يريد الأصحاء التمتع بالسعادة.

لا يوجد شك في كل فوائد المشاعر الإيجابية؛ فهي — من بين أشياء أخرى — تجعلنا اجتماعيين أكثر، وتسمح لنا بالتفكير بمرونة أكبر وترتبط بالتمتع بصحة بدنية ونفسية أفضل.

لا عجب أن السعي وراء السعادة أصبح هاجسًا حديثًا شجعه علماء النفس إلى حد كبير.

إلا أن السعادة — مثل أي شعور — لها وقت ومكان مناسبان. فتغدو السعادة وتروح مع تقلبات الحياة اليومية وصروفها، ويمكن للتركيز المفرط على التمتع بالسعادة طوال الوقت أن يصبح مشكلة.

أمضت الدكتورة جوون جروبر بجامعة يال سنوات في إجراء أبحاث على السعادة، ووجدت أن البحث عن السعادة يفشل أحيانًا حين يتسم بالتطرف، لكن أين يوجد هذا التطرف؟

درست جروبر وزملاؤها المشاعر الإيجابية والسلبية على وجه الخصوص، وحددوا أربعة جوانب مظلمة للسعي وراء تحقيق السعادة (جروبر وآخرون، ٢٠١٣)، يُظهر كل جانب منها أن السعي وراء تحقيق السعادة المجردة قد يفشل:

(١) الإفراط

ربما يبدو من الجنون الحديث عن «الإفراط» في السعادة، لكن — مثل التهام الشيكولاتة — يمكن للإفراط في الشيء أن يضر.

تتعلق السعادة — بجانب الرضا عن الحياة بوجه عام — بالتوازن بين المشاعر الإيجابية والسلبية التي تتعرض لها يوميًّا. وحتى ننجح في تحقيق ذلك التوازن نحتاج إلى كلٍّ من المشاعر الإيجابية والسلبية.

ومن المثير للاهتمام أننا لدينا مسمى لبعض الأفراد الذين لا يتعرضون لمشاعر سلبية؛ حيث نطلق عليهم السيكوباتيين.

هذا لا يعني أن يكون أي شخص شديد السعادة سيكوباتي، لكن توجد أوجه تشابه بينهما مثيرة للاهتمام.

كذلك توجد أوجه تشابه مثيرة للاهتمام بين التعرض لكثير جدًّا من المشاعر الإيجابية والجنون. فيتعرض المصابون بالجنون أحيانًا إلى سعادة مفرطة — ويخاطرون بكثير من الأشياء في هذه الحالة — تكون عواقبها وخيمة على حياتهم المهنية والاجتماعية.

حتى عندما ننحي جانبًا من يعانون من اضطرابات في الشخصية، توجد أدلة على أن الإحساس بالسعادة المفرطة يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية خطيرة.

تمدنا المشاعر السلبية بكافة أنواع الإشارات المهمة، مثل كوننا نخترق القواعد الاجتماعية، أو أننا في خطر، أو أن ما نجازف به كبير للغاية. ودون هذه الإشارات التحذيرية قد نعرض أنفسنا للكثير من المشاكل.

بعبارة أخرى، بالرغم من بغض المشاعر السيئة فإننا «نحتاج» إليها أحيانًا، فهي جزء من كياننا.

(٢) الوقت الخطأ

إذا كنا نحتاج إلى المشاعر السيئة أحيانًا، فمتى؟

بوجه عام، نحن نحتاج إليها عندما تسوء الأمور؛ فدون وجود المشاعر السلبية المناسبة قد تخرج الأمور عن مسارها الصحيح، وإليك بعض الأمثلة على هذا:

  • لا يرى مَن يتمتعون بسعادة مفرطة الإشارات التحذيرية التي تشير إلى أشخاص أو مواقف خطرة، وربما يكونون أكثر استعدادًا لوضع ثقتهم في الوقت الذي لا يجب عليهم فعل ذلك. لا عجب أيضًا أن الأشخاص الأكثر سعادة يميلون إلى أن يكونوا أكثر سذاجة.
  • تهيئ استجابة الخوف جسم الإنسان إلى المواجهة أو الهروب، لكن مع وجود ابتسامة سعيدة بلهاء على وجوه هؤلاء الأشخاص، يقل احتمال هروبهم أو الفوز في المعركة.
  • عادة يفكر الأشخاص بطريقة منظمة عند تعرضهم لمشاعر سلبية. وعلى العكس من ذلك، تجعلك السعادة تفكر بأن كل شيء على ما يرام، وتستمر في التصرف على نحو طبيعي.

وعليه، في مواقف معينة تكون المشاعر السلبية، مثل الغضب والحسد الحميد، هي الاستجابة المناسبة، بل ويمكن أن تساعد في تحفيزنا في المواقف حيث توجد حاجة إليها.

إذن، فإن السعادة شعور رائع، لكنه لا يكون دائمًا الاستجابة المناسبة أو الأكثر فعالية للموقف؛ ففي بعض الأحيان يتضح أن المشاعر السلبية مفيدة أكثر.

(٣) الأسلوب الخطأ

من إحدى المفارقات الكبرى في الحياة أنه أحيانًا كلما زاد سعيك وراء السعادة، زاد ابتعادها عنك.

يدعم هذه المفارقة بعض الدراسات التي توضح أنه عندما يبذل الأفراد مجهودًا خاصًّا من أجل إسعاد أنفسهم، فإنهم في الواقع يشعرون نتيجة لذلك بأنهم أقل سعادة.

فقد وجدت إحدى الدراسات التي حاول فيها الأفراد إجبار أنفسهم على الشعور بالسعادة في أثناء الاستماع إلى مقطوعة موسيقية، أنهم أقل شعورًا بالسعادة من الذين استمعوا إلى هذه المقطوعة دون بذل أي مجهود خاص.

يتمثل جزء من المشكلة في شعورنا بالإحباط من مشاعرنا. فإذا حاولتُ خصوصًا أن أشعر بمزيد من السعادة، ولم ينجح الأمر، فإنه يكون أمرًا محبطًا أكثر من غيره، ويجعلني أشعر بشعور أسوأ مما يحدث إذا تركتُ المشاعر تتدفق طبيعيًّا.

لا يعني أي من هذا أن السعي وراء تحقيق السعادة مضيعة للوقت، وإنما يجب القيام به بالطريقة الصحيحة؛ فعلى حد قول جوون جروبر:

قد يؤدي السعي وراء السعادة إلى نتائج إيجابية إذا حصل الأفراد على الأدوات المناسبة للقيام بهذا. ومن بين الأدوات التي قد تؤدي إلى زيادات دائمة في السعادة والرفاهية: القدرات التنظيمية للعاطفة المرنة والقابلة للتكيف، والوعي الأكبر بما يجعل المرء سعيدًا، والاشتراك في أنشطة تعزز السعادة بدلًا من السعي مباشرة وراءها.

(٤) النوع الخطأ

إذن كيف يمكن أن يوجد نوع خطأ للسعادة؟ بالتأكيد السعادة هي السعادة، أليس كذلك؟ فهي تبدو واحدة مهما اختلفت صورها.

حسنًا، ليس تمامًا. إليك مثالًا بسيطًا يتمثل في السفر في العطلات؛ فهناك الإثارة والترقب والشعور الشديد بالرغبة في بدء الرحلة. فأنت لا تستطيع الصبر حتى تصل إلى هناك وتبدأ في الاستكشاف. يتعلق هذا النوع من السعادة بالإثارة والشعور بالحماس.

هناك أيضًا نوع من السعادة تشعر به عندما تجلس في الحديقة بعد يوم عمل شاق وتتناول وجبة جيدة؛ فأنت تشعر بالرضا والسعادة. فالشمس تغرب وتُصدِر أوراق الأشجار حفيفها، ويأتي صوت ضحكة هادئة من بعيد. يتعلق هذا النوع من السعادة بالهدوء والاسترخاء والشعور بإنجاز المهمة بنجاح.

وفي مقابل هذه الأنواع «الجيدة» من السعادة، هناك مثالان للأنواع السيئة:

  • الاختيال عن غير جدارة: هذا النوع من المتعة هو الذي يجده — على سبيل المثال — المتنمرون في ساحات المدارس في ممارسة العنف العشوائي تجاه الآخرين. ومع أنهم ربما يحصلون من هذا الفعل على متعة وقتية، فإنه على المدى الطويل يؤدي إلى الشعور بالذنب والإحراج.
  • عدم التلاؤم مع الثقافة: يمكن أن تحدد الثقافة جزئيًّا كيفية شعورنا بالسعادة. على سبيل المثال، عند الشعب الصيني الشعور بالسعادة النابع من القناعة يحمل قيمة ثقافية أعلى من شعور السعادة النابع من الإثارة والمغامرة الذي يقدره الأمريكيون الأوروبيون. وهناك بعض الأدلة على أن اختلاف الآراء عن القيم الثقافية السائدة لماهية السعادة قد يكون مدمرًا.

تُجمِل جوون جروبر هذا فتقول:

إن أنواع السعادة التي تسبب عواقب اجتماعية سلبية أو تتصارع مع المعايير الثقافية لا يبدو أن لها آثارًا إيجابية طويلة الأمد دون غيرها، وربما تكون لها آثار سلبية.

السعادة من إضفاء المعنى

من الممكن أن تحصل على قدر من السعادة أكثر مما ينبغي، وتشعر بالسعادة في الوقت الخطأ، وتسعى لتحقيق السعادة بالطرق الخاطئة، وتشعر بالأنواع الخاطئة من السعادة؛ وفي مثل هذه الحالات قد تكون السعادة غير قابلة للتكيف وتؤدي حتى إلى عواقب ضارة.

جروبر وآخرون، ٢٠١٣

بدلًا من ذلك يجب أن تدور الحياة حول الوعي بهدف له معنى شخصي، وحول تطوير علاقات قوية مع الآخرين، وحول تقديم الدعم وتلقيه.

من المرجح أن تأتي السعادة مع هذه الأهداف طويلة الأمد وليس مع السعي وراء المتعة في حد ذاتها.

4 Dark Sides to the Pursuit of Happiness by Jeremy Dean. Psyblog. August 11, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.