يؤسفني أن أحيط سيادتكم علمًا بأني كتبت في إحدى المجلات مقالًا عن سيادتكم فاستقبلت في مساء ظهور المقال ألوانًا من السباب الشديد في التليفون … ومنذ ذلك الوقت أخذ هذا المجهول يواصل شتائمه حتى اضطررت إلى إبلاغ شرطة النجدة، وهو مرة يسمِّي نفسه الدكتور خفاجة ومرة يسمِّي نفسه كمال إسماعيل، ويعلم الله أني لا أحمل لأحد ضغنًا ولا كراهية.

فهل لك يا سيدي أن ترشدني إلى ما أفعل؟ … أرجو أن تلفت نَظَره على صفحات الأخبار حتى يرتدع …

دكتور جمال الدين الرمادي

… أنت ظريف يا دكتور رمادي وايم الله! …

ظريف إن خطر لك أنني أعرف ذلك الذي تشكوه، وظريف إن كنت تستعين بي عليه وأنا لا أعرفه!

وأظنك ستعرف عني شيئًا يدعوك إلى كتابة مقال جديد — بعد هذه المعرفة — إذا علمت أنني ما سمعت بصديق لي يعتزم أن يرد على كاتب يشتمني أو يفتري عليَّ إلا رجوته أن يُريح نفسه ويريح قلمه من هذه المؤنة، وأقنعته بأن السكوت أبلغ في إفحام المفترين من كل مقال.

أما إذا أصر الدكتور على أن أرشده إلى ما يفعل فليس في وسعي أن أوصيه بشيء غير ما أوصيت به نفسي مرات بعد مرات، أيام تعرضت لأمثال هذه الحملات، في التليفون وفي رسائل البريد.

إنني اليوم لا أجيب على التليفون بعد منتصف الساعة التاسعة.

ولكنني كنت في عهد من العهود أعمل في الصحافة الصباحية وأنتظر المحادثات التليفونية كل ساعة من ساعات الليل.

ويشاء الكثيرون من أشياع الزعماء الذين أكتب عنهم أن يبلغوني آراءهم عني بالأسلوب الذي يشكوه الدكتور جمال الدين.

وكان واحد من هؤلاء يهتم على الخصوص بأخبار امرأتي — امرأتي التي لم توجد قط ولا وجود لها الآن — فيذكر لي من أسرارها ما أجهله وما يجهله هو بطبيعة الحال.

وأسمع ذلك المخبر الصادق وأستزيده من آرائه عني ومن أخبار امرأتي لديه، حتى انقطع ذات ليلة فطلبته أنا وعتبت عليه لأنه لم يسعدني بتحياته ذلك المساء وتركني مشغول البال على امرأتي التي كان يتعقَّبها في كل مكان، وسألته: أيعلم أين هي الآن؟ أليس من العار عليه أن يقودها أحد غيره وهو بقيد الحياة؟

وكان هذا آخر العهد به وبما يفتريه على امرأتي في التليفون، وفي الصحف، لأنه كتب عنها مرة إلى صحيفة اللواء … قبل أن يعلم أنها مخلوق غير موجود.

والدكتور الرمادي رجل سعيد الحظ مع هؤلاء المجهولين الذين يتحدثون إليه وحده؛ لأنهم يختصونه بالتحية ولا يلقونها في أذن غير أذنه، فلماذا يستنجد بمن يشاركونه في السماع؟ ولماذا يكتمونه السر ويأبى هو إلا أن يذاع؟

دكتور رمادي!

لا تسأل عن دكتور خفاجة، ولا عن كمال إسماعيل، ولا عن أحد من قرائك الغاضبين، وألحقهم بمقال ثانٍ … إنهم يستحقون!

***

عاد سائل إلى السؤال عن رأيي في تعليق الدكتور محمد مندور الذي يقول فيه إنني لم أفرق بين الثقافة والحضارة فيما كتبته عن سبق الثقافة العربية للثقافتين العبرية واليونانية.

وإذا كان من الكلام ما لا يُرَدُّ عليه فهذا التعليق أحق الكلام بأن يُترك بغير رد؛ لأن الدكتور محمد مندور ينسى أن التفرقة بين الثقافة والحضارة شيء تعلَّمه هو من جيلنا ولا يستطيع أن يذكر له سابقة في اللغة العربية قبل هذا الجيل.

ولم يحسن الدكتور محمد مندور — بعدُ — أن يفرِّق بينهما حتى في تعليقه على رسالتنا؛ لأن الرسالة تقوم على مسائل الكتابة والعقائد الدينية والمذاهب الروحية، وهي كلها من مسائل الثقافة، خلافًا لما يظنه الدكتور محمد مندور حين ينسبها إلى الحضارة.

ونقول للسائلين — أخيرًا — عن نقد الناقدين لنا: إن الجواب يعلمه من قرأ الكتاب المفقود، فإن لم يكن السائل ممن قرءوه فهو كمن يريد منا أن نعيد له نشر ما كتبناه ليعلم ما قُلْنَاهُ حقًّا وما يَدَّعي الناقدون أننا قلناه.

وليس هذا مما نرتضيه لأنفسنا ولا مما يرتضيه القراء؛ لأنهم بين اثنين: قارئ نعيد له ما قرأ، وآخر نُرغمه على قراءة شيء لم يقرأه باختياره، وكلاهما فضول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.