لنْ يكون هذا الحديثُ شَاملًا؛ لأنَّه لا يُمكن أن يكون شامِلًا ولا قريبًا من الشمول، ففي مصر بيئات أَدَبِيَّة مُخْتَلفة لم يُتح لي أنْ أعْرِفَها، ولا أنْ أتَّصل بها.

وفي مصر بيئات أدبية وصلتُ إلى أطراف من أحاديثها، ولكني لم أعلم من حقائق علمها شيئًا ذا خطر … بعض هذه البيئات لا يزال قائمًا يُنتج آثاره المُختلفة، ويبعث تَيَّاراتِه المُتَبَاينة في حياتنا الأدبية، وبعضُ هذه البيئات قد ذهب مع ما تذهب به الأيام في هذا العصر الذي يَمضي فيه التطور مُسرعًا إلى غاية وإلى غير غاية؛ فلن أتحدث إذنْ إلَّا عن بعض البيئات الأدبية التي عَرَفْتُها وتَأثَّرت بها من غير شكٍّ، ولعَلِّي أكونُ قد أثَّرتُ فيها بعض التأثير.

وسيكون هذا الحديث أشبه بالذِّكرى منه بالدِّراسة، ومِنْ أَجْلِ هذا أبدأ بالحديث عن البيئة الأدبية الأولى التي عرفتها وشاركت فيها أعوامًا في أول هذا القرن … فأنت إذا دخلت الأزهر من باب الرِّواق العَبَّاسي وجدت إدارة الأزهر — أو ما كان يُسمى في ذلك الوقت إدارة الأزهر — عن شِمَالكَ، والرِّواق العباسي عن يمينك، وبين هذين البناءين في هذا الممر الضَّيق الذي يفصل بينهما نشأت هذه البيئة الأدبية الأولى في أواسط السنة الرَّابعة من هذا القرن.

كان الرِّواق العَباسي في ذلك الوقت ملتقًى لطلاب الجديد من الأزهريين ومن غير الأزهريين، مَرَّتين في كلِّ يَومٍ، يَلْتَقُون فيه حينَ يَرْتَفِعُ الضحى ليجتمعوا حول الأستاذ الشيخ سيد المرصفي، يسمعون منه تفسير الحَمَاسة في بعض أيام الأسبوع، وتفسير المُفَصَّل للزمخشري في بعضها الآخر، ويلتقون فيه بعد أن تُصلَّى المغربُ، ليجتمعوا حول الأستاذ الإمام يسمعون منه في بعض ليالي الأسبوع دروسه في البلاغة، وفي بعضها الآخر تفسيره للقرآن الكريم.

وكان أولئك وهؤلاء يتفرقون بعد انتهاء هذه الدروس، ولكن جماعة ضئيلة كانت قد اتخذت هذا الممر، بين الرواق العباسي وإدارة الأزهر، مُستقرًّا لها، تسبق إليه قبل أن يرتفع الضُّحى لتنتظر دَرْسَ الأستاذ المرصفي، وتُسرع إليه بعد أن تُصلي العصر لتنتظر درس الأستاذ الإمام.

وكانت هذه الجماعة قد اختارت هذا الممر لمَكانه من الرواق العباسي أولًا، ولأنَّه كان يُتِيحُ لها أنْ ترى الداخلين إلى إدارة الأزهر والخارجين منها ثانيًا، ولأنه كان يوشك أن يكون مَكانًا أرستقراطيًّا مُمتازًا لجدَّته ووقوعه بين هذين البناءين. وكانت هذه الجماعة تتحدث حين تلتقي بما تسمع من الأستاذين — أحدهما أو كليهما — أحاديث الإعجاب والإكبار، وبما تسمعُ من الأساتذة الآخرين في الفقه والنَّحو والمَنْطِق والأصول، أحاديث السُّخرية والعَبَث! ثم كانت تعلق على إقبال المُقبلين وانصراف المُنصرفين، وعلى ما يكون بينهم من تفاوت في الأشكال والأزياء والسِّمات. تذهب في هذا كله مذهب النقد، أو مذهب العبث والتشنيع، لا تحفل بشيء ولا تأبه لأحد، ولا تتحرج من لفظ!

كانت تسمع من الأستاذ المرصفي أن لا حياء في العلم، وكانت تسمع من أساتذة الفقه أن لا حياء في الدِّين؛ فاستقرَّ في نَفْسِها أن لا حياء في شيء من الأشياء؛ لأنَّ كُلَّ شيء من الأشياء لن يكون له خطر الدين والعلم، وإذن فمِنْ حَقِّها أن تخوض في كل شيء، وأنْ تخوض في كل شيء كما تشتهي! وكانت تسمع نقد الأزهر والأزهريين لاذعًا منَ الأستاذين الجليلين في الصباح والمساء، فكانت ترى ذلك مُباحًا لها، بل فرضًا عليها، وكانت تمضي فيه إلى غير حد، حتى فرقها الأستاذ الشيخ حسونة النواوي — رحمه الله — ذات يوم، في قصة ذكرتُها في غير هذا الحديث!

في هذه البيئة الأدبية الأولى تخرج ثلاثة يعرفهم المِصريون في هذا الجيل؛ وهم: محمود حسن الزناتي، وأحمد حسن الزيات، وطه حسين.

على أنَّ هذه البيئة قد اتصلت ذات يوم ببيئة أدبية جديدة من طراز آخر، لم تنشأ في الأزهر ولا قريبًا مِنْه، وإنَّما نشأتْ في شَارع غيط العدة، حيث قامت إدارة «الجريدة»، وأشرف على هذه الإدارة منذ قامت أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد باشا.

فتنت هذه البيئة كما فُتن غيرها من شباب الأزهر بالجريدة؛ لأنها كانت تُصور لونًا جديدًا من ألوانِ التَّعبير لم يَكن مَألوفًا في «المؤيد» المحافظ، ولا في «اللواء» الذي كان يلتهب وطنية، وإنما كان فيه شيء من اعتدال واستقامة في التفكير، وكانت فيه بنوع خاص نفحة من الجديد حين كان لطفي السيد يتحدث عن مونتسكيو، وروسو، وفولتير، وجول سيمون. ولم يكن تَأَثُّر هذه البيئة الأزهرية بهذا اللون الجديد من التفكير والتعبير أقلَّ من تأثر البيئات المدنية في المدارس العليا، ولا سيما مدرسة الحقوق.

ومن هنا سعى الشباب إلى مدير «الجريدة» مُعَمَّمين ومُطربشين، وأَصبح مكتبه ناديًا أدبيًّا، يلتقون فيه مصبحين فيَشقُّون فيه على الأستاذ، ويُكلِّفونه العناء كل العناء في التماس الفراغ الذي يكتب فيه مَقَالته! ويلتقون فيه إذا أقبل المساء، فيقول بعضُهم لبَعْضٍ، ويقولون للمُدير ويَسْمعون منه، وما هي إلا أنْ يُفكر المُدير في أنْ ينظم لهم بعض المُحاضرات، يلقي بعضها هو، ويُلقي بعضها غيره من أعلام الفِكر والقانون في ذلك الوقت.

وكذلك التقى الشباب الناشئ بعضهم ببعض، فأخذت الأسوار تنهار بين العَمَائم والطرابيش، والتقوا بالشباب الناضج والكهول والشيوخ من أعلام الحياة المصرية على اختلاف فروعها، فأخذ دم جديد يدور في جيل جديد من المصريين.

ولم يكد يتقدم القرن نحو الحرب العالمية الأولى حتى اتَّصَلت هذه البيئة الجديدة عمائمها وطرابيشها، أو قُل حتى أنشأت هذه البيئة الجديدة لنفسها ناديًا آخر قريبًا من ناديها الأول في الجريدة. وكان هذا النادي في تلك الدَّار التي أثرت في الحياة العقلية المِصْرِيَّة أقوى أثر وأبقاه، وهي دار آل عبد الرازق.

كانت هذه الدار ناديًا بأدق معاني هذه الكلمة وأحدثها، يجد فيه أعضاؤه ما يشتهون من أدب وعلم، وجد وفكاهة، وسياسة واجتماع، ويَجدون فيه إلى ذلك مَائدة مَنْصوبة للغداء والعشاء يسعى إليها من شاء، وما كان أكثر من يشاءون، ويتخلف عنها من أراد، وما كان أقل من يريدون، ويجدون فيه إلى ذلك ما شاءَ اللهُ من قهوة وسجائر، وما يُشبه القهوة والسجائر من ألوان الترفيه!

ولم يكن هناك فرق بين هذا النادي وغيره من الأندية الحديثة، إلا أنَّ أعضاء النادي لم يكونوا يؤدون اشتراكًا. وفي هذا النادي تم الاتصال بين العمائم والطرابيش والقلانس على أوسع ما يُمكن أن يكون الاتصال؛ فازدادت الدورة الدموية الجديدة قوَّة وخصبًا ونشاطًا.

في هذا النادي كانت تُحَرر الفصول الأدبية والسياسية الخطيرة في الجريدة، وفي هذا النادي أنشئت جريدة «السفور» الأسبوعية. ولست أدري أين تقرر إنشاء «السياسة»، ولكني أعلم أنَّ أهم ما كان ينشر في «السياسة» من أدب وفلسفة ونقد وسياسة كان يُهيَّأ في هذا النادي، ويَخرجُ منه مكتوبًا أو كالمكتوب ليُنشر في جريدة السياسة!

في نادي «الجريدة»، وفي نادي آل عبد الرازق تخرَّج جيل من الأدباء والعُلماء والأساتذة والمُفكرين والوزراء، نهضوا بجزء عظيم جدًّا من الحياة العقلية والأدبية والسياسية في مصر نحو ثلاثين عامًا. في هذين الناديين نَشَأ «حزبُ الأُمَّة» في أول القرن، وفي ثانيهما نشأ الحزب الديمقراطي بعد انقضاء الحرب، ونضجت فكرة حزب الأحرار الدستوريين بعد إلغاء الحماية. ولن يتسع هذا الحديث الإجمالي ما كان لهذين الناديين من أثر بعيد أشد البعد في إحياء الأدب العربي القديم، وفي توجيه الأدب العربي الحديث.

على أن نادي آل عبد الرازق كان كالنهر العظيم الذي تلتقي فيه نهيرات صغيرة كثيرة، منها نادي المدارس العليا، ومنها تلك البيئات الأزهرية المُختلفة، ومنها بيئات مُشتتة كانت تستقر في بعض القهوات هُنا وهناك! في باب الخلق حول حِفني ناصف، وفي حي سيدنا الحُسين حول الشيخ سيد المرصفي، وفي قهوة «متاتيا» وقهوات أخرى حول حافظ إبراهيم الذي كان يتنقل ببيئته الأدبية كما يتنقل الحي من أحياء البادية.

وفي الصالونات الأرستقراطية التي لم يكن يرقى إليها أوساط الناس: في صالون الأميرة نازلي فاضل، وعند سعد زغلول، وفي صالون آخر كان أمره عجبًا، كان يلتقي فيه المِصْريون والشرقيون من أهل البلاد العربية وبعض الفرنجة حول آنسة كان الحديث عنها والحديث إليها مُحببًا مُمتعًا، وهو صالون «مي»، الذي كان يجتمع فيه يوم الثلاثاء من كل أسبوع حين يدنو النهار من آخره، ولا يتفرق إلا حين يتقدم الليل. كان أوله حين كنت أتردد عليه حديثًا في الأدب والفن والعلم، وكان آخره حين تنصرف كثرة الزائرين، وتبقى القلة المُختارة قراءة وعَزفًا وغِناء.

وفي هذا النهر الكبير الذي كانت تلتقي فيه تلك النهيرات الكثيرة كان يصب نهير آخر أصبح الآن ذا خطر، وهو «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، التي لم تكتف بحديث الفُكاهة والجد ونشر المقالات هنا وهناك، وإنما حولت نشاطها إلى ترجمة وتأليف ونشر وإصدار للصحف والمجلات، وكانت مِنْ أَهَمِّ الوَسَائل التي تجاوزت بحياتنا العقلية حدود مصر ونشرتها في جميع أقطار الشرق، وفي جميع طبقات الناس الذين يحيون في هذه الأقطار.

وأي نُهير من هذه النهيرات خَلِيقٌ وَحْدَه بأنْ يُؤلف فيه كتاب، فكيف بها كلها حين تلتقي في هذا النهر العظيم، وكيف بأنهار ونهيرات أخرى كانت تسلك طرقها المُختلفة مُستقلة مُنحازة إلى نفسها، شديدة الحرص على ما كانت تؤثر من استقلال وانحياز؟!

وليس من شك في أن أخص ما يمتاز به النصف الأول من القرن العشرين بالقياس إلى حياتنا العقلية في مصر، هو أنه نقلها من البساطة واليسر إلى التعقيد والعسر، وجعل مهمة الذين يُريدون أنْ يُؤرخوا الأدب المِصْرِيَّ مِنْ أَشَدِّ المهمات عُسرًا وأعظمها تعقيدًا والتواء!

ولكنه مع ذلك، أو من أجل ذلك، قد مَنَحَها من القُوَّة والخصب والتنوع والاختلاف ما رَدَّ إلى الأدب العربي الحديث مجده القديم، ورفعه إلى حيث أصبح أدبًا من الآداب العالمية الكبرى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.