أيها الأديب، لا تتعلم!

هذه — على ما يظهر — هي المفارقة العصرية في بلدنا الذي اشتهر قديمًا بأنه بلد المفارقات …

ولم تنقطع هذه المفارقات منذ أكثر من خمسة وعشرين قرنًا، أو منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وهو القرن الذي كتب فيه هيرودوت تاريخه ليقول عن هذا البلد إنه بلد المفارقات أو بلد النقائض والأعاجيب.

وهذه المفارقة العصرية — مفارقة الأدب بغير تعليم — هي مفارقة بلدنا على قول القائلين بالتجديد والاستعداد للأدب بغير عدة غير بركة العجز … وفيها الكفاية.

وموضع المفارقة في هذه الدعوة أنها تصدر من أناس ينتسبون إلى الجامعات ويلقون الدروس على طلابها، ويعملونهم أن الكتابة لا تحتاج إلى لغة، وأن الشعر لا يحتاج إلى وزن، وأن القاعدة الذهبية في الدراسات الأدبية هي إهمال كل قاعدة ذهبية، بل كل قاعدة فضية أو نحاسية، أو قصديرية، أو طينية إذا وصل الأمر إلى الطين، وقد وصل إلى ما دون الطين بحمد الله رب العالمين!

فالمعهود في الدعوات الجامعية أنها هي دعوات «التعبئة العلمية» بمختلف الشروط والقواعد والأصول، وبكل ضرب من ضروب الاستعداد والتحضير والاستيعاب.

أما بلدنا فهو، والحمد لله عند شهرته القديمة بالمفارقات والنقائض والأعاجيب، يعطينا — ولا يبالي — علامة أو علامتين أو ثلاث علامات أو علامين، يقلبونها رأسًا على عقب ولا يزالون يصيحون ثم يعيدون الصياح ثم يكررون الإعادة، قائلين مرددين مجددين، ومهددين ومرغين ومزبدين:

ما لك ولقواعد اللغة أيها الكاتب؟ أليست أمامك اللغة العامية؟

وما لك ولقواعد العروض والبلاغة أيها الشاعر؟ أليس أمامك الشعر بلا قافية، ولو بالعافية؟

وما لك وما للدراسة الثقافية أيها الأديب؟ أليست أمامك «الحدوتة» تسميها قصة فنية، أو تسميها بما تشاء من أسماء الفنون الخنفشارية؟

ومن المألوف في كل دعوة جامعية — ولو من قبيل هذه الدعوة الخنفشارية — أنها تتحلى بشيء من وقار الحذلقة يخيف السامع من بعيد، ثم يرتفع عنه الخوف قليلًا قليلًا كلما اقترب من بيت القصيد.

لكن هذه المفارقة العصرية لا تعتصم في دعواها بشيء غير بركة العجز الصريح، أو بركة «العبط» الذي رفع الكلفة واستغنى عن التلميح!

فلماذا نهمل الكتابة الفصيحة في القصة الفنية أو في الرواية المسرحية؟

إن السبب الذي تسمعه من العلَّامة الفهَّامة آخر ما يصدر عن علم وفهم في هذا الموضوع!

إنهم يقولون لك إن اللهجة العامية هي لهجة الكلام الطبيعية، فمن الواجب إذن أن تكون هي لغة الفن ولغة المسرح ولغة البيان!

ما هذا «العبط» يا أستاذ!

ومتى كان العمل الفني هو نقل الطبيعة كما تنقلها الآلة؟ متى كانت الصورة الشمسية هي المثل الأعلى للتصوير أو للنحت في فنونكم التي تسمونها بالتشكيلية؟

إن الفن — بغير عبط — هو التعبير عن الطبيعة، وليس هو نقل الطبيعة، فلو لم يكن للفنان عمل في التعبير عن شكله لما استحق أن يوجد ولا أن يوجد معه فنه، لأن الطبيعة تغنينا عنه وعن صورته في كل مخلوق نراه.

وأنت تلغو باسم شكسبير وخلفاء شكسبير وأسلاف شكسبير، من الزمن الأول إلى الزمن الأخير.

فإذا كان في روايات شكسبير ألف متكلم ومتكلمة فمن منهم كان ينطق بتلك الألفاظ التي وضعها شكسبير على لسانه؟ بل كم من هؤلاء الألف كان يعرف من اللغة الإنجليزية كلمة واحدة يفهمها شكسبير؟

كليوباترة المصرية؟ جولييت الإيطالية؟ هملت الدنمركي؟ يوليوس قيصر اللاتيني؟ تيموف الأثيني؟ عفاريت الغاب؟ كليبان الجزيرة المسحورة؟ خلائق الجن وأشباح الهاوية؟

ليس من هؤلاء مخلوق واحد نطق بكلمة إنجليزية في حياته، ولكنهم نطقوا بها في روايات شكسبير، ونطقوا بكلماتنا العربية الفصحي بما نقلناه من تلك الروايات، ولو رددناها إلى «الأصل» الذي يخيل إليك أنها كانت أليق به لنقصت فنًّا وأدبًا وشعرًا ومسرحًا، ولم تزد شيئًا يحرص عليه القارئ أو المستمع أو الناقد أو الملحقون بالمسرح من أسفله إلى أعلاه!

ومن آيات العبط البالغ أن هؤلاء الذين يسومون الفن أن ينقل «العطسة» بلغتها العامية حرصًا على مشابهة الطبيعة؛ هم بأعينهم الذين يهللون للمصور «الخنفشاري» حين ينقل لك وجهًا آدميًّا فلا تدري هل هو كرنبة أو إنسان، وهل وجهه فيه أنف واحد أو أنفان؟ أو ينقل لك شكلًا من الأشكال فإذا هو خليط من جميع الأشكال، لا مثال له في الواقع ولا في الخيال!

والفن الذي لا يسمح لك أن تقول «نعم» بدل «أيوه» هو الفن الذي ينخلع له وسط العلَّامة «الخنفشاري» رقصًا وطربًا حين ينظر إلى صورته «السريالية» فلا يعرفها برأس ولا ذنب، ولا يشترط لها شبهًا من الأشباه ولا حكاية صادقة أو غير صادقة لمثال أو غير مثال، في واقع ولا في خيال!

ولا يجوز في العقل أن يجمع أحد بين الدعوتين في فهم وصدق وإيمان بصحة القول الذي يدعو إليه باسم الفن أو باسم الطبيعة، لأنهما نقيضان يقوم كل منهما على بطلان الآخر كل البطلان.

فهو لا يستطيع أن يقول للمؤلف المسرحي: استمع يا صاح إلى الحوار الطبيعي في عرض الطريق وإياك أن تجترئ عليه بشيء من التعديل والتبديل: إذا سمعت متكلمًا يقول «بلاش» فإياك أن تجعلها «بلا شيء»، بل هي الباء المفتوحة أمام الباء المفتوحة، واللام أمام اللام، والألف أمام الألف والشين ساكنة أمام الشين ساكنة، بلا فتحة عليها ولا همزة بعدها، ولا تحريف ولا تبديل لأنه لا تبديل في محكم التنزيل!

ومن استطاع أن يقول ذلك فما هو بمستطيع أن يعود إلى الفنان المصور ليقول له باسم هذا التنزيل: انظر يا صاح إلى وجه ذلك الآدمي في الطبيعة واحذر كل الحذر أن تجعله آدميًّا، وأن تجعله طبيعيًّا، وأن تنظر فيه إلى شبه من اللون أو شبه من الرسم أو شبه من الملامح أو شبه من كائن واحد بين كائنات الطبيعة تبصره العينان ويدل عليه اسم فلان بن فلان.

إياك ثم إياك، فإن الفن هكذا وإن الطبيعة ليست هكذا، وإن هكذا ليست هكذا ولا هكذا، ولكنها لا فهم ولا معنى ولا شبه ولا دلالة، وافهم كما تريد، أو أرد كما تفهم، بلا كلام!

فمن قال إن تحريف «حرف» في الكلمة العامية كفر بالطبيعة والفن، لا يستطيع أن يقول إن مسخ الطبيعة بكل ما اشتملت عليه هو الفن الطبيعي الصادق، أو هو الطبع الفني الأصيل.

لكن الدعوتين المتناقضتين تجتمعان معًا، وتجتمع معهما ألف دعوة مناقضة لكل ما في العالم بأسره إذا تم الاتفاق على «المبدأ» الأول من مبادئ هذا التجديد الموفق السعيد: وهو التجديد بلا قواعد ولا مقاييس ولا دليل على صحة هذا وبطلان ذاك من صورة أو تمثال أو قصيدة أو مقال: صور وأقوال بلا أسماء ولا أوزان ولا أقيسة ولا مراجع للاستحسان والانتقاد غير فهاهة «العبط» وبركة العجز بحمد الله الذي يحمد على المكروه، ولا إكراه.

وبهذا نعود إلى الأديب لنقول له: أيها الأديب لا تتعلم ولا تتفهم ولا تبالِ كيف تكتب لأنك ستكتب على كل حال كما سيتكلم الناس على كل حال.

وبهذه «الرخصة» المباحة لكل مستبيح يصح أن يقول العلَّامة «الجامعي» إن قواعد اللغة فضول، وإن قواعد الشعر لغو مرذول، وإن الأدب كلام أي كلام؟ وإن الأدباء أعلام وأي أعلام؟ مقدار ما يجهلون هو مقدار ما يرشحهم للفهم والإفهام، ومقدار ما يحفظ لنا المفارقات والنقائض والأعاجيب، من عهد أبي التاريخ إلى مسيرة ألف عام، بعد هذه الأيام.

***

… الفرق شاسع بين المجنون والعبقري، فالأول — وهو المجنون — لا يكاد العالم يشعر بوجوده، ولعله هو لا يشعر بوجود نفسه، ونقول عنه إنه شاذ … والعبقري يقال عنه أيضًا إنه «شاذ» لمخالفته سائر الناس، وهو ذو فضل على الناس بما يجنيه المجتمع من ثمرات بحوثه واختراعاته ومجهوداته، فهل من الإنصاف والوفاء أن نطلق عليه وصف الشذوذ ونسوِّي بهذه الصفة بينه وبين المجانين؟ ألا يوجد فرق بين المجنون والعبقري؟ أرجو توضيح ذلك — إن سمحتم — بيوميات الأخبار.

إبراهيم محمود رضوان، طلخا – شارع المنشية

إن الذنب على الترجمة في مقابلة الكلمة الأجنبية بالشذوذ وهي في لغتها موضوعة للدلالة على معنى الاستثناء ومخالفة العادة الشائعة فيما يستحسن وفيما يستهجن على السواء، وهي كلمة Exception.

فالعبقري مخالف للمألوف، والمجنون مخالف للمألوف، ولكنها مخالفة إلى الزيادة من جهة وإلى النقص من الجهة الأخرى، وبينهما فرق لا يلتبس في مظهره ولا في نتيجته: وهو الفرق بين الإنتاج والعقم، أو بين التفوق على المستوى والهبوط دونه درجات، قد ترتفع إلى الذروة العليا وقد تنحدر إلى الوحدة السفلى، من العقم أو من نتاج الشر والإيذاء.

ويظهر أن الكلمات التي تفيد الخروج على «المستوى» العام عرضة لهذا الخلط بين الطرفين في كل اصطلاح تتداوله الألسنة ويطول به الاستعمال، فإن كلمة «النبوغ» في اللغة العربية تفيد معنى البروز والتميز من خط الاستواء بين الناس، فما زالت على الألسنة حتى دلت على «النابغة» وهو المتفوق العقلي، كما دلت على المرأة الناشزة المنبوذة من البيئة الشريفة … وكذلك كلمة الناشزة من النشز وهو المحل المرتفع والنشز وهو التمرد والخروج على العرف المحمود.

وقد يقال عن العبقري إنه خارق للعادة فلا يسلم بعد حين من معنى مكروه من معاني الاختراق والمخرقة والخرق وهو الحماقة والطيش، فلا حيلة إذن غير التفرقة المعنوية بين دلالات الألفاظ، كما نفرق اليوم بين الشيء «المحرم» من التحريم وبين الشيء «المحرم» من الحرمة والصيانة، وليست هي أول ضحية من ضحايا العبقرية، ولا أول مصيبة من مصائب الجنون.

***

… نغمة جديدة من العقاد في دفاعه الأخير عن قاسم أمين: فهل هو رأي جديد في المرأة غير الذي عرفناه من مؤلف كتاب المرأة في القرآن الكريم …

فتحية أحمد عبادة

بين أقدم كلام كتبته عن قاسم أمين وأحدث كلام كتبته عنه خمسون سنة، لا اختلاف بينهما في الثناء والتقدير، بل لعل الكلام الأول أبلغ في الحماسة العاطفية والفكرية من الكلام الأخير.

كان كتاب «خلاصة اليومية» أول كتاب طبعته قبل خمسين سنة، وفيه أقول:

تحرير المرأة ليس من الأعمال الطنانة التي أكثر ما فيها دوي ورنين، ولكنه عمل هادئ رصين ينزوي في البيوت والخدور، لا يبرز إلا قليلًا على قوارع الطرقات، ولا يصرخ إلا نادرًا على منابر المنتديات.

فالمرأة المصرية مدينة لقاسم لأنها كانت سجينة فأطلقها وكانت أمةً فأعتقها، والأمَّة المصرية مدينة لقاسم لأنها كانت شلاء فأبرأها من ذلك الشلل الذي أمسك شقها عن الحركة دهورًا وأعوامًا، والإنسانية مدينة لقاسم لأنه أنقذها من رق لا تجرؤ مصلحة الرقيق على مطاردته، والفخر في تحرير المرأة لا يزال الآن وبعد الآن من نصيب قاسم … أما من قفوه في هذا المقصد فإنما درجوا على طريق بينة الآثار …

ولا يرتفع الجديد من كلامي عن صاحب تحرير المرأة إلى مقام أرفع من هذا المقام في عرفان الفضل والإنصاف من أراجيف الجهلاء وأتباع التقليد والجمود.

وأحسب أن السيدة فتحية قد فهمت على السماع أن تحرير المرأة مذهب لا أرضاه ولا أقول به من قديم، فإن كان هذا ما فهمَتْه فهو خلاف الواقع الذي كتبتُه مرارًا عن المرأة عامة وعن نسائنا المشهورات، إذ ليس تحرير المرأة ما أعارضه وأناقش الداعين إليه، وإنما أعارض اللغط الذي يخالف العلم والواقع والتاريخ؛ لأن اللاغطين به يزعمون أن المرأة والرجل جنس واحد سواء في وظائف الجسم والعقل وفي واجبات الحياة وحقوقها، ولا يذهب إلى هذا صاحب مذهب يتأمل لحظة في معنى ما يذهب إليه.

***

السيد محمود إسماعيل سيد الصفتي بالعياط يسأل: هل الجاحظ خليق أن نعده من الكتاب الإنسيين Humanists إذا بحثنا عن مثيل أو قرين له بين كتاب العرب؟ وهل ندعم مجده إذا أطلقنا عليه هذه الماهية؟

ونحن نبدي «أولًا» اعتراضنا على ترجمة كلمة «الهيومانزم» بالإنسية، لأن المفهوم من كلمة الإنسية أنها قد تقابل الجنية أو الملائكية، وقد تقابل الإلهية إذا أردنا النسبة إلى الإله كما ننسب إلى الإنس أو إلى الجن أو إلى الملائكة، ولكن كلمة «الهيومانزم» في أصل وضعها تقابل الكهنوتية من كلمة Divinity للتعبير عن الدراسات الدينية التي كانت مختصة برجال الدين أو كان رجال الدين مختصين بها في القرون الوسطى … ثم ظهرت علوم شتى اشتغل بها الباحثون في عصر النهضة من غير رجال الدين، فانقسمت العلوم إلى لاهوتية بمعناها المرادف للكهنوتية وإلى إنسانية بمعناها الذي يطلق على عامة الناس وليست هي من مصدر الوحي الديني الذي اختص به رجال الدين، وتدخل في هذا القسم علوم الفلك والرياضة والقانون والأدب والطب والكيمياء والصيدلة، وإن كان الاصطلاح العصري يلحق هذه الدراسات الأخيرة بطائفة العلوم الطبيعية Science.

والأفضل في رأينا أن تسمي دراسات «الهيومانزم» بالإنسانية لأن الذهن يألفها دون أن يعجل إلى المقابلة بينها وبين الجنية والملائكية كما يحدث عند سماع كلمة الإنسية.

وبعد هذه الملاحظة على التسمية نقول إننا قد نطلق كلمة «الهيومانزم» في اللغة العربية على بعض الدراسات عند النظر إلى ما يقابلها في اللغات الأجنبية، ولكننا لا نرى وجهًا لإطلاقها على الدارسين من أمثال الجاحظ لأننا لا نعرف عندنا طائفة لاهوتية أو كهنوتية ينفصل عنها الجاحظ ومن نحا نحوه في الكتابة بنوع من الدراسات مقصور عليهم ممتنع على غيرهم، ولا خلاف في مشابهة الجاحظ للكتاب الإنسانيين من الغربيين في موضوعاته ودراساته، ولكن من هم إذن كتابنا اللاهوتيون؟ هل هم كتاب التفسير والتوحيد وعلوم الحديث والفقه والأصول؟ يصح هذا لو كان هؤلاء في اللغة العربية طائفة منعزلة كطائفة الكهان في القرون الوسطى، ولكنهم عندنا لا ينعزلون، ولم يكن الجاحظ نفسه منعزلًا عن هذه الموضوعات لأنه صاحب مذهب من مذاهب التوحيد، ولا موجب لتمجيده بإطلاق هذا اللقب عليه، لأن الكتابة في المسائل الإنسانية عندنا لم تكن «نهضة» من نهضات الفكر المستقل في وجه أحد من المحتكرين لجميع الدراسات أو المرتفعين عن بعض البحوث دون سائر البحوث، وحسب كاتبنا أن يقال «الجاحظ» وكفى، فلا حاجة به بعد تسميته إلى تمجيد بالألقاب والعناوين.

***

… سؤالي يتعلق بقصيدة الحجر الصغير لإيليا أبو ماضي المقررة على الثانوية العامة، فقد قرأت في كتب عديدة أنها من الشعر الرمزي لأنها ترمز إلى كثير من الفوارق الاجتماعية، وسمعت رأيًا آخر يقول إن هذه القصيدة ليست من الشعر الرمزي لأن هذا الشعر غامض يعبر عن شيء يحس به الشاعر في نفسه لا يشعر به القارئ لزامًا في جميع الأحوال، ورجائي أن تبسطوا لنا الحقيقة في يوميات الأخبار.

محمد رفعت سيد أحمد عطية، بالثانوية العامة

إن سؤال الطالب النجيب يفتح الباب للنظر في ثلاثة أساليب تتشابه في الظاهر مع فوارق دقيقة لا يصعب الانتباه إليها:

أولها أسلوب الكتابة بضرب الأمثال Mysticism ومنه قصيدة أبي ماضي، وليس هو المقصود عامة بالكتابة الرمزية، لأنه قد يأتي في الشعر الصريح، وقد يصرح فيه الشاعر بأنه يمثل لأفكاره وتشبيهاته، أو يفهم القارئ ذلك منه بغير حاجة إلى التصريح.

والأسلوب الثاني وهو المقصود بالأسلوب الرمزي يكون الشعر فيه ضربًا من الألغاز والكنايات يفهمه القارئ كما يفهم التورية إلى المعني بالتلميح دون التصريح … والفرق بينه وبين أسلوب الأماثيل، أن أسلوب الأماثيل لا تلميح فيه، لأن الشاعر والقارئ معًا صريحان في القصد إلى التشبيه والإشارة، وليس ضرب المثل غير زيادة في التوضيح، وليس هو بشيء مخالف للتوضيح.

أما الشعر الرمزي فهو نوع من الكتابة بالعلامات التي يسمونها بالشفرة (أو الصفر)، غاية الفرق بينه وبين الشفرة أن العلامات فيه كلمات وعبارات وليست حروفًا أو أرقامًا أو تلفيقات مختزلة من الألفاظ التي لا تجري على الألسنة.

والأسلوب الثالث هو أسلوب الأسرار أو أسلوب الصوفية Mysticism الذي يوصف أحيانًا بأنه أسلوب رمزي لسبب واحد: وهو حاجته إلى الصراحة، ولكنه في الواقع أسلوب آخر قوامه الخفايا الروحية التي هي من طبيعتها غامضة لا توجد لها ألفاظ صريحة، ولكنها توصف على ألسنة الصوفية كما توصف «الحالات الوجدانية» بالتقريب بينها وبين المحسوسات والمعقولات على قدر المستطاع.

وليست قصيدة الحجر الصغير من أسرار الصوفية ولا من كتابة الشفرة الرمزية، ولكنها من باب الأمثال الصريحة في كتابات الأقدمين والمحدثين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.