وصل برودلي إلى مصر للدفاع عن عرابي بعد أن استعجله المجيء المسترُ بلنت والأفوكاتو نابيه، وسافر من مالطة إلى مصر على البارجة «هيكلا» التي ألقت مراسيها في الإسكندرية في ١٨ سبتمبر.

وكانت مهمة الدفاع باسم الحكومة المصرية ملقاةً على عاتق أوكتاف بورملي بك، الذي كان يشغل مركزًا ممتازًا بين موظفي الحكومة المصرية من الأجانب؛ فقد كان إبَّان الأزمة مديرَ قضايا وزارة المالية ومستشار مجلس النظار ولم يفارق منصبه، وبعد ضرب الإسكندرية تولى رياسة تحرير المونسنيور إجيبسيان، وهي الجريدة الرسمية التي كانت تصدرها النظارة في الإسكندرية، بينما الوقائع المصرية كانت في قبضة الثوَّار تصدر بالقاهرة، فوكل إليه شريف ورياض مهمة النائب العمومي في قضية الثوار.

أما أن مهمته كانت شاقة فلأن برودلي ونابيه كانا يستندان إلى مالت قنصل الإنجليز، وكلمة مالت كانت بمثابة الوحي، ومسلك مالت كان مسلك السيد المطلق الذي يخضع كلُّ شيء لإرادته.

وكان أول عمل عمله بروملي أن اتَّفَقَ مع محاميي الثوار على نظام العمل الذي يُتبع في القضايا المعروضة على اللجنة الخاصة. وكان أهم النظام الذي قرروه ووقعوه في ٢١ أكتوبر ما يلي:

عند انتهاء التحقيق يعلن رئيس اللجنة المتهمين عن موعد تقديمهم للمحكمة العسكرية، وحينئذٍ يختار المتهمون محاميًا وطنيًّا أو محاميًا مقيمًا في مصر توافق الحكومة على قبوله، وتكون جميع أوراق القضية ومستنداتها تحت طلب المدافعين عن المتهمين. ويحقُّ لهؤلاء تقديم الشهود والشهادات التي يتلقَّوْنَهَا من الخارج بواسطة السلطات المختصة، وهذا الحق ذاته يُعطَى للنائب العمومي. وإذا أطال المدافعون الدفاع بلا جدوى حقَّ لرئيس المجلس أن يقفل باب التحقيق، وفي غير هذه الحالة يكون إقفال باب التحقيق بالاتفاق بين الدفاع والاتهام.

وتجتمع المحكمة العسكرية بعد سبعة أيام من انتهاء التحقيق، ولا يُسمع الشهود، بل قراءة محضر الاتهام باللغة العربية، ثم محضر الأسئلة وجميع مستندات القضية. ويدافع المحامون والمتهمون بحرية مطلقة، ولكن إذا قدم الدفاع حججًا خارجة عن موضوع القضية أو إذا هو استعمل عبارات مهينة للسلطة المحلية، يكون من حق الرئيس سحب الكلام من الدفاع. وبعد ردِّ وكيل لجنة التحقيق وجواب المحامين تنتهي المرافعات، ويصدر الحكم في جلسة علنية.

هذا الاتفاق بين الاتهام والدفاع كان كافيًا، لولا أن برودلي ونابيه تعمَّدا الدسائس وعرقلةَ أعمال التحقيق؛ فهما أخذا مكتبًا في دار ملحقة بفندق شبرد باسم دار المفتي، وفي يوم نزولهما في هذه الدار أرسل إليهما السير تشارلس ويلسون — المراقب على المحاكم (المحكمة العسكرية) — نجل عرابي ليشكو إليهما سوء المعاملة التي تُعامَل بها عائلته منذ واقعة التل الكبير. وفي اليوم التالي قابلَا للمرة الأولى عرابي، وكان مسجونًا مع رفاقه الزعماء في منزل بدورين (هو الآن دار مصلحة التجارة والصناعة)، وهذه الدار كانت إدارة الدائرة السنية ثم مطبعة … إلخ. وكان الخَفَر في الخارج من العساكر الإنجليز، وفي الداخل من العساكر المصريين بقيادة الكولونيل ويلسون، وكانت غرفة عرابي في الدور الثاني مؤثَّثة بسجادة من الطراز الشيرازي، وفراش وناموسية وسجادة صلاة ونسخة من القرآن، وأصحن وإبريق للوضوء. وقدَّم السير تشارلس ويلسون المحاميين برودلي ونابيه لعرابي الذي بسط لهما في الحال وجوه الدفاع عنه بقوله: «إنه لم يفعل عند بدء الحرب إلا تنفيذ إرادة الخديوي، وبعد ذلك تنفيذ إرادة الأمة، فلم يكن قطُّ عاصيًا أو متمردًا، ولم يشترك أقلَّ اشتراك بمذابح الإسكندرية ولا بإحراقها، وإنه لم يعمل شيئًا يخشى عاقبته.»

بهذا القول وضع عرابي لهما أساسَ الدفاع عن نفسه وعن عمله، فتحوَّل هم هذين المحاميين إلى مضايقة الحكومة؛ فأنكرا العمل بالاتفاق الذي وقَّعاه مع بورملي، وأدخلا عليه في ٢٨ أكتوبر وفي ٢ نوفمبر التعديلاتِ التي تؤخِّر سيرَ القضية، وكان عمدتهما في ذلك على السير مالت والسير تشارلس ويلسون. والغريب أن اللورد غرنفل أرسل في ١٣ ديسمبر إلى اللورد دوفرين تلغرافًا يقول فيه: «إن وزارة الخارجية كانت قد وجَّهَتْ نظرَ الحكومة المصرية إلى أنها إذا حادت عن التعليمات التي أوصت بها لندره بشأن المحامين الأجانب، فإن تبعةَ التأخير والصعاب التي تنجم عن ذلك تقع عليها.» ولم يجد الناس تأويلًا لهذا التلغراف إلا أنه خبيثة من خبائث السياسة.

ظل المحاميان يتنقَّلان بين غرف المتهمين. وبدا نفوذهما بسرعة وعلى عجل؛ فبعد أن كانت حالة المتَّهمين أمام لجنة التحقيق حالة ذلٍّ واستغفار، صارت حالة تبرير لمسلكهم، وأنهم كانوا تحتَ فعل القوة وضغطها، وعاد الكثيرون منهم عن أقوالهم الأولى، وعن لهجتهم إلى لهجة التحامل والطعن، ثم أشاعوا وأذاعوا ما كان يلقاه المتهمون قبل وصول المحامين من سوء المعاملة. ولكن السير ويلسون ذاته يكذِّبهم، إلا في حالتين اثنتين، ويقول إن المتهمين كانوا يُعامَلون معاملةً حسنة، وإن نظافة السجون ونظام المسجونين كانا على النقيض مما هو معروف في تركيا.

ومع أن السير تشارلس هو الذي قال هذا القول، بل كتبه؛ فإنه دخل أبواب الداخلية ذات يوم وكله اشمئزاز، فقال: «إنكم وعدتم بألا يُعذب المسجونون، ومع ذلك فأنتم تعذبونهم عذابًا أليمًا يحرمهم النوم؛ وذلك أن جنودكم يتمشَّون طوالَ الليل في مماشي السجن بأحذيتهم الضخمة، فيحدثون ضجةً شديدة تمنع الناس من النوم، فكيف تريدون مع هذا أن تروق أدمغة المتهمين، وأن يستطيعوا الدفاعَ عن أنفسهم؟!» فوُزِّعت في الليلة ذاتها على العساكر البانتوفليات بدلًا من الأحذية، وأُمروا بأن يتمشَّوْا على مهل وبتؤدة، ولا يُحْدِثوا أقلَّ ضجة. وفي اليوم التالي جاء السير تشارلس إلى الداخلية شاكيًا من أن غرفة عرابي سقفها واطئ وهي رطبة، فصِحَّته معرضة للخطر. فنُقِل عرابي إلى غرفة أخرى واسعة عالية السقف دافئة. فعاد الرجل في اليوم الثالث، وقال: «إنكم تتظاهرون بالسماع لأقوالي ولكن مسلككم لا يتغيَّر؛ فإن فراشَ عرابي صلب قاسٍ لا يستطيع أن ينام عليه.» فغُيِّر فراشُ عرابي بفراش آخر من الصوف الليِّن. ولكن السير تشارلس عاد بعد تغيير الفراش يشكو من أن عرابي ليس عنده ناموسية، فالناموس الذي يحوم عليه طوال الليل يحرمه التفكير في طرق الدفاع عن نفسه وفي جمع الأدلة للدفاع. وبعد أن أرسلوا الناموسية عاد إلى الشكوى من أن فيها ثقوبًا يدخل منها الناموس، فغيَّروا الناموسية. فعاد إليهم يشكو وحدة عرابي في غرفته، فلا مندوحة عن أن يرى امرأته بين حينٍ وآخر ليجد بها التعزية والتخفيف عن نفسه، فأذنوا لامرأة عرابي بأن تزوره في سجنه. وبعد ذلك لم يرجع السير ويلسون إلى الداخلية للشكوى، ولكن التحقيق بات بعد ذلك مستحيلًا؛ لكثرة الزائرات اللائي يزرن المتهمين وللتأثير على الشهود.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.