لو فهمنا الديمقراطية على وجهها؛ لما شك الحاكم في أنه خادم عليه من الواجبات أكثر مما له من الحقوق، ولما شك المحكوم في أنه سيد في وطنه، لا ينبغي أن يخاف الحاكم أو يرهبه، ولا أن يتملقه أو يستعطفه! وإنما يؤدي إليه الحق على أن حق الدولة كلها على المحكومين، ويطلب إليه الحق على أنه حق الشعب كله من الحاكمين.

هذا إقطاع أشدُّ خطرًا وأعظم نكرًا من الإقطاع القديم، الذي عرف في الزمان الأول، ولعله لا يزال يعرف إلى الآن في بعض أقطار الأرض. فقد كان الإقطاع القديم طورًا من أطوار الاجتماعية الإنسانية اقتضته ظروف الحضارة، فكان في وقته ملائمًا للأخلاق وملائمًا للدين، وملائمًا للسياسة. وكان الناس يطمئنون إلى نظام طبيعي مألوف نشأ في غير تكلف، ولم يفرضه تحكم ولا طغيان.

أمَّا الإقطاع الذي أريد أن أتحدث عنه، فإنه شيءٌ لم تفرضه طبيعة الحياة، ولم يقتضه تطور الحضارة، ولم يطمئن الناس إليه، ولا يمكن أن يطمئنوا إليه؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ومخالف لرأي الناس في طبيعة الأشياء، ومخالف لتصور الناس حقائق الحياة وحكمهم على هذه الحقائق.

ومصدر هذا الإقطاع البغيض خطأ في الفهم، وخطأ في الحكم، وخطأ في التقدير، وأخشى أن أقول: إن من مصادره فسادًا في الأخلاق وغلظة في الأذواق! فالأصل أن المصالح العامة ملك للشعب كله، وأن الحكومات والهيئات الاجتماعية المختلفة إنما تنوب عن الشعب في تحقيق هذه المصالح وتدبيرها والعناية بها. فُهِمَت المصالح العامة على هذا النحو منذ العصور القديمة جدًّا، وفي بيئاتها المختلفة أشد الاختلاف. فهمها على هذا النحو اليونان والرومان على اختلاف نظمهم السياسية، وفهمها على هذا النحو المسلمون في عصورهم الذهبية الممتازة، وفهمها على هذا النحو الأوروبيون والأمريكيون، وسيظلون يفهمونها على هذا النحو. فالوزارة من الوزارات ليست ملكًا للوزير، وإنما هي ملك للدولة، بل إن هذه الوزارة من الوزارات ليست ملكًا للحكومة كلها، وإنما هي ملك للدولة التي هي أبقى وأعم وأشمل من الحكومة. وليست الحكومة في حقيقة الأمر نظامًا عمليًّا تصطنعه الدولة لرعاية مصالحها وتدبير أمورها، وليس أعضاء الحكومة في حقيقة الأمر إلَّا جماعة من الناس ترى فيهم الدولة — مخطئة أو مصيبة — الكفاية والقدرة على رعاية هذه المصالح وتدبيرها وقتًا يقصر أو يطول. فهي تكلفهم هذا الواجب، وتأجرهم على النهوض به، وتراقبهم أثناء النهوض به، فتبقيهم في عملهم ما رضيت عنهم، وتقصيهم عن عملهم إن سخطت عليهم أو أنكرت منهم شيئًا أو آنست منهم تقصيرًا أو قصورًا!

فأعضاء الحكومة موظفون لا أكثر ولا أقل، وهيئة الحكومة جماعة من الموظفين يعملون متضامنين، ويخضعون لرقابة الدولة، ويتعرضون لما يتعرض له أي موظف من رضا الدولة وسخطها.

هذا هو الأصل الذي يعرفه الناس جميعًا ويقره الناس جميعًا حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، وحين يلقى بعضهم بعضًا ويتحدث بعضهم إلى بعض. تعلموه في المدرسة، وقرءوه في الكتب، وهم يقرءونه في الصحف حين يصبحون وحين يمسون. ولكن العمل في مصر — وفي بلاد أخرى تشبه مصر شبهًا قريبًا أو بعيدًا — يخالف هذا الأصل أشد الخلاف ويناقضه أعظم المناقضة!

فالوزير لا يكاد يجلس على كرسيه حتى يغره الغرور؛ فيخدعه عن نفسه وعن سلطانه، وعن حقه وعن واجبه، وينسيه أنه موظف وُلِّيَ اليوم وقد يُعزل غدًا، وأنه مراقب يمكن أن يسأل عمَّا يأتي، ويمكن أن يسأل عما يدع، ويمكن أن يعاقب على ما يتورط فيه من قصور أو تقصير! ينسى هذا كله وينسى أنه لم يكن وزيرًا أمس، وأنه قد لا يكون وزيرًا غدًا، ولا يذكر إلَّا شيئًا واحدًا هو أنه يستطيع أن يأمر وينهى، وأن في وزارته موظفين يجب عليهم أن يأتمروا إذا أمرهم، وأن ينتهوا إذا نهاهم. ويسرف الغرور على نفسه، ويسرف هو على نفسه في الغرور، فيخيل إليه أنه مستأثر بمنصبه إلى آخر الدهر، وينسى نسيانًا تامًّا هذه الصيغة التي كانت «المقطم» تمهِّد بها فيما مضى من الأيام لسقوط الوزارات، وهي أن الحكم تقليد لا تخليد. وإذا هو يقتنع فيما بينه وبين نفسه، ثم يقنع الناس من حوله بأن الوزارة التي يتولاها إنما هي إقطاع من الإقطاعات قد أُهدي إليه ووُقِف عليه، فهو يتصرف فيه كما كان السادة يتصرفون فيما يُهدى إليهم من الإقطاعات!

ونظام الإقطاع دقيق، فيه السيد الذي يلقب أحيانًا بالدوق، وأحيانًا بالمركيز، وأحيانًا بالكونت. ثم فيه السادة الذين يلون هذا السيد الأعظم، ويحملون مختلف ألقاب الشرف، وقد رُتِّبت درجات بعضها فوق بعض. ثم فيه بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، ليس لها رأي في شيء، ولا ينبغي أن يكون لها رأي في شيء! وهذا النظام هو الذي يطبق في وزاراتنا ومصالحنا تطبيقًا دقيقًا: فالوزير هو السيد الأعظم، ثم يليه السادة الوكلاء، ثم تليهم طبقات مختلفة من الرؤساء قد رُتِّبت درجاتٍ بعضها فوق بعض. ثم تأتي بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، والتي تأتلف منك ومني ومن أمثالنا بين عباد الله البائسين!

ونظام الأحزاب في مصر ليس كنظام الأحزاب في البلاد الأخرى؛ فالحزب الذي يتولى الحكم إنما يتسلم مصر على أنها إقطاع من الإقطاعات يقسم بين الوزراء، ويحكم على النحو الذي كانت تحكم عليه الإقطاعات في الزمان الأول، وينظر إلى الأحزاب التي لا تتولى الحكم على أنها من الدهماء التي لا يعبأ اللَّه بها، فلا ينبغي أن يعبأ بها الناس!

والحكم في مصر دُولَةٌ بين الأحزاب، فهو اليوم إلى هذا الحزب، وهو غدًا إلى حزب آخر. فالحزب الذي يحكم اليوم لم يكن حاكمًا أمس، ولن يكون حاكمًا غدًا. وكان هذا خليقًا أن يعلِّم الأحزاب أنها حين تتولى الحكم لا تتسلم إقطاعًا، وإنما تكلف خدمة. ولكن الأحزاب مع ذلك لا تتعظ ولا تتعلَّم، وإنما تلي الحكم فيسرع النسيان فيمحو من رءوسها كلَّ ذكرى، ويسرع الغرور فيلقي بينها وبين المستقبل أستارًا كثيفة، وإذا هي تعمل ليومها غير ذاكرة أمس، ولا محتاطة للغد، حتى إذا جاءت الساعة التي لا بدَّ من أن تجيء، وأنزلت الأحزاب الحاكمة إلى منازل الدهماء، ورفعت الأحزاب المحكومة إلى مناصب الحكم؛ لم يتغير شيء، وإنما مضى سادة ليصبحوا مسودين، وأقبل مسودون ليصبحوا سادة، وشكا المحكومون دائمًا من ظلم الحكام، وسخر الحاكمون دائمًا من شكوى المحكومين!

ولولا أننا قدرنا الأشياء كما ينبغي أن تقدر في ظل النظام الديمقراطي؛ لما نظرنا للوزراء والرؤساء على أنهم سادة ينبغي لهم أن يأمروا وينبغي لنا أن نطيع، بل على أنهم وكلاء قد ائتمناهم على مصالحنا، فإن رعَوها فذاك، وإن لم يرعوها ففي القانون والدستور وازعٌ للجميع.

نعم، ولكن الحق يجب أن يُقال، والحق أن الحاكمين والمحكومين في مصر لا يفهمون الديمقراطية على وجهها، وهم من أجل ذلك لا يتداولون الحكم فيما بينهم، وإنما يتداولون الظلم والاستبداد!

فالحكم إقطاع للأحزاب الحاكمة لا أكثر ولا أقل، وليس بينه وبين الإقطاع القديم إلَّا فرق واحد ظاهر، وهو أن الإقطاع القديم كان ثابتًا مستقرًّا لأصحابه، تتوارثه ذريتهم بعد أن يموتوا. أمَّا الإقطاع الحديث فمتنقل لا يحب أن يستقر ولا يخضع لنظام الميراث. وهو من أجل ذلك أشدُّ خطرًا من الإقطاع القديم؛ لأنه فرصة يجب أن تُنتهز، فلعلها لا تعود، أو لعلها لا تعود إلَّا بعد وقت طويل! وإذن فيجب أن يستأثر الحاكمون ما وسعهم الاستئثار، وأن يدخروا منذ اليوم ما يمكن أن يفوتهم في غد، ويجب أن يتربص المحكومون، وأن يكيدوا ويمكروا، وأن يسجلوا ويستعدوا للانتقام!

وكذلك تضيع المصالح العامة أولًا، ويفسد الحكم ثانيًا، وتفسد الأخلاق ثالثًا، وينحل التضامن الاجتماعي بعد ذلك، ويصبح بعض المصريين لبعض عدوًّا. وليس لهذا كله من دواء إلَّا أن نفهم الديمقراطية على وجهها. ولكن أتظن أن من الممكن أن تُفهم الديمقراطية على وجهها، وقد شبَّ عمرو على الطوق؟ ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

والشيخ إن قومته من زيغه

لم يُقِمِ التثقيف منه ما انحنى!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.