الذي يتغنَّى بأحسن العوالم الممكنة، فيخرج من تحت السياط وهو يلعن أحسن العوالم، ويتمنى لو قذف به إلى أقبحها وأسوئها، وليس في الإمكان عنده أسوأ مما كان.

وفي الدين

والشائع حتى اليوم على ألسنة العامة وبعض الخاصة، أن الزلازل كثرت في الأزمنة الأخيرة، ولم تكن بهذه الكثرة إلى القرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر للميلاد. وتعليلهم لكثرتها في هذه الأزمنة أنها غضب من الله على خلقه؛ لتماديهم في الزندقة والجحود واجترائهم على المعاصي والموبقات.

أما العلماء المختصون بتكوين الأرض، فينظرون إلى المسألة من وجه آخر، ويقولون إنها لم تكثر ولم يظهر لهم داعٍ لكثرتها على حسب المعلوم من أسبابها. وإنما تراقب العوارض الطبيعية في العصر الحديث مراقبة علمية، وتتقدم أدوات الرصد ووسائل نقل الأخبار، فيعلم الناس بكل زلزال يقع في جوانب الكرة الأرضية بعد أن كان العلم به مقصورًا على سكان الأقاليم القريبة منها.

إلا أن الكتابة عن الزلازل والاهتمام البالغ بجمع أخبارها التاريخية والعصرية قد كثر ولا ريب كثرة عظيمة بعد زلزال لشبونة، وقد اصطبغا في كل فترة بالصبغة التي تلائمها من الشعور الديني أو الآراء العلمية، وأحصى أحد المختصين في تقرير كتبه إلى المجمع البريطاني كل ما أمكن العلم به من زلازل الماضي والحاضر، فبلغت في حسابه ٦٨٣١ زلزالًا، لم يحدث منها قبل ميلاد المسيح غير ثمانية وخمسين.

وعقَّبَ الدكتور «منجوينتون» على هذا الإحصاء في كتابه عن الزلازل وتاريخها وظواهرها وأسبابها المرجحة، فقال: إن هذا التفاوت بين عددها قبل الميلاد وبعده يسوِّغ لنا أن نفسر نبوءة السيد المسيح تفسيرًا طبيعيًّا؛ إذ يقول إن الزلازل علامة تسبق قيام ملكوته على الأرض.

ولم يستطع الدكتور أن ينسى الأمانة العلمية، فعاد يقول إن الكلمة التي في الإنجيل تفيد باللغة اليونانية معنى الهرج والمرج والقلاقل والهيجانات، ولا تنصرف إلى الزلازل الأرضية وحدها. ومضى مستدركًا فقال إن الدنيا التي كانت معلومة قبل الميلاد محدودة وليس وراءها في بقاع الأرض أمم تحسن رصد العوارض الطبيعية وتدوين حقائقها. بل ضرب مثلًا مستمدًّا من بحوث الدكتور «دوبني» الخبير بالبراكين، فروى عنه أنه كشف في بلدة «لبسا» بين رومة ونابلي حجرات تحت الأرض بعدة أقدام تدل على عمران قديم قوضته الزلازل، وليس في التواريخ الرومانية خبر عنه على الإطلاق.

ومن الحسن أن يتديَّن العالم ولا ينسى الأمانة العلمية؛ فإن الزلازل التي ظهرت دلائلها بعد كتاب الدكتور منجو، أكبر وأضخم من أن يُذْكَر إلى جانبها زلزال علم به الناس قبل الميلاد وبعد الميلاد، وكل هذه الزلازل التي كتب عنها لا تعدو أن تكون مفرقعات أطفال بالقياس إلى زلازل قبل التاريخ.

فواحد من هذه الزلازل قذف بالقمر من فجوة المحيط الهادئ، فألقى به حيث يدور الآن في مجراه، وترك موضعه الذي يدل عليه مرصوفًا بالصخور النارية التي توجد في الطبقة الوسطى من الأرض خلافًا لطبقة الصخر المحبب في قيعان المحيطات الأخرى.

وزلزال آخر من هذه الزلازل العاتية فَصَل القارتين الأوروبية والإفريقية، وملأ الفجوة بينهما بالبحر الأبيض المتوسط حيث تعبر الطيور المهاجرة إلى اليوم كأنها لم تعلم بهذا الطارئ الجديد في عرض الطريق.

وزلزال من هذا القبيل فصل العالَمَيْن القديم والجديد وترك الدلائل عليه في البقاع البارزة التي تواجهها البقاع الغائرة من الجانب المقابل، فلو رسمت هذه الخرائط على الورق ثم قصصتها وضممتها لم يَبْقَ بينها من فجوات غير أماكن الجزر المتفرقة في المحيط الأطلسي هنا وهناك.

وزلزال من ذلك الطراز قذف بالقارة الأسترالية بعيدًا من آسيا، ولم يزل فراغها باقيًا في المحيط الهندي لو استطاعت أن تعود إليه.

فأين غضب اليوم من غضب الأمس إن كانت هناك غضبات سماوية وراء هذه الهزاهز الأرضية؟!

لا حاجة بالسماء اليوم إلى الغضب ولا حاجة بالطبيعة كلها إليه، فما على الطبيعة في زماننا هذا إلا أن «تهدئ أعصابها» كل الهدوء وأن تَدَع للإنسان نفسه مهمة الغضب على الإنسان، ولا نخال أن هذه الطبيعة تطمع في رقم قياسي للغضب يساوي تلك الغضبة الموعودة إذا تمَّت كشوف القذائف الذرية وأمكنها — على ما يُقال — أن تنسف الكرة الأرضية أو تنحرف بها عن قانون الجاذبية.

حلم الطبيعة إذن ولا مؤاخذة، فلا حاجة بها بعد الآن إلى الفوران والثوران، وإن في سوق السلاح القديم لمتسعًا لكل بركان.

مبالغات زمان

في أحد المراجع التي حصرت زلازل الماضي والحاضر سلسلة من الأوصاف عن زلزال غرناطة وما حولها قبل سبعين سنة، ومن تلك السلسة شذرة من رسالة مكاتب «الستاندارد» يبلغ بها غاية التهويل حيث يقول: «ما من قوة مدفعية تستطيع قذائفها أن تدمر المكان مثل هذا التدمير!»

كان هذا أقصى المبالغة قبل سبعين سنة … كان غاية وسع الزلزال أن يضارع المدافع في قدرتها على التدمير، فماذا يقول صاحبنا لو أراد أن يصطنع هذا الأسلوب في التهويل على أنقاض هيروشيما؟

لو قال إن عشرة زلازل لا تستطيع بحممها ودواخينها أن تدمرها مثل هذا التدمير … لاتُّهِمَ بالاعتدال المفرط، إن كان في الاعتدال إفراط.

ولعل اليابان أصلح المواقع لهذه المقارنة بين زلازل البراكين وزلازل القذيفة الذرية، فقديمًا عرفت زلازل البركان، فلم يصبها من أهوالها خطب أعظم من طغيان الماء على جزيرة صغيرة أو سفح منحدر … وأين هذا من مدينة عامرة أوشكت أن تطير دخانًا في الهواء؟!

هنيئًا للإنسان هذا السبق في مضمار العدوان، وعفاء على مبالغات «زمان» إلى جانب الحقائق المشهودة في هذا الزمان!

الجبل والهرم

كان في العالم عجائبه السبع قبل أن يحترق هيكل ديانا، وتندكَّ حدائق بابل، وتعصف الزلازل بتمثال قبرس ومنار الإسكندرية.

ثم بقيت في مصر أعجوبة الأعاجيب قاطبة وهي الهرم الأكبر، فزاره في أيام الحرب العالمية الأولى ألوف من الأمريكيين طلاب العجائب، وكثير منهم على التحقيق لا يعرفون كيف يتعجبون.

ومن هؤلاء الكثيرين جندي نظر إلى الهرم من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق بغاية الازدراء، وشعر بالخيبة وهو يلتفت إلى زملائه ويقول لهم كأنه يحاسبهم على تهويل التاريخ: أهذا أعجوبة الزمن القديم؟!

وكان مع الزائرين صحفي يكتب في الصحافة الأجنبية المحلية، فسأله متلطفًا: وما الذي تنكره من هذه الأعجوبة؟

قال: إن التل الذي بجوار قريتنا لأكبر من هذا الهرم مرتين …

قال الصحفي: وهل لا يستحق الإعجاب في نظرك عمل من يد الإنسان يناظر جهد الطبيعة في طوال السنين؟!

قال الجندي: أما إن كان هذا سر الإعجاب فنعم.

ونقول مع الجندي: ونعم أيضًا إن كان هذا سر العجب من قدرة الإنسان بين الهدم والبناء.

قصاراه إذا سابق الطبيعة في البناء أن يبني نصف تل في قرية.

وليس قصاراه إذا سابقها في الهدم أن يزيد على عشرة زلازل، فما قنع بَعْدُ ولا يلوح عليه أنه قانع غدًا بهذا الشوط.

ما على الطبيعة اليوم أن تضع نقمتها في قرابها وأن تطوي صواعقها في سحابها؟!

وعلامَ التعب بزلازلها العتيقة وفي الزلازل المصنوعة على اليدين غنى عنها، ولا اعتراف ولا ثناء؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.