وإذن، فماذا أصاب الأمن أمس؟ وماذا أصاب النظام؟ ولأي خطر تعرض سلم المصريين والأجانب حين كفت الوزارة شرطتها وجندها عن الشعب، فأظهر الشعب رأيه حرًّا، وأدى الشعب واجبه كريمًا، واستمتع الشعب بحقه، لا معتديًا ولا متجنيًا، ولا محاولًا التجني أو الاعتداء؟ لقد كان الشعب أمس سيدًا في إقليم القليوبية، سيدًا كامل السيادة، لم يبسط عليه السلطان ظلمًا ولا بطشًا، ولم يعرض له السلطان بممانعة ولا مصادرة؛ فأظهرت نفس الشعب مكنونها، وانجلت نفس الشعب عن حقيقتها، وظهر ضمير الشعب صفوًا كله، ونقاءً كله، وطهرًا كله، لا إثم فيه ولا ميل إلى الإثم، لا عدوان فيه، ولا جنوح إلى العدوان، لا تمرد فيه ولا طموح إلى التمرد. إنما هو الإيمان الصادق بالحق، واليقين الصادق بالواجب، والحرص الصادق على الكرامة، والوفاء الصادق للأوفياء. خصال كلها شرف ونبل، خصال كلها أمن وسلم، خصال كلها بر وخير. ففيمَ تحارب الوزارة هذه الخصال؟! وفيمَ تقاوم الوزارة هذه الخلال؟! وفيمَ تريد الوزارة أنْ تمنع هذا النور من أنْ يسطع، وأنْ تكفَّ هذا الجلال عن أنْ يظهر، وأنْ تصدَّ سيادة الشعب عن أنْ تبسط سلطانها على نفوس الشعب، وتظلَّ بجناحها الرحيم الأمين أرض الوطن؟!

وإذن، فما نفع الوزارة وما فائدتها في أنْ تحارب هذه الأخلاق الكريمة، وهذا الشعور النقي، وهذه الحرية الوضاءة الآمنة؟! وفي أنْ تكره هذا الشعب على أنْ يكون ذليلًا وهو لم يخلق للذلة، وعلى أنْ يكون عبدًا وهو لم يخلق إلَّا ليكون حرًّا مستقلًّا أبيًّا كريمًا؟!

نعم، وإذن نقولها مرة ومرة، ونعيدها اليوم وغدًا وبعد غد، وقد قلناها أمس وقلناها قبل أمس، سؤال نلقيه على أنفسنا، ونلقيه على الناس، ونلقيه على الطبيعة لو تجيب الطبيعة: فيمَ مقاومة الشعب، والشعب لا يرضى أنْ يذل؟ وفيمَ مصادرة الشعب، والشعب لا يبتغي إلَّا الخير؟ وفيمَ محاربة الشعب، والشعب لا يريد بأحد شرًّا، ولا يرضى أنْ يريد به أحد شرًّا؟

نعم، وإذن كلمة نقولها للقيسي باشا اليوم، وقد قلناها له أمس، وقلناها له ولغيره قبل أمس، فلم نظفر لها بجواب. وإنما هو الصمت الذي يحرج أصحابه، ويقيم عليهم الحجة، ويثبت عليهم الإسراف فيما يقولون إنْ قالوا، وفيما يعملون إنْ عملوا. ويثبت عليهم العجز والانقطاع حين لا يقولون ولا يعملون.

هذه عشرات الألوف قد اجتمعت أمس في مدينة بنها تشيع رجلًا كريمًا، مات وهو يؤدي واجبًا كريمًا، اجتمعت صادقة العزم خالصة النية، قادرة للواجب، مؤمنة بالحق، مقدسة للوطن، واثقة بالزعماء، فماذا أصاب مصر من اجتماعها؟ وماذا أصاب الأمن من احتشادها؟ وماذا مس النظام من التفافها حول زعمائها الأوفياء؟

أسئلة نلقيها اليوم كما ألقيناها في كل فرصة، وستمر بآذان الوزراء اليوم كما مرت بآذانهم من قبل، فلا تدخلها ولا تصل إلى قلوبهم؛ لأن الوزراء لا يريدون أنْ يسمعوا لها، أو لا يستطيعون أنْ يسمعوا لها. هم في شغل بالحكم والسلطان، وباستبقاء الحكم والسلطان في أيديهم، فهم لا يريدون — أو لا يستطيعون — أنْ يسمعوا لكلمة الحق، وهم لا يريدون — أو لا يستطيعون — أنْ ينظروا إلى نور الحق. ولو قد أرادوا — أو استطاعوا — أنْ يسمعوا، ولو قد أرادوا — أو استطاعوا — أنْ يروا؛ لما ثبتت أقدامهم حيث تثبت، ولما استقرت أجسامهم حيث تستقر الآن من كراسي الحكم، ولآثروا راضين أو كارهين أنْ يعودوا إلى دورهم، فيستمتعوا فيها بما ينبغي لمثلهم أنْ يستمتع به، من الراحة والهدوء والعناية بالحياة الخاصة، والانصراف عن الحياة العامة، والإعراض عن تصريف الأمور؛ لأنهم لم يهيئوا لتصريف الأمور، إنما يصرف أمور الشعب من يحبه الشعب، إنما يدير منافع الشعب من يثق به الشعب، إنما يؤتمن على حقوق الشعب من لا يضيع حقوق الشعب، ولا يصادر حريته، ولا يحاول إكراهه على الذلة، ولا إخضاعه للبطش، إنما يقوم على حكم الشعب من إذا قال سمع له الشعب في غير خوف، ومن إذا عمل اقتدى به الشعب في غير إكراه، ومن إذا أقبل احتشد له الشعب في غير دعاء، ومن إذا انصرف شيعه الشعب، في غير طاعة للعصا، ولا خوفٍ من السوط. نعم، وإذن فما حجة الوزارة فيما تصب على الناس من العذاب، حين يريدون أنْ يستقبلوا رئيس الوفد أو يودعوه؟ وما حجة الوزارة فيما تهدر من حقوق الناس وحرياتهم وكراماتهم، حين يريدون أنْ يظهروا لرئيس الوفد أنهم يوفون بالعهد، ولا يحنثون في الإيمان، ولا يفرطون في الحق، ولا يقصرون في أداء الواجب، ولا يبيعون الوطن بثمن قليل؟ ها هم أولاء قد استقبلوا رئيس الوفد أمسَ عشرات من الألوف، فقالوا ما كانوا يريدون أنْ يقولوا، وأدَّوا ما كان يريدون أنْ يؤدُّوا، وانصرفوا موفورين لم يسفكوا دمًا، ولم يقترفوا إثمًا، ولم يعرضوا أمنًا لخطر، ولم يمسوا نظامًا بفساد. وإذن، فهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أنْ ينكروا أنهم يعبثون أشنع العبث في هذا التمثيل الذي يأتونه ويسخرون له الشرطة والجند، ويحرجون به الصدور ويخالفون به القانون والدستور، كلما ذهب رئيس الوفد أو جاء؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أنْ ينكروا أنَّ العبث لا يلائم الحكمة، ولا يليق بالحكماء، ولا بالذين يحسنون التفكير؟ وأنَّ المضي في العبث لا يدل على استقامة المنطق، ولا على صواب الرأي، ولا على تحري المنفعة، وإنما يدل على أشياءَ نحب أنْ يرفع الوزراء أنفسهم عنها؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أنْ ينكروا أنَّ ما حدث أمس يقيم الأدلة الناصعة للذكي والغبي معًا، على أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبطشون في غير مُقتضٍ للبطش، ويحتاطون في غير مُوجب للاحتياط، وعلى أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبقون في الحكم، والشعب لا يحب لهم، ولا يحب منهم أنْ يبقَوْا في الحكم؟ وما الذي منع الوزارة أمس من أنْ تعرض لهذا الشعب الضخم بالأذى، ومن أنْ تصده عن الاجتماع وترده عن الاحتشاد؟ أهو الخوف أم هي الحكمة؟ فإن يكن الخوف، فما لها خافت أمس، وما لها لا تخاف كلما همَّ الشعب أنْ يجتمع أو يحتشد؟ وإنْ تكن الحكمة، فما لها اصطنعت الحكمة أمس، وما لها لا تصطنع الحكمة كلما همَّ الشعب أنْ يجتمع أو يحتشد؟ أم هو اضطراب الرأي واختلاط الأمر، والعجز عن التدبير، والقصور عن استكشاف السيرة التي تلائم المنطق والمنفعة واستقامة التفكير؟

إنَّ الدرس الذي ألقته الوزارة أول أمس على الناس كان مثيرًا للحزن والأسى ومحرجًا للصدور والنفوس. وإنَّ الدرس الذي ألقته الأمة أمس كان مثيرًا للرضا معزيًا عما أصاب الصدور والنفوس من حرج، مثبتًا لمن يريد أنْ يفهم أنَّ مصر بعيدة كل البعد عما يظن بها من اليأس، وعما يراد بها من الذل، وعما ينتظر لها من الضعف والاستسلام.

فهل يستطيع الإنجليز أنْ يفهموا هذين الدرسين، وأنْ يوازنوا بين نتيجتيهما، وأنْ يجنوا لأنفسهم من هذه الموازنة ومن ذلك الفهم ما ينبغي أنْ يجنوه من الثمرات؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.