هو هذا الذي تتحدث الصحف بأنه سيمس الوزارة الفرنسية؛ لأن عضوًا من أعضائها قد يُحتاج إلى سؤاله أو التحقيق معه في أمر الفضيحة المالية التي ظهرت أخيرًا في تلك البلاد. وقد أسرع هذا الوزير فيما تقول رسائل البرق إلى تبرئة نفسه مما وجه إليه أو قيل فيه بكتاب رسمي أذاعه في الصحف. ولكنه مع ذلك سيستقيل؛ لأنه لا يريد، ولأن زملاءه لا يريدون، ولأن التقاليد لا تريد أن يُسأل في أمر كهذا رجل يصرف أمور الحكم بأي نحو من الأنحاء. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن الوزارة الفرنسية مضطرة إلى أن تقف في البرلمان موقف الدفاع عن نفسها بعد يوم أو يومين؛ لأن هجماتٍ عنيفة قد وُجِّهت إليها مباشرة، فهي لا تستطيع الصمت على هذه الهجمات ولو رغبت فيه أو مالت إليه؛ لما رضيه البرلمان منها ولما أقرها البرلمان عليه. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن رئيس الوزراء الفرنسيين قد أخذ نفسه بألا تدع الوزارة بابًا يوصل إلى الحق في هذه الفضيحة إلا فتحته على مصراعيه مهما تكن الظروف، ومهما يكن الأشخاص الذين قد يظهرهم فتح الأبواب على مصاريعها.

ونقرأ نحن هذه الأنباء كلها فتثير في نفوسنا طائفة من الخواطر يفكر فيها بعضنا تفكيرا طويلًا أو قصيرًا، ويتحدث بها بعضنا إلى بعض في الأندية وفي أسمار رمضان، وتنتهي بنا دائمًا إلى التفكير في أنفسنا وفيما يلم بنا من الخطوب أو يحدث بيننا من الأحداث. فأما أصحاب السذاجة والتفكير اليسير فتبهرهم الأرقام والأسماء والمناصب؛ فهم يدهشون لأن فضيحة كهذه الفضيحة تقع في بلد عظيم متحضر كفرنسا، وهم يدهشون لأن المقدار الذي اختلسه المزورون من الناس يرتفع إلى مئات الملايين، وهم يدهشون لأن أسماء بعض الوزراء والنواب ورجال السياسة تذكر مقرونة إلى هذه الفضيحة. ومنهم من لا يكتفي بهذا الدهش، بل ينتقل منه إلى الشك في قيمة الحضارة والرقي وفي صلاح النظم الديمقراطية وامتناعها على الفساد. ومنهم من يتعجل فيرى أن مصر بخير؛ لأن أحدًا لم يختلس من أهلها الملايين، ولأن أسماء وزرائها ونوابها لم تقرن بمثل هذه الفضائح، وبأن هذه الفضائح لو ظهرت بالفعل في مصر فلن يكون من شأنها أن تهز الوزارات أو تضطر الوزراء إلى أن يستقيلوا أو تضطر مجلس النواب إلى سؤال أو استجواب؛ لأن الوزراء المصريين مهما يكونوا والنواب المصريين مهما يكونوا ورجال السياسة المصريين مهما يكونوا لا يمكن ولا ينبغي أن تقترن أسماؤهم بمثل هذه الآثام.

وإذن فمصر بخير والشر كل الشر في تلك البلاد الأجنبية التي يعظم فيها سلطان الشعب وتنتهي فيها الديمقراطية إلى أقصاها، فأما في بلد كمصر لا يؤخذ من الديمقراطية إلا بمقدار معتدل يسير، فالأمور تجري كلها على خير حال. كذلك يفكر أصحاب السذاجة والنظر اليسير، ولعلهم يحمدون الله؛ لأنه حماهم من الديمقراطية وأوزارها وأوضارها ولم يجعلهم حديث البرق والصحف والناس في أقطار الأرض. هؤلاء الناس خليقون أن يثوبوا إلى أنفسهم بعض الشيء، وأن تزال عنهم غشاوة السذاجة وأن يبرءوا من هذا النظر اليسير القصير، فهذه العيوب التي يضيفونها إلى الديمقراطية ليست في حقيقة الأمر إلا مزايا ومحاسن من حق الديمقراطية أن تفاخر بها ومن حق الشعور أن تتخذها وسيلة إلى حب الديمقراطية والاستزادة منها.

فليس عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم وتقترف الآثام، وإنما عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم ثم تخفى وأن تقترف الآثام ثم تظل مجهولة، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ المجرمون ولا يعاقب الآثمون، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ من المجرمين والآثمين إلا الضعفاء والخاملون الذين تستطيع الأيدي أن تمد إليهم وتستطيع أبواب السجون أن تغلق من دونهم، دون أن يقوم في سبيلها منصب أو جاه أو مكان رفيع.

هذه هي العيوب التي ينبغي أن تؤخذ بها الديمقراطية وأن يؤخذ بها كل نظام من نظم الحكم إن وجدت في ظله؛ لأنها هي الآثام حقًّا، لأنها هي الفساد الذي ليس بعده فساد، لأنها هي إقرار الشر وإعانة الأشرار. فأما وقوع الجريمة واقتراف الإثم، فمظهر من مظاهر الضعف الإنساني يوجد في كل مكان ويلاحظ في كل بيئة ويشاهد في كل جيل. وقد تعب الفلاسفة وأصحاب الأخلاق ورجال الدين وأصحاب القوانين، فلم يستطيعوا أن يطهروا نفوس الناس من كل إثم، ولكنهم استطاعوا — وهذا هو المهم — أن يفرضوا لكل إثم عقوبة، وأن يستكشفوا الوسائل لأخذ الآثمين، وأن يحوطوا الجماعة بسياج قوي حصين يحميها من شرهم بقدر ما تستطيع وسائل الناس أن تحمي الأبرياء من المجرمين.

وخصوم الديمقراطية يستطيعون أن يقولوا فيها ما يشاءون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها بعيدة كل البعد من أن تخفي الجرائم والآثام، بل هي أشد النظم ملاءمة لظهور المجرمين والآثمين. ولن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها تمهل المجرم والآثم، أو أنها تفرق بين مجرم ومجرم، وبين آثم وآثم، هذه أمور لا يمكن أن تعاب بها الديمقراطية التي تستحق أن تسمى بهذا الاسم كديمقراطية الفرنسيين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولولا أن فرنسا بلد ديمقراطي حقًّا لما ظهرت فيه مثل هذه الفضيحة، بل لوقعت ووقع أمثالها، ثم لوجدت ما يمكنها من الاستخفاء وما يمكِّن أصحابها وجناتها، لا نقول من الإفلات من يد العدل، بل نقول: من أن يعيشوا عيشة السادة والقادة، ويحيوا حياة الزعماء الأشراف الذين لا يرقى إليهم الشك ولا يجد إليهم سوء الظن سبيلًا.

وقد نحب أن يفكر الناس في أن الذي يختلس دينارًا من رجل واحد كالذي يختلس الدنانير كلها من الناس جميعًا، هو عدو للجماعة؛ لأنه سرق واحدًا منها، فهو خليق أن يسرقها كلها لو وجد السبيل إلى ذلك، والذي يقتل رجلًا واحدًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا كما يقول القرآن الكريم، هو عدو الجماعة كلها؛ لأنه قتل فردًا من أفرادها ولو استطاع لما أبقى على الأرض منها أحدًا، فارتفاع الأرقام مهما يكن خطره لا يغير جوهر الإثم. وإذن، فهل من الحق أن مثل هذه الفضيحة التي ظهرت في فرنسا لا تقع في بلد كمصر؟ أما أنا فأشك في ذلك شكًّا عظيمًا. ولعلِّي أعتقد أن الحياة المصرية لو خضعت للسلطان الديمقراطي الصحيح لتكشفت عن شر عظيم أول الأمر على أقل تقدير. ثم هب هذه الفضائح الكبرى لا تقع في مصر؛ لأن المصريين لم يبلغوا بعد من المهارة أن يرتكب الآثمون منهم كبار الآثام؛ ولأن المصريين لا يبلغون من الثروة أن يختلس المختلسون منهم مئات الملايين، فمما لا شك فيه أن فضائح أخرى تقع في مصر تلائم حظ المصريين من المهارة وتلائم حظهم من الثروة، فقد نحب أن نعرف كيف تكشف الديمقراطية المصرية عن هذه الفضائح، وكيف تعاقب الديمقراطية المصرية أصحاب هذه الفضائح. أما القانون فلا غبار عليه، وأما القضاء فلا غبار عليه، ومتى ظهر مجرم أو آثم وظفرت به يد القضاء فليس من شك في أنه سيلقى من العقاب مثل ما يلقى المجرم أو الآثم في أي بلد من البلاد المتحضرة. ولكن المهم هو أن يستكشف المجرم، ولكن المهم هو أن تظفر يد القضاء بالمجرم، وقد نحب أن نعرف أيضًا أين تقف التقاليد السياسية الديمقراطية من بعض الذين يخالفون القانون ويخرجون على الأخلاق ويتمردون على النزاهة ويعبثون بالتقاليد؟ قل ما شئت، فلن تستطيع أن تنكر أن من الوزراء المصريين من اتهموا بمخالفة القانون جهرة، وقالت فيهم الصحف: إنهم قدموا مصالحهم على مصالح الدولة، وإنهم عبثوا بأموال الدولة، وإنهم استفادوا لأنفسهم من مناصبهم، وإنهم أفادوا الأولياء والأصفياء على حساب الدولة. فحدثني متى استقال واحد من هؤلاء الوزراء أو أُقيل لشيء من هذه الأشياء؟! لقد ظلت صحيفة من الصحف أسابيع طوالًا تتهم وزيرًا من زملاء صدقي باشا بأنه تجاوز القانون وقدم حقه على حق الدولة، وانتهى الأمر بهذه الصحيفة إلى أن تطلب إلى وزارة صدقي باشا أن تحيلها إلى النيابة وإلى القضاء لتثبت على الوزير ما اتهمته به، أو ليظهر أن الوزير بريء، فهل تظن أن الوزير استقال ليثبت براءته؟ وهل تظن أن الوزير أُقيل ليستطيع إثبات براءته، ولتبقى الوزارة بعيدة عن الشك؟ أو هل تظن أن الصحيفة أحيلت إلى القضاء؟ لم يقع من ذلك شيء، وإنما ظل الوزير مستمتعًا بالسلطان حتى انتهزت فرصة من الفرص لإخراجه من الوزارة على غير انتظار.

ولست أكثر منك علمًا بهذه الفضائح التي انهمرت في الجو المصري انهمارًا حين ظهر الخلاف بين رئيس الوزراء وصدقي باشا، وبهذه الأسئلة التي انهالت من النواب على بعض الوزراء بشأن هذه الفضائح، فحدثني أي هذه الفضائح أحيل إلى القضاء؟ وأي الوزراء السابقين واللاحقين سئل من هذه الفضائح عن قليل أو كثير؟ كلهم بخير مطمئن آمن مستقر يستمتع بالحياة، راضيًا مسرورًا. والذين شقوا بأعمال هؤلاء الوزراء مكرهون على أن يبتلعوا شقاءهم ابتلاعًا، ويصطلوا ناره اصطلاء. ثم يزعم الزاعمون أن الديمقراطية تغري بالفضائح، وتهيئ لاقتراف الآثام! كلا، لو أن وزراءنا تعلموا أو علمتهم التقاليد أن يستقيلوا أو يقالوا حين تحيط بهم الشكوك أو ترقى إلى أعمالهم الريب لكانت مصر الآن في حال غير هذه الحال.

صدقني أيها القارئ العزيز! إني أوثر الحياة التي تقع فيها قصة ستافسكي؛ فتضطرب لها الوزارة كلها ويضطرب لها البرلمان، على الحياة التي تقع فيها مأساة البدارى وقصة حنا نعمان وما يشبههما، فلا تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل البدوي القديم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.