– كل عام وأنتم بخير.

– وأنتم بالصحة والسلامة.

في تحية العيد وجوابها قد جمعت بديهة الجماهير كل ما تتحقق به السعادة العامة بين الجماهير … فمن كان في خير، وفي صحة، وفي سلامة؛ فهو في عيد سعيد.

قد توجد السلامة ولا صحة، فلا سعادة.

وقد توجد الصحة ولا سلامة، فلا سعادة.

وقد توجد الصحة والسلامة معًا ولا خير، فلا سعادة.

وإنما السعادة في اجتماعها كلها معًا وعلى رأسها الخير حسب ما يفهمه كل طالب من طلابه، فما هو خير لهذا الإنسان قد يمتنع به خير إنسان آخر، ولكنه مع ذلك مطلوب لبعض الناس.

لكن ما هي السعادة؟!

هنا يهبط الصواب على بديهة الجماهير بمجمل الكلام؛ لأن البديهة تجمع ولا تفرِّق، والسؤال عن كُنه الأمور يستطرد بالسائل إلى التفريق والتحليل والتمييز، وليس هذا من عمل البداهة ولا من عمل الجماهير.

هل السعادة شيء «سلبي» يتحقَّق بامتناع الشقاء، وانقطاع المكاره والأدواء؟

هل السعادة شيء «إيجابي» يتحقَّق بتحصيل هذا المطلب، وترويض هذه العقبة، والإفضاء إلى هذه الغاية؟

هل السعادة هي التوازُن بين قوى النفس الداخلية، ثم التوازُن بين هذه القوى وقوى العالم الخارجية حتى لا يتبيَّن في واحدة منها طغيان، ولا يرتفع في أهوائها وأصدائها نشاز؟

هل السعادة على نقيض ذلك، اضطراب بين قوى النفس، واندفاعٌ في واحدة منها حتى تستغرق سائرها وتطويها في ذيولها، كما ينطوي المجنون في حماسة الجنون، والدراويش في حماسة «الدروشة»، والمفتتنون في حماسة الفتنة، والمغرمون في حماسة الغرام؟

في كل أولئك سعادةٌ من السعادات … أما «السعادة» بالألف واللام فليست في شيء مفرد من هذه الأشياء، ولعلها من أجل ذلك لا تكون؛ لأنها عامة غير متفرِّقة في هذه النعمة ولا في تلك … وليس للإنسان كمال.

سُئل بعض الكُتَّاب الإنجليز في الأيام الأخيرة هذا السؤال: ما هي السعادة؟

فأجابوا مختلفين … واستشهد كل كاتب بحكمة من الحكم المأثورة، وهذه أمثلة من الإجابات كما يتَّسع لها التلخيص في هذا المجال:

استشهد بريستلي بقول أرسطو: «إن أحدًا لا يمدح السعادة كما يمدح العدل مثلًا أرفع وأقدس من هذه الأشياء التي تمدحها.»

ثم قال الكاتب ما فحواه: إن السعادة شيء بين الرضى والنشوة، أو ما يسميه المتصوِّفون حالة الوجد والتجلِّي.

فالرضى هو بلوغ الأرب، واستيفاء مطالب الطبيعة، وشعور «الوجد» أو التجلِّي هو شعور النفس فجأة بالامتداد والتدفُّق، وهو نادر لأن النفس قليلًا ما تمتدُّ هذا الامتداد الفجائي الشبيه بالوصول عند الصوفيين.

فهناك حالة الرِّضَى، وهي حالة الامتلاء في حدود النفس …

وهناك حالة النشوة، وهي حالة الامتداد وراء تلك الحدود …

والسعادة هي شعور متراوح بين الشعورين، وانتقال يرجح بين الحدين، والسعيد على هذا النحو ينظر إلى الزهرة الجميلة فيراها زهرة جميلة، ولكنه يرى لها فوق ذلك معنًى آخر، هو معنى الرمز والإشارة إلى ما وراءها من عالم الجمال والكمال.

واستشهد «مارش أرمسترنج» بقول توماس بورننج: «إن السَّكِينة خير من الطرب.»

ثم قال: إن الناس يخلطون بين العادة والمَسَرَّة أو اللذة، وهما مختلفان، والحقيقة أن الناس يطلبون اللذة أو المَسَرَّة حين يفقدون السعادة، وإن السعادة هي الطمأنينة، أما اللذة والمسرة فهما وليدتان للقلق والاضطراب.

وعند الكاتب أن المَسَرَّات هي هرب من النفس وشجونها، وأن السعادة هي استيفاء النفس، فهما نقيضان، أو كالنقيضين.

وخلاصة رأيه أن السعادة «نعمة داخلية» لا ينعم بها الإنسان ما لم يتهيأ لها من جانب السريرة لا من جانب الحياة الخارجية، وإن كان شرطًا من شروطها ألَّا يقع التناقض بينها وبين طوارئ الدنيا وأحوالها.

واستشهد برتشيت بقول تولستوي: «إن سعادة الإنسان في حياته وئام حياته في العمل.»

ثم قال: إن هناك شعورًا بأن السعادة استقرار وبلادة. وإن الكاتب الفرنسي فلوبير قد حيَّا السعادة تحيَّةً باليد اليسرى حين زار أسرة من المستورين، ورأى ما هم فيه من غِبطة وقناعة … فوصفهم بأنهم «سعداء».

وقال: إن الذين يكتبون قصص الحياة يُهمِلون السعادة؛ لأنها على جلالة شأنها لم تكُن في جميع الأحوال تلك القوة المسيطِرة والشهوة الغالبة على أعمال الناس، وإن كثيرًا من النابهين بلغوا العظمة لأنهم فقدوا السعادة، وإن من الكُتَّاب العبقريين من لا يكتب إلا وهو في أزمة فشل وحرمان.

ثم قال: إنهم يزعمون أننا نتحدَّث اليوم عن السعادة كثيرًا لأننا أشقياء، وإننا أشقياء لأننا قد ضيعنا الإيمان والعقيدة بالخير، فليذكروا أن العقائد السيئة قد تقنع أصحابها وترضيهم وتحفزهم كما يجدون الحافز والرضى والقناعة في العقيدة الحسنة، وإنما السعادة حق السعادة هي استيعاب الحياة وخُلُوُّهَا من التنافُر بينها وبين ضرورات البيئة والوجود.

واستشهد برتراند رسل بقول سدني سميث: «إذا كان من حظي أن أزحف فإني زاحف وقانع، وإذا كان من حظي أن أطير فإني لَطائر ومسرور، ولكن لن أكون شقيًّا ما استطعت أن أجتذب هذا وذاك.»

ثم قال: إن السعادة تعتمد على توفيق بين أسباب داخلية وأسباب خارجية، وإن القِدِّيسين والمجانين والعباقرة لا يُقاس عليهم في هذا الأمر؛ لأنهم قد يشعرون بالسعادة والعالم من حولهم موجِب للشقاء.

أما سواد الناس فسعادتهم ميسورة لهم ببعض التدبير فيما يتعلَّق بالغذاء والمأوى وسلامة البنية.

إلا أن السعادة التي لها غور ولها ثبات ودوام، لا بد لها من حياة قائمة حول غرض مرسوم يدعو إلى المثابرة، ويتقدم في طريق النجاح.

نعم، إن بعض الناس يُشْبِهون القطط التي يقنعها النوم في الشمس فإذا هي سعيدة، ولكنهم قليلون أو حكمهم في الحياة حكم الشذوذ، أما الغالب على العالم فهو امتناع السعادة «السلبية» كلما نَمَا العقل واتَّسَع أفق التفكير.

وعند الفيلسوف الكبير أن أحق الناس بالسعادة في عصرنا الحاضر هم رجال العلوم؛ لأن عملهم شائق وشاقٌّ، ولكنه غير مفرط في المشقة، ولأنهم يشعرون بجلالة شأنه ويوافقهم العالم على هذا الشعور، ولأنهم على الرغم من تسخير مخترعاتهم في الحروب مؤمنون بأن العاقبة من هذه المخترعات للنفع والصلاح على مدى الزمان.

واستشهد السير هيوج والبول بقول صامويل جونسون: «إن السعادة لا شيء إذا هي لم تعرف، وهي شيء صغير جدًّا إذا هي لم تحسد.»

ثم قال: إن من يبغي السعادة لا غنى له من العمل، وأن يكون عمله فيما يحب ويختار. وهو يقرن الصحة الجسدية بالعمل، ولكنه يعود فيقول إنه ليس في هذا على يقين؛ لأن كثيرًا مِنْ أسعد مَنْ عُرِف بين الناس كانوا ذوي أدواء وذوي عاهات!

واستشهد جون هيلتون بقول جون ميلتون: «إن العقل مكانه العقل، وفي وُسعه ثَمَّةَ أن يخلق نعيمًا من الجحيم وجحيمًا من النعيم.»

ثم قال: إن السعادة هي زوال الألم الذي نشعر به حتى يزول.

وعرض لآراء بعض الحكماء في أسباب السعادة فعقب عليها بردود قصيرة، قائلًا: «يقولون: احسب خبراتك. وتقول: صحيح! ولكنها قَلَّمَا تضيف شيئًا …

ويقولون: عِشْ عيشة الحق والقداسة والاعتدال. وتقول: صحيح! ولكن أناسًا ممن عاشوا هذه العيشة قد ماتوا بقلب كسير.

ويقولون: اختبرْ نفسك وكن كما أنت. وتقول: صحيح! ولكن البحث عن النفس قد يطول ويصعُب، ولست من النتيجة على ضمان، فكثير من الباحثين عن أنفسهم قد ضاعوا في نهاية الطريق.

ويقولون: اعتقد هذا، ورَدِّدْ هذا، واعمل هذا. وتقول: صحيح! ولكن نعرف من يعزون نجاحهم إلى أمثال هذه الوصايا، فنعرِف أنها تعويذة يعالجون بها السأم والخيبة، وليسوا هم من نجاحهم الراهن على قرار وطيد.

ثم يقولون كما قال جيمس فريير: «بعيشك ألا ما تركنا تفكيرك وشأنه».»

وربما كان في هذا القول بعض الصواب، فلا تفكر أبدًا في فكرك، وامضِ على سُنَّتك ولا تتعقب السعادة فهي لا تُدرَك بالتعقُّب، وإذا لم يكُن لك مناصٌ من تعقُّب شيء فاقفُ أثر الحياة المستوعبة الوافية، ودع السعادة والشقاء يجيئان حيث يجيئان … فإن صادفك الشقاء فاطرُده، وإن صادفتك السعادة فاحمَد الله!

واستشهد هافلوك أليس بقول الشاعر الأمريكي والت ويتمان: «هناك عندي … لا أدري إذ ليس له اسم، وإنما هو كلمة لم يقُلها قائل … إنها ليست في معجم من المعاجم، ولا في منطق من المناطق، ولا في مثل من الأمثال … إنها شيء يحوم ولا كالأرض التي أحوم عليها … وجميع الخليقة لديها صديق رءوم يحييني ويوقظني مساسه … وما هي بفوضى ولا بفناء، ولكنها نظام ووحدة واتِّساق وحياة باقية، وسعادة!»

ثم ذكر أن لوقريطس قد تحدَّث عن سعادة الناجين على الشاطئ؛ إذ يبصرون الغرقى يغوصون في الأغمار، فقال: إن الذين يسمعون بأهوال المصيبة وبلاء الأشقياء وهم ناجون من بلائهم ليسوا بأقوم من سعداء لوقريطس ولا بأرجح في موازين الإنسان.

وخلاصة رأيه أن جيتي شاعر الألمان الأكبر قال بعد حياة طويلة قضاها في العمل والفكر والمتعة، إنه ربما ظفر في حياته كلها بسعادة أسبوعين!

وهو على هذا النحو يقول: إنه ربما رجع إلى ماضي حياته فبدا له منها ما يلوح كأنه سعادة صافية! … ولكنه على يقين أنه لو تريَّث يومئذٍ قليلًا ليمتحن تلك السعادة لألفاها تذوب وتضمحل من بين يديه.

«وإننا نستمسك بتعريف السعادة، ولكن اللحظات التي نقاربها فيها — على أقرب المسافات منها — هي اللحظات التي لا نفي فيها بتعريفها.»

هذه زُبدة الأقوال التي جمعت زُبدة التجارب في حياة أناس هم زُبدة الكُتَّاب.

فهل زادتك تعريفًا بالسعادة؟ وهل زادتك تحصيلًا لها واقترابًا منها؟ وهل زادتك زهادة فيها واستغناءً عنها؟

أما أنا فالذي أعلمه عن السعادة بعد ما اختبرت وقرأت أنها سعادات في شئون الحياة المألوفة وليست بسعادة واحدة، فهي أصناف وليست بصِنف واحد، وهناك السعادة النفيسة غير الرخيصة التي أنت في حاجة إليها، كما تدخل المتجر الكبير فلا تُغنِيك النفيسة عن الرخيصة التي أنت في حاجة إليها، كما تدخل المتجر الكبير فلا تغنيك أنفَس السلع فيه عن سقط المتاع إذا كنت أنت في حاجة يومذاك إلى سقط المتاع.

ولا تُنال السعادة غالية كانت أو رخيصة بالتقسيط! بل لا بد أن تُنال جملة واحدة.

فالذي يشرب بحرًا من الأكدار لا يقول: إنه شرب قدحًا واحدًا من الماء الصافي، وإن كان في ذلك البحر من الأكدار أقداح وأقداح صافيات.

وكذلك الذي يأخذ السعادة مخلوطة بأوشاب الشقاء لا يُسمَّى سعيدًا ولا جزءًا من سعيد؛ لأن السعادة شراب لا يقبل المزيج.

هذا عن السعادات في شئون الحياة المألوفة، أما «السعادة» بالألف واللام فهي أقصى ما يناله الإنسان.

والسعادة الكبرى فوق مطالب العيش وقوانين الدنيا وشئون الحياة فهي نعمة يوهَبها — كما قال برتراند رسل — واحد من ثلاثة: قديس، أو عبقري، أو مجنون، ولا يوهَبها إلا في قليل من اللمحات.

وبعد، فحَسبُنا من السعادة في هذا اليوم عيد سعيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.