عند السيد «لبيب …» أن الكاتب أدرى بمذهبه؛ ولهذا يسألني عن رأيي في حديث من الأحاديث الإذاعية سمعه عن مدرسة النقد الاجتماعي ومدرسة النقد النفساني، يقول الأستاذ «الدروبي» فيه: إنني أنشأت المدرسة الثانية، وإن الدكتور طه حسين أنشأ المدرسة الأولى، ولا يزال لها أتباع وتلاميذ من كتاب الرسالات الجامعية.

ورأيي أن الأستاذ الدروبي قد أصاب في اختيار مدرسة النقد التي أنتمي إليها وأُفضِّلها، لولا أنني لا أحب أن تستغرقني مدرسة واحدة، ولا أعتقد أن الكاتب يتبع المدرسة، وإنما تأتي المدرسة تابعة لكتابها، ولم يعرف تاريخ الأدب مدرسة جدية ينادي بها أصحابها لينشئوها، ولكنهم ينشئونها ثم يتولى النقاد والمؤرخون وضعها في موضعها.

فإن كان لا بد من مدرسة واحدة فتلك هي المدرسة النفسية؛ لأنها تفسر لنا ظهور الكتاب والشعراء المختلفين في الحياة الاجتماعية الواحدة. وقد يصلح النقد الاجتماعي لتفسير حالة الأدب كله في المجتمع، بين نشاط وركود، وبين صعود وإسفاف، وبين عناية بموضوع من الموضوعات أو انصراف عنه، ولكن المجتمع الواحد لا يفسر لنا ظهور عشرين شاعرًا متناقضين في بيئة واحدة، ولا يفسره لنا إلا «الحالة النفسية» التي نبحث عنها في كل شاعر منهم؛ لنعلم من ثَمَّ أسباب اختلافه مع اتفاق البيئة وعوامل الاجتماع.

أقول هذا وأحيل الأديب صاحب السؤال إلى كتابي عن ابن الرومي، الذي أشار إليه الأستاذ الدروبي، فإنه مبدوء بنحو خمسين صفحة عن المجتمع وأحواله في عصر الشاعر، وفيها الوفاء بحق النقد الاجتماعي في جملته، وإن اتسع المجال لتفصيل أعم من هذا التفصيل عند الكتابة عن العصر كله؛ للمقابلة بينه وبين مختلف العصور.

كلاهما وزيادة.

هذا هو جواب الفصل عندي لكل سؤال عن مدرستين صالحتين!

أيهما؟

كلاهما وزيادة، تتم إحداهما بالأخرى، وتتم المدرستان معًا في خضم الأدب الواسع الذي لا يحصره تيار؛ لأنه لا يقبل الحصر ولا الحصار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.