كان أحد أساتذتنا في مدرسة المعلمين العليا — كما كانت تسمى في ذلك العهد البعيد — لا ينفك كلما عرضت مناسبة، ينفي لنا أن الإنسان يولد مفطورًا على الشر، وكنت — لِمَا وقر في نفسي من توقير المعلم — أصدق هذا ولا يخطر لي أن أُكابِر بخلافٍ فيه على الرغم مما لقيت في حداثتي من الشر الكثير والأذى الشديد من بعض أهلي خاصة، بل من أقرب ذوي قرابتي وأولى خلق الله بأن أكون عندهم موضع الرعاية والتعهد والإيثار بالخير، ولكني كنت صغيرًا لا يطول تفكيري ولا يعمُق، وكانت أمي قد عوَّدتني أن أتلقى ما تجيء به الأيام بالجلَد والتشدد والأنفة من الشكوى أو إظهار الألم أو الضعف، وحسن التوكل على الله والصفح عن المسيء، وكان الصفح أثقل ما أرضي عليه نفسي، فقد كان الانتقام — أو الانتصاف — في طباعي، ولكن أمي كانت تصدني عن ذلك، وتفيء بي إلى الحلم والصبر والتجاوز، وكان أخي الأكبر رحمه الله قد أفقرنا وضيَّع ما ترك لنا أبونا وجَدُّنا، ثم أهملنا ونسي أننا على قيد الحياة، فلولا أن رجلًا فيه ذمة وتقوى ردَّ لنا مالًا لأبي كان وديعة عنده، لما أمكن حتى أن أتعلم، ما زلت كلما ضاق صدري بالشر في الدنيا أذكر هذا الرجل الأمين فيردني ذكره إلى حسن الظن، وسجاحة الخلق، ويطيب لي أن أعرِّف الناس به وإن كان قد انتقل إلى رضوان ربه، فهو المرحوم الشيخ إبراهيم بصيلة من هيئة كبار العلماء، ووالد الشيخ أحمد بصيلة من رجال القضاء الشرعي الآن.

وكنت أؤدي نفقات التعليم في المدارس، ولم تكن جسيمة، ولكنها كانت — على قلتها وهوانها على سواي — عبئًا علينا في ذلك الوقت، فأقبل علينا ذات يوم واحد من أقرب أقربائنا وقال إنه اتفق مع ناظر المدرسة — وكان صديقًا لوالدي — على السعي لإعفائي من نفقات التعليم، إذا طلبنا ذلك، على أن ندفع له «قرشين»! فاستغربنا فقد كُنَّا نعرف أن الناظر نزيه عفيف، ولكن قريبنا لم يزل بنا حتى نزلنا على رأيه، وأنقدناه الرشوة المطلوبة! ولا أحتاج أن أقول إن هذا كله كان «نصبًا» من القريب الفاضل لم يستحِ منه حتى بعد أن افتضح، وقد شق عليَّ الأمر يومئذٍ، من وجهين: أنه رمى الناظر الطيب الكريم بما ليس فيه، وأنه سلبنا مالنا ونحن أحوج ما نكون إليه، ولكن أمي لم تزل تداورني حتى فاءت بي إلى سكينة النفس والإغضاء عمَّا كان، وقالت لي ما معناه: إنه ما ضاع من مالك ما علَّمك، وإنه أكرم لي أني لا أتعلم بالمجان، وإنه خير لي أن أتبين أن الناظر نزيه شريف، وإنها كانت حقيقة أن تكون نكبة لو تبيَّنَّا أن الناظر مرتشٍ سافل؛ فجملة الخير هنا أرجح من جملة الشر.

فاعتدت بعد ذلك هذه الموازنة بين الخير والشر في كل ما يعرض لي في حياتي والفضل لهذه الأم التي لا ينقضي عجبي لها كلما تذكرت سيرتها معي، وما أوتيت من حكمة الطبع وأصالة الرأي.

والشر الذي لقيته — على كثرته — شر ضئيل الشأن لا ينبغي أن يجاوز أثره يومه إلا إذا شاء المرء أن يهول به على نفسه؛ ولهذا تعودت أن أنساه أو أتناساه وأكبح لساني عن الدوران به، إلا أن يكون في ذكره خير، أو فائدة تُستفاد، أما الخير الذي كان من حظي أن أفوز به فكان — على قلته — أبلغ أثرًا في حياتي.

وقد ذكرت الشيخ بصيلة عليه رحمة الله، وأحب هنا أن أذكر شيخًا آخر لا أنسى مروءته التي يزيد فضله فيها أنه تطوَّع لها وتبرع بها على غير موجِب أو معرفة، وكنت يومئذٍ مدرسًا في المدرسة الخديوية الثانوية، فنقلتني الوزارة إلى دار العلوم مدرسًا للغة الإنجليزية مع ثلاثة آخرين من مدارس شتى، اثنان منهم إنجليزيان، فلما ذهبت إلى دار العلوم استقبلني الطلبة بحفاوة تعجبت لها، ثم علمت أن المرحوم الشيخ أحمد السكندري — وكان أستاذًا بها — ما كاد يعلم أني منقول إلى دار العلوم حتى راح يثني عليَّ، ويذكُرُني للطلبة بما لا أستحق، ويصفنى بما أستحيي أن أثبته هنا، ولم يكن لي في باب الأدب يومئذٍ سوى مقالات نشرت في مجلة «البيان»، وبضع قصائد وكلمات في «الجريدة» وغيرها من الصحف، فأكبرت الشيخ السكندري وطبت نفسًا بالعمل في مدرسة من أساتذتها مثل هذا الرجل العجيب المروءة.

واتفق يومًا أن جاءني أحد المدرسين الإنجليز — وكانت بيننا صداقة — وقال لي: «إني يئست!»

قلت: «لماذا؟»

قال: «كنت أعتقد أني رجل أحسن التدريس، ولكني فشلت. وأراني عاجزًا عن ضبط أمر الطلبة أو إفادتهم.»

وقال لي في شرح ذلك إن الطلبة ينتظرون منه أن يبين لهم ويفهمهم لماذا اختلفت صيغ بعض الأفعال في الماضي عن صيغها في المضارع على خلاف القاعدة، وضرب مثلًا بالفعل يجلس sit فإن صيغة الماضي هي sat والطلبة يريدون أن يعرفون لماذا تغير حرف العلة على هذا النحو، ولا سبب هناك، فإن الأمر كله سماعي.

فضحكت وقلت له: «لقد خيبت أملي فما أراك أفدت شيئًا من كل ما تعلمت من اللغة العربية ونحوها وصرفها إلخ.»

فاستغرب وسألني: «وما دخل اللغة العربية في هذا؟»

قلت: «يا مولانا ألم تتعلم أن قال أصلها قَوَلَ، وأن الواو فُتِحَ ما قبلها فصارت ألفًا؟»

قال: «نعم، ولكن هذا كلام حفظته على علاته.»

قلت: «إن الطالب الذي تعلَّم — وصدَّق — أن قال أصلها قول، مستعد أن يصدق أيضًا ويفهم عنك أن حرف العلة في الإنجليزية فتح ما قبله فصار ألفًا، وأن يقتنع بذلك أيضًا.»

قال: «هل تتكلم جادًّا؟»

قلت: «جادًّا أو هازلًا — سيان — إنما أبين لك كيف تستطيع أن تقنع الطلبة بالتسليم بالأمر وتريح نفسك من العناء الذي تشكوه.»

وقد كان، وفرح الرجل.

وجاءني الشيخ السكندري عليه رحمة الله ولامني في ذلك وعاتبني عليه أرق عتاب وأكرمه، فقصصت عليه الخبر، فابتسم وقال: «ولكن صاحبك زادها، وتوسَّع في هذه المقارنات إلى حد جعل اللغة العربية أضحوكة الأضاحيك.»

فوعدته أن أكبح من جماح صاحبنا الذي كان قد استحلى هذه المقارنات فلَجَّ في عَقدها، وخلا بي مرة أخرى فقال لي: «إني لا أرضى أن يقول عنك أحد إنك سيِّئ الأدب.»

فوجمت، ولكني كنت أعرف عطفه عليَّ وحبه لي، ولا أنسى مروءته معي، فسألته عن السبب فقال: إن الناظر — وكان مصريًّا — شكا إليه أني أحتقره، وسرد ما زعم الناظر أنها مظاهر احتقاري له، وكان هذا كله كذبًا، فرجوت منه أن يصحبني إلى الناظر لأعتذر له، فلما صرنا إليه وأخذنا في الكلام تبين الشيخ السكندري أن كل ما زعمه الناظر لم يكن سوى تَجَنٍّ واختراع، فما راعني إلا ثورة الشيخ السكندري على الناظر، وقوله له وهو يوبخه: «يا رجل ألا تتقي الله؟ تقول لي كلامًا يحملني على اتهام هذا الرجل الفاضل بقلة الأدب؟ كيف أريه وجهي بعد اليوم؟ كيف أكفر عن ذنبي إليه؟» إلخ.

فهونت عليه الأمر حتى هدأت ثورته، ولكنه ظل إلى آخر عهدي به لا يلقاني إلا اتقد وجهه المشرق الديباجة، كأنما كان قد أساء إليَّ، وهو صاحب فضل كثير عليَّ، علَّمَني وأنا صغير — في المدرسة الابتدائية — وأحسن إليَّ وأنا كبير إذ أنا معلم معه، وما ذُكِرْتُ قط على مَسمع منه إلا ذكرني بخير، ولا ظهر لي كتاب في حياته إلا بعث إليَّ بما يسرني ويشجعني.

وقد يكون الناس مفطورين على الشر، ولكنَّ فيهم أخيارًا إذا كانوا قلة فهم يرجحون عندي بكثرة الأشرار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.