وحياتنا المصرية أشبه شيء بالثوب الضيق البالي، الذي لا يستر جسم صاحبه كله، ولا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط!

يقال إنَّ الشاعر العربي القديم «دريد بن الصمة» مرَّ بالشاعرة العربية القديمة «الخنساء» فرآها متبذِّلة، قد قامت إلى بعض الإبل الجرباء تطليها بالقطران غير حافلة بتبذُّلها، وقد بدت محاسنها أثناء هذا التبذُّل ففُتِن بها فتونًا، وجُنَّ بها جنونًا، وقال هذه الأبيات:

حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبِعُوا صَحْبِي

وَقِفُوا فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِي

مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِ

كَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْبِ

مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُ

يَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ

ولم ألقَ قطُّ أجنبيًّا زار مصر ملمًّا بها أو مقيمًا فيها، إلا تحدَّث إليَّ بجمال هذا البلد، وما فيه من فتنة للعقول والقلوب، وبفقر هذا البلد وما فيه من بؤس يملأ النفوس حزنًا وألمًا وإشفاقًا … ولم أسمع قطُّ هذا الحديث من الأجانب — وما أكثر ما أسمعه في مصر وفي خارج مصر! — إلا ذكرت هذه القصة، قصة الخنساء الحسناء التي أقبلت على إبلها تعالجها من الجرب، وقد تبذَّلَتْ فبَدَتْ محاسنها، وفتنت ذلك الشاعر العظيم القديم.

فمصر هي الخنساء تُقبِل على عملها متبذلة فتبدو محاسنها، ولكن شيئًا آخَر يبدو مع هذه المحاسن، وهو ما يمس أهلها من الضر، وما يلح عليهم من البؤس والشقاء، والأجانب الذين يعجبون بمحاسن مصر، ويشفقون على أهلها من الضر والبؤس هم هذا الشاعر، إلا أنَّ الخنساء لم تُبْدِ إلا محاسنها، فلم تُثِرْ في نفس شاعرها إلا فتونًا وإعجابًا، فأما مصر فإنها تبدي المحاسن والمساوئ، فتسر وتسوء، وتثير الإعجاب والإشفاق معًا.

وما أكثر ما يُخيَّل إليَّ في هذه الأيام أنَّ الحياة المصرية الحديثة أشبه شيء بالثوب الضيق البالي الذي لا يستر جسم صاحبه كله، والذي لا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط، فصاحبه لا يبسط يدًا، ولا يمد ذراعًا، ولا يأتي حركة ما إلا تمزَّق من ثوبه هذا الجزء أو ذاك، وظهر من جسمه هذا الموضع أو ذاك.

هذه هي الحياة المصرية الحديثة، مضيقة جدًّا، مهلهلة جدًّا، وقد فُرِضت على بلد عظيم كريم، موفور الحظ من الحركة والنشاط والطموح.

وما رأيك في بلد لم يُخلَق للبؤس ولا للفقر، وإنما خُلِق للثراء والرخاء، يشهد بذلك نيله المتدفق، وتشهد بذلك أرضه الخصبة، وأهله مع ذلك جائعون عارون مرضى، لا يأمن شرَّ الجوع والعري والمرض منهم إلا الأقلون؟! أليس هذا يدل على أنَّ الثوب المادي لمصر ضيقٌ أضيق من أن يسعها، ومن أن يستر من جسمها ما ينبغي أن يظل مستورًا، ويخفي من ضرها ما ينبغي أن يظل خفيًّا؟!

ومصر بلد لم يُخلَق للضعة ولا للصغار ولا للهوان … تشهد بذلك آثاره القائمة التي تصوِّر تاريخه مجيدًا، ويشهد بذلك ما تحدثت به الأجيال عن مصر على اختلاف العصور، ويشهد بذلك احتفاظها بشخصيتها منذ عرفت نفسها، ومنذ عرفها التاريخ إلى الآن، على كثرة ما أصابها من المحن والإحن والخطوب، وهي مع ذلك تعيش الآن عيشة كلها ضعة وصغار وهوان، يحتل الأجنبي أرضها، ويتحكم في مصيرها، ويُسَام أهلها الخسف في عقر دارهم، لا حظَّ لهم من حرية ولا نصيب لهم من كرامة، يُحكَمون بالعصي ويُخوَّفون بما شئت وما لم تشأ من فنون الخوف.

ومصر بلد لم يُخلَق للفوضى ولا للاضطراب ولا للفساد، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار النُّظُم السياسية، وعاش في ظل هذه النُّظُم قرونًا وقرونًا وقرونًا، وتعلَّمت منه الشعوب في العصور القديمة نظم السياسة والاجتماع، وكان من أقل بلاد الأرض ميلًا إلى العنف والاضطراب الذي يُفسِد النظام … وهو الآن يحيا حياة أقل ما تُوصَف به أنها بعيدة كل البُعْد عن الاستقرار، أهله جميعًا ساخطون قلقون، بعضهم يُظهِر الشكوى، وأكثرهم يسرُّها ويخفيها. وانظر إلى المرافق العامة وإلى الموظفين الموكلين بها، ثم حدِّثني أترى نظامًا وهدوءًا واستقرارًا، أم ترى اختلاطًا واضطرابًا وفزعًا وجزعًا؟

ومصر بلد لم يُخلَق للجهل، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار الفنون والعلوم، وأنه حمى الحضارة الإنسانية مرتين: مرة أيام البطالمة في العصر القديم، ومرة أيام المماليك في القرون الوسطى. فانظر إليه الآن وإلى عدد القارئين والكاتبين من أهله، وإلى هذه الألوف المؤلَّفة من الصبية والشباب الذين يُرَدُّون عن المدارس ومعاهد العلم؛ لأن هذه المدارس والمعاهد ضيقة من جهة، ولأن العلم يباع بالمال، وأكثر المصريين لا مال لهم من جهة أخرى.

والتمس ما شئتَ من وجوه الحياة المصرية، فسترى بلدًا عظيمًا كريمًا له ماضٍ مجيد، وقد مُلِئت نفوس أهله بالآمال العراض التي تلائم هذا الماضي المجيد، وليس منهم إلا مَن يتصور المستقبل المصري على أنه يجب أن يكون مجيدًا كالماضي المصري، ولكنهم على ذلك لا يقومون إلا ليقعدوا، ولا ينشطون إلا ليخمدوا، ولا يستيقظون إلا ليناموا.

فكيف تفسِّر هذا كله أولًا؟ وكيف تخرج مصر من هذا كله ثانيًا؟ أما تفسيره فيسير، وهو أنَّ مصر أكبر من أهلها، وأجدر أن يسكنها جيل من الناس يقدِّر حقها وأملها وتاريخها، ويلائم بين هذا كله وبين سيرته.

مصر أكبر من أهلها وأكبر من هذا الثوب الضيق البالي الذي فُرِض عليها، والذي لا يستر من جسمها إلا أقله وأيسره، ثم لا يكاد يستر هذا الجزء القليل اليسير لشدة ما أصابه من البلى.

وأما السبيل إلى إخراج مصر من هذا كله، وردها إلى ما يلائمها من الحياة التي تسعها، فيسيرٌ أيضًا. وأي شيء أيسر من أن تنزع ثوبًا باليًا ضيقًا لتلبس مكانه ثوبًا جديدًا فضفاضًا جميلًا!

هذا شيء يسير، يسير كل اليسر، لا يحتاج لا إلى أن تجد هذا الثوب الجديد. فمتى أو كيف يتاح لمصر أن تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.