ليس من الضروري أن تكون السياسة جِدًّا كلها، وليس من الضروري أن تكون السياسة هزلًا كلها، وإنما يمكن أن يكون فيها كثيرٌ من الجِدِّ، وقليلٌ من الهزل في بعض الأحيان، وأن يكون فيها كثيرٌ من الهزل، وقليل من الجِدِّ في بعضها الآخر.

وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فما زالت أمور السياسة إلى الآن تجري على أصولها القديمة، التي تقتضي أن تكون الدخائل والأسرار ذات الخطر وقفًا على أفراد قليلين يحتكرون درسها وتوجيهها والتصرف فيها، وأن تكون حول هذه الدخائل والأسرار أشياء كثيرة تظهر مهمة عظيمة الخطر، ويكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها الحوار والجدل بين ما نسميه الرأي العام العالمي أحيانًا، وما نسميه الرأي العام الوطني أحيانًا أخرى.

وليس من المحقق أن دخائل السياسة الوطنية في بلد من البلدان مهما يكن ديمقراطيًّا تباح للكثرة من المواطنين يتناقشون فيها كما يشاءون، فهناك دائمًا أمور قليلة أو كثيرة تستخفي عن الشعوب، وتُدرس في غرفات وحجرات مغلقة النوافذ والأبواب. والأمر يجري على هذا النحو في أمور السياسة الدولية على رغم ما حاولت أمريكا منذ الحرب الماضية من حمل الدول على أن تعدل عن سياسة التكتم والاستخفاء. ومن هنا يكون الجدُّ الخالص في هذه السياسة السرية حين تُدرس الأمور ذات الخطر، ويكون الجد الذي يمازجه المزاح في هذه السياسة العلنية التي تدور حول الدخائل والأسرار دون أن تتعمقها أو تصل إلى كنهها.

وقد اجتمع رؤساء الدول الثلاثة في القرم فقالوا فيما بينهم ما أرادوا أن يقولوا، وقرروا فيما بينهم ما أرادوا أن يقرروا، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يقدِّموا إلى الرأي العالمي العام ما يمكن أن يُقدَّم إليه من هذه القرارات، وما يمكن أن يشتد فيه الجدل ويكثر فيه الحوار. وقد اشتد الجدل وكثر الحوار حول القضاء في شئون بولندا وهي غائبة، وحول نظام التصويت في مؤتمر سان فرانسسكو، وحول رفض فرنسا أن تكون دولة داعية إلى هذا المؤتمر. وكان الرأي العالمي العام يعتقد أنه يجادل ويحاور في كل ما قرر الثلاثة في مؤتمر القرم.

وقد خطر لبعض المتحرجين أن تكون هناك قرارات سرية للمؤتمرين، فنفى هذا نفيًا قاطعًا، وأصبح من الأشياء المقررة أن المؤتمرين لم يذيعوا قراراتهم العسكرية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن تظل سرًّا مكتومًا، وألَّا تظهر إلَّا وقت تنفيذها. وأنهم أذاعوا قراراتهم السياسية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن يعرفها الناس ويدرسوها ويصلوا فيها إلى رأي. والظاهر أن مسألة الأصوات التي ينبغي أن تعطى لكل دولة من الدول الثلاث التي ائتمر رؤساؤها في القرم كانت من المسائل العسكرية التي يجب أن تظل مكتومة حتى يأتي الوقت الذي يبدأ فيه تنفيذها، وقد دنا وقت التنفيذ هذا حين أُلِّف الوفد الأمريكي وجعل يستعد ويدرس قبل أن يذهب إلى سان فرانسسكو.

وظهر فجأة أن روسيا تطالب بأن يكون لها صوت مثلث، أو بأن يكون لها ثلاثة أصوات إذا لم يعجبك الصوت المثلث. وهنا ثارت ثائرة الوفد الأمريكي، وأنكر فريق من أعضائه هذا الامتياز، وتساءل المتسائلون منهم: وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون لها صوت مثلث كصوت روسيا، أو ثلاثة أصوات كهذه الأصوات الروسية الثلاثة، وأخذت الدعاية الفرنسية تظهر رأسها، وتبسم عن ثغرها، وتكشر أحيانًا عن أنيابها الدقاق الحداد وتتساءل: لم لا يكون للولايات المتحدة عدد من الأصوات ينيف عن الأربعين صوتًا — لكل ولاية من هذه الولايات التي تنيف عن الأربعين.

وكاد الأمر يصبح كله هزلًا، ثم كاد الأمر يصبح كله جدًّا حين ذكر أن من الممكن تأجيل المؤتمر، ثم تحرج الأمر وبلغ من الجد طورًا خطيرًا حين قيل: إن هناك اتفاقات سرية عقدت في القرم ولم تذع في الناس، وحين ألح الأمريكيون في المطالبة بإعلان هذه الاتفاقات السرية. ثم تَكَشَّف الأمر عن بعض حقائقه حين أعلنت روسيا أنه قد كان هناك اتفاق سرِّي على عدد الأصوات التي تكون للروسيين، والتي تكون للأمريكيين، فقد طلبت روسيا أن تُمثَّل معها أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأن يكون لكل واحدة منهما صوت. فإذا انضم هذان الصوتان إلى الصوت الروسي تمت الأصوات الثلاثة التي تطالب بها روسيا، وقد قبل المستر روزفلت هذا الطلب، وأراد ألَّا تكون الأصوات الأمريكية أقل من الأصوات الروسية، فلم ير الماريشال ستالين بهذا بأسًا. وسُئِل المستر تشرشل عن رأيه في ذلك، فأجاب مبتسمًا ببعض شفتيه — لأن بعضها الآخر كان مكظومًا على سيجارة — أجاب مبتسمًا بأنه لا يرى بذلك بأسًا.

وكذلك اتفق المؤتمرون على أن تكون لروسيا أصوات ثلاثة، وللولايات المتحدة الأمريكية أصوات ثلاثة، ولبريطانيا العظمى صوت واحد من حوله أصوات الإمبراطورية، وهي إذا انضمت إلى الصوت البريطاني بلغت ستة، ولكن الأمريكيين لم يسمعوا بهذه الأذن كما يقول المثل الفرنسي، فقد أصرَّ وفدهم على أن يكون لروسيا صوت واحد، ولأمريكا صوت واحد، ووصل الأمر إلى هذا المزاج المعتدل من الجدِّ والمزاح.

فرئيس الولايات المتحدة في موقف حرج كما تقول الأنباء اليوم؛ لأنه قد وعد في القرم، وقومه يأبون أن ينفذوا وعده في واشنجطون، فإن مضى في تنفيذ وعده أغضب الأمريكيين، وإن عدل عن تنفيذ وعده أغضب الروسيين. والسياسة الروسية في موقف حرج؛ لأنها إن أصرت على صوتها المثلث خذلها الأمريكيون، وإن نزلت عن صوتها المثلث خذلت نفسها وأغضبت الروسيين. والسياسة الإنجليزية تنظر إلى هذا الحرج المزدوج مبتسمة، وتريد أن تلتمس منه مخرجًا، وهي بالغةً من ذلك ما تريد بإذن الله.

والشيءُ الواضح من هذا كله أن الجو الذي يحيط بالمؤتمر لا يمتاز بالصحو والصراحة والصفاء، وإنما هو كجو الدنيا يصحو مرة، ويجري فيه الغيم الرقيق مرة، ويتكاثف فيه السحاب الثقيل المظلم مرة أخرى. وكان المستر سمنر ويلز يقول في حديث له أمس، أو أول أمس: إن الإنسانية واصلة من غير شك إلى تنظيم السلم وحمايتها ما دام للناس حظٌّ من ذكاء؛ لأن هذا الذكاء سيبدد بنوره المُشرِق ما يعترضه من الظلمات الحالكة. ومن المؤكد أن الذكاء نور، وأنه قد ينفذ من الظلمات المتكاثفة، ولكن من المؤكد أيضًا أن الذكاء وحده لن يستطيع تنظيم السلم ولا حمايتها، وإنما هو محتاج إلى أن يجد لنفسه عونًا من استقامة الخلق، واعتدال المزاج، وصفاء الطبع، والإيمان بأن العدل أحق بالرعاية من المنفعة والأثرة. فإذا اجتمعت هذه الخصال كلها إلى الذكاء أمكن تنظيم السلم وحمايتها، وإلَّا فستنشأ عصبة كعصبة الأمم — التي أُنشئت في أعقاب الحرب الماضية — تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وتنجح مرَّة وتخفق مرَّات.

على أن الأمر لم يقف عند هذا الاختلاف حول ما يكون للدول الثلاث الكبرى من الأصوات، وإنما تجاوزه إلى اختلاف آخر حول هذه المأساة التي ما زالت تمعن في الأسى حتى أضحكت، وشر المصائب ما يضحك، ونريد بها المأساة البولندية؛ فقد أُعلنت الحرب من أجل بولندا، وفقدت بولندا ثلث سكانها، ودُمِّرت مدنها ومرافقها أشنع التدمير وأبشعه. وكانت من أجل ذلك خليقة أن تكون قطب الرحى في مؤتمر سان فرانسسكو، كما يقول القدماء، أو عضو الشرف كما يقول المحدثون، ولكنها لم تُدْع إلى المؤتمر على حين دُعيت إليه دول لم تشارك في الحرب من قريب أو من بعيد، ودول أعلنت الحرب أمس وأول أمس.

ومصدر ذلك أن الداعين إلى المؤتمر لا يعرفون إلى أي البولنديين يوجهون الدعوة؛ فلبولندا حكومة مقيمة في لندرة يعترف بها الإنجليز والأمريكيون، وينكرها الروسيون، ولبولندا حكومة أخرى في لوبلين — أو في فارسوفيا لا أدري — يعترف بها الروسيون، وينكرها الأمريكيون والبريطانيون.

وإذن فظاهر الأمر أن الدعوة لا يمكن أن توجه إلى حكومة من هاتين الحكومتين، وقد قرر المؤتمرون في القرم أن يُنشئوا لبولندا حكومة وطنية مؤقتة، ولكنهم لم يوفقوا إلى الآن. وإذن فقد طلبت روسيا دعوة الحكومة القائمة في الأرض البولندية، فرفضت بريطانيا وأمريكا، ووقف الأمر عند هذا الحد فيما يظهر، وظلت المناقشة متصلة بين الصحف الروسية والصحف الأمريكية في أمر هذه الحكومة القائمة في بولندا. هل أراد المؤتمرون في القرم تغييرها؟ وإذن فلا يصح أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، أم هل أراد المؤتمرون في القرم تكميلها؟ وإذن فيمكن أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، وكذلك يتبين أن إخواننا الأزهريين ليسوا هم وحدهم الذين تفوقوا في الجدل، وبرعوا في المناقشة والخصام، وإنما يشاركهم في ذلك الروس والأمريكان.

وليس هذا كل ما يختلف فيه سادة العالم قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسسكو، فهل تدرس أمور المستعمرات وشئون البلاد التي خضعت للانتداب، ويوضع لها نظام الوصاية الدولية في مؤتمر سان فرانسسكو؟ يقول الأمريكيون: نعم، ويقول البريطانيون: لا، وينظر الروسيون إلى أولئك وهؤلاء باسمين.

ويقول الفرنسيون بعد هذا كله: أليس من الخير أن يجتمع رؤساء الدول الكبرى ليتفقوا فيما بينهم قبل أن ينعقد المؤتمر ويصل إليه ممثلو هذه الدول الكبرى مختلفين غير مؤتلفين؟ ورؤساء الدول الكبرى عند الفرنسيين ليسوا ثلاثة كما كانوا في القرم، وليسوا أربعة بعد أن انضمت الصين إلى الدول الداعية إلى سان فرانسسكو، ولكنهم خمسة؛ فقد يجب أن يصلح الخطأ الذي وقع حين لم تُدْع فرنسا إلى القرم، وبذلك تسترد فرنسا حقَّها، وتصل مع الواصلين إلى سان فرانسسكو، وقد صُحِّح موقفها وأصبح ناصعًا لا غبار عليه.

أترى إلى أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الحديث: إن السياسة ليست جِدًّا كلها، ولا هزلًا كلها، وربما كان مما يدل على اطِّراد هذا الحكم وصدقه أن تنظر في بعض ما يحدث في الشرق من الأحداث السياسية الكبرى في هذه الأيام؛ فقد أنشئت الجامعة العربية وهذا جد كل الجد، وقد صرح رؤساء الوزارات الذين أمضوا ميثاق هذه الجامعة بأن إنشاءها خطوة متواضعة، ولكن لها ما بعدها، وهذا أيضًا جد كل الجد، ولكن: ما بعدها؟ هذا هو الشيء الذي كنَّا نحب أن يكون واضحًا مفهومًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فنحن نعيش في أيام يقال: إن مصائر الأمم تقرر فيها، والأمم العربية من هذه الأمم التي تقرر مصائرها، فهل وقفت الجامعة الناشئة من مصائر هذه الأمم العربية موقفًا واضحًا بريئًا من اللبس والغموض؟

ولنتفق أولًا على هذه الأمم العربية: ما هي؟ وما مستقرها؟ ونظن أن الجغرافيا تجيبنا في صراحة بأن الأمم التي اشتركت في الجامعة ليست وحدها عربية؛ فهناك أفريقيا، وهناك أقطار عربية في جنوب بلاد العرب، وأولئك وهؤلاء لم يُمثَّلوا في الجامعة؛ لأنهم لا يستمتعون بمثل ما يستمتع به أعضاء الجامعة من الاستقلال. فما موقف الجامعة من هذه الأمم العربية؟! هو موقف العطف من غير شك، ولكن العطف لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو لا يردُّ حقًّا، ولا يُنقذ من بؤس. وقد قررت الجامعة أن فلسطين مستقلة شرعًا، ولكنها لم تقرر شيئًا بشأن هذه الأمم الأخرى: أمستقلة هي شرعًا أم غير مستقلة؟ فهل من الحق أن فلسطين مستقلة شرعًا، وأن تونس ومراكش غير مستقلتين؟! أم هل من الحق أن لتونس ومراكش وجودًا مستقلًّا أقوى من الوجود المستقل لفلسطين؛ لأنه فعلي؟ فهذان البلدان مستقلان يربطهما بفرنسا معاهدة الحماية، وهما يزهدان في هذه المعاهدات؟

ونحن لا نشك في استقلال فلسطين، بل نحن نعتقد أن الجامعة لم تعالج أمر فلسطين بما يستحق من الحزم والعزم والصراحة، وبما يلائم ما تضطرب به النفوس العربية في جميع الأقطار، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ أن أمام هذه الجامعة طريقين: إن سلكت إحداهما سارت في الطريق التي يمتزج فيها الجد والهزل، وإن سلكت إحداهما الأخرى سارت في الطريق التي يخلص فيها الجد من كل شائبة، والتي تلائم ميول العرب وطموحاتهم، وتلائم الحق والعدل معًا. فأمَّا الطريق الأولى، فهي طريق الأثرة التي تدعو إلى التردد والغلو في الحذر، والحرص على تحقيق المنافع الخاصة العاجلة، والتي إن جاز للدول الكبرى أن تسلكها فإن سلوكها خطر كل الخطر على الدول الناشئة، وأمَّا الطريق الثانية فهي طريق الحزم والعزم والصراحة، وهي الطريق التي تقتضي المطالبة بالحق كاملًا، والامتناع على الظلم مهما يكن مصدره. وأعلام هذه الطريق واضحة، ومناهجها بينة، وهي تقتضي أن تجد الجامعة في حل مسألة فلسطين حلًّا يقوم على الإنصاف، لا على التأجيل ولا على المراوغة.

وتقتضي أن تجد الجامعة في تمكين أفريقيا الشمالية من أن تشترك فيها، وتستمتع بحقِّها من الاستقلال، وتنظم أمرها مع أوروبا كما ننظم نحن أمرنا مع أوروبا، فإن لم تفعل الجامعة ذلك؛ فهي ليست مستمسكة بالجد، وأكبر الظن أنها فاعلة حين تعقد مؤتمرها الأول فتخطو إلى هذه الأهداف خطواتها الأولى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.