تلقَّيت هذه الرسالة قُبَيْل العيد:

حضرة الأستاذ الكبير

بعد التحية، أرجو أن لا تغضب إذا قلتُ لك إنك رجل غشَّاش، تستغل حُسْن سمعتك الماضية في عالم الكتابة والتأليف لتدس على القرَّاء كُتُبًا سخيفة مملولة ممجوجة، لا معنى لها ولا فائدة فيها، وهي أشبه بلغو المجانين منها بتأليف كاتب كبير عُرِف بالبساطة والسهولة وحُسْن الأسلوب؛ لقد دفعت أربعين قرشًا ثمن كتابَيْك الجديدين «ميدو وشركاه» و«إبراهيم الثاني»، وإني مستعد لبيعهما بالأقَّة إلى بائع الفلافل، ليلف فيهما بضاعته القذرة؛ فإن هذه الصفحات المجنونة لا يليق بها إلا هذا المصير القذر، ولست أدري كيف تسوغ لك نفسك أن تقذف بها من سماء المجد الأدبي الذي استحوذت عليه وبلغته بعد جهاد العمر الذاهب، إلى هذا الحضيض السحيق! وقد قيل لبعض الشعراء استر شعرك كما تستر عورتك، وأقول لك اسحب كتابَيْك هذين من السوق؛ لأنهما عورة لك سافرة. لقد حاولت أن أفهم لهذين الكتابين مغزى ولو فكاهيًّا أضحك منه، فعجزت عن ذلك، فلم أجد إلا أنك محتال سرقت نقود القرَّاء؛ لو أن في مصر محكمة أدبية تحاكم السخفاء من الشعراء والمؤلفين، لحكمت عليك بما لا أدري من العقوبات القاسية لهذين الكتابين السخيفين. وها أنا أرسل إليك هذا الخطاب لتعلم سوء ما قدَّمت إلى القراء، ولأشفي غيظ نفسي وخسارة الأربعين صاغًا التي ضاعت هباءً، والتي زادت بثمن البريد قرشين آخَرين. أيها الأستاذ الكبير، اتَّقِ الله واسحب كتابَيْك هذين من السوق؛ فإن فيهما القضاء المبرم على سمعتك الأدبية، وكفى ما أصبت من ضحايا الأربعين.

كفر الزيات في ٢٤ رمضان سنة ٦٢

المخلص

فلان المحامي الشرعي

وأود أولًا أن أؤكد للقارئ أني لم أخترع هذا الكتاب، وإنما حذفت اسم صاحبه الفاضل لأني قصَّرت في استئذانه في نشره، ولأني لا أحب أن يتوهم هو أو سواه أني أضعه موضع التشهير، فليس هذا جزاء الرجل، وإنما جزاؤه الشكر.

ولقد كنت أيام كنت معلمًا، آبَى كل الإباء أن أعاقب تلميذًا من أجل أنه أساء أو تطاول أو غلط أو قصَّر، وكانت حجتي أن التلميذ إنما يجيء إلى المدرسة لأنه ينقصه أن يتعلم وأن يتهذب، فإذا كان جاهلًا أو سيء الأدب، فإن هذا هو المفروض أو الذي ينبغي أن يكون مفروضًا، وعلى المعلم أن يعلِّمه ويهذِّبه لا أن يضربه أو يعاقبه، وقد تولَّيت أمر مدرسة ثانوية في آخِر عهدي بالتعليم، فكان أول ما صنعت أن ألغيت العقوبات جميعًا، وأن انتقيت أساتذة لا يحتاجون إلى العقاب، ولولا الثورة المصرية التي قامت بعد ذلك لمضيت في هذه التجربة إلى نهايتها المقدورة.

ولست أشبِّه الأستاذ الفاضل بالتلميذ، فما إلى هذا قصدتُ، وعلى أني لو قصدت إلى هذا لما كان فيه غض من قدره أو غَمْط لفضله؛ فإن الحياة مدرسة لا تنتهي ولا نزال نتعلم فيها حتى يوافينا الأجل، وعسى أن يكون من خير ما نتعلمه فيها الرفقُ وسعةُ الصدر، وإيثارُ الإنصاف والمعدلة، وتوخي النظر إلى الأمور من الجوانب المختلفة لا الاقتصار على جانب واحد.

ومن بواعث أسفي أنْ أرى مثل الأستاذ في مثل عِلمه وفضله وعقله، يتلهب به غضبه، فيجري قلمه بألفاظ لا أقول نابية ولكن أقول ظالمة، فيقول إني غشاش وإني أدس على الناس كُتُبًا مخيفة، وليس الذي يؤسفني أنه يرى أن كتبي سخيفة، فإن لكل امرئ رأيه، ومَن ألَّفَ فقد استُهْدِفَ، وفي وسعي أن أتعزى فأزعم أن هذا عيبه لا عيبي، وأنه لا حيلة لي إذا كان القارئ لا يفهم عني ولا يفطن إلى ما في كتبي من آيات العبقرية، وقد أحتدم غيظًا مثله فأثور به كما ثار بي، وأقول له كما قال ابن الرومي:

وقد يسعفني الغرور فأقول: وما ذنب الكاتب إذا كان يبسط أمام قارئه مائدة حافلة بأطيب الآكال فيجتويها؛ لا لأنها مما يزهد فيه، بل لأن الجالس إلى المائدة ضعيف خالف لا يشتهي الطعام أو لا يقوى على هضمه:

ورحم الله ابن الرومي فإنه يخف اليوم لنجدتنا.

ولكني على جزالة حظي من الغرور، لا أقول هذا للأستاذ، ولا أرى من حقي أن أتطاول عليه بهذه البذاءات المقذعة، ومن السهل أن يطاوع المرء نفسه، ولكن المَزِيَّة أن تكبحها؛ ولهذا أقول له: إن الإنسان يُحسِن ويسيء، ويصيب ويخطئ، وليس بإنسان مَن ليست له عثرة، ومن خير ما يقال في هذا المعنى ما رَدَّ به ابن الرومي على عائب شِعْره، قال جزاه الله عنَّا في هذه خيرًا:

إي والله، فليعذر الناس من أساء ومن قصَّر فإنه بشر! وهذه هي فضيلة الفضائل، وأمها ورأسها، ولا محل للقول بالغش والدس؛ فما يبغي أحد لنفسه أن يسوء رأي الناس فيه، ولا يتعمد التقصير وهو قادر على الإحسان إلا مجنون، والناس أجيال تجيء وتذهب، فليس أحمق ممَّن يعتمد على سمعته في جيل من الخلق لا يلبث أن يمضي ويخلفه جيل جديد ينظر بعين جديدة، ويزن كل شيء بميزانه هو لا بميزان أسلافه.

ويا سيدي الأستاذ، إن الأسف لا يكون على المال يذهب قل أم كثر، وليست خيبة الأمل أن قروشًا ضاعت، فليس منا إلا مَن يقتني كل يوم كُتُبًا يجد بعضها غير أهل لما أنفق فيه، ولو ذهبت أنا أحصي ما ضاع من مالي في كتب رديئة، لجاوز ذلك ما يكفي ثمنًا لعمارة كبيرة! وإنما يكون الأسف — أو ينبغي أن يكون — على العجز عن الخروج بفائدة حتى من الغث السخيف، أو الذي يظن المرء أنه لا خير فيه. ولقد أخطأ ابن الرومي حين قال ما يُفهَم منه أن اللحاء والخشب اليابس أقل قيمة من الثمر، فما من شيء إلا وله قيمة والقيم نسبية، ولعل انتفاع العقل حين يستخلص الفوائد من كتاب رديء أو غث، أعظم من انتفاعه بكتاب يقرؤه وهو مطمئن إلى جودته؛ لأن العبرة هنا بعمل العقل ومجهوده، والجهد الذي يبذله العقل حين يقرأ كتابًا وينقده ويميز غثه من سمينه ورديئه من جيده، أكبر كثيرًا من جهده حين يأنس بالكتاب ويثق بكاتبه، ويأخذ عنه أخذ التسليم، فلا يحاسب ولا ينقد ولا ينخل ولا يغربل، ومن أفحش الخطأ أن يتوهم متوهِّم أن مجالسته العلماء مثلًا أعود بالفائدة من مجالسة العامة والأميين؛ فإن الثقة بعلم العلماء تورِّث عقلَ مُجالِسهم الكسلَ، أما مجالسة العامة فتنشط الذهن وتبتعثه من رقاده، وتفتح له آفاقًا جديدة من النظر والتأمل والقياس؛ فهبني من هؤلاء العامة يا سيدي، وأكسب صحبتي، فلن تندم على أربعين قرشًا أنفقتها في ذلك إذا عرفت كيف تستفيد، ولا أشك في أنك عارف حاذق، ولكني أرجو حين تقرأ كتابًا جديدًا أن تخلي ذهنك من الرأي في صاحبه، كائنًا ما كان هذا الرأي، وأن لا تُقبِل عليه وأنت في حاشية من الآراء والتقاليد التي نشأت عليها، فإن ذلك يَحُول بينك وبين الوزن العادل لما عسى أن يصدمك منه.

وكنت أود أن لا أرى منك كل هذا الامتهان لبائع الفلافل، ولفلافله — وهي «الطعمية» بلفظ آخَر — وأن تقول عنها إنها «بضاعة قذرة»، فما هي بالقذرة ولا بالتي يجوز في حقها التحقير، وإنها لطعام جيد نافع، وما أظن بك إلا أنك تستطيبه مثلنا نحن أبناء الشعب الذين لا يترفَّعون عن طعامه ولا يدَّعون الزهادة فيه والاحتقار له.

ولا تحسب أني أنا الذي يقبض كل ما يبذله قارئ ثمنًا لكتاب لي، وليتني كنته إذن لوسعني أن أنصفك من نفسي، وأن أرد إليك ما ضاع من مالك الذي لا أجهل شقوتك في اكتسابه، وإنه لجميل منك أن تحرص على اقتناء الكتب وتطلبها بالبريد، وفي هذا تشجيع لنا على المضي في الكتابة والتأليف، وسأبعث إليك بكل كتاب جديد أخرِجه بعد اليوم ولا أتقاضاك ثمنه، تعويضًا لك عن الخسارة التي أراها ثقلت عليك جدًّا، ومعذرة إذا كنت قد خيَّبت أملك في كتابَيَّ الأخيرَيْن، فما قدرت على خير من ذلك وقصرت، ولا تنسَ اعتذار ابن الرومي؛ فإن أبياته هذه رُقْيَة نافعة من الغضب الجامح، والسلام عليك والشكر لك، ولا تحرمني لواذع قلمك؛ فإنها أندى على كبدي من ثناء المنافقين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.