الغرض من الأونسكو هو توحيد العالم من طريق نشر الثقافة، وقد رأى مؤتمرُها العام في سنة ١٩٤٦ بحق أن توحيد العالم لا يتأتى مع بقاء نصف أبنائه أميين لا يقرءون ولا يطلعون على شيء من تلك الثقافة التي تعمل على لمِّ أطرافه وتنظيم شعثه.

وجاء في بيان أغراضها التي تستهدفها في هذه السنة الحاضرة — سنة ١٩٤٨ — أنها تبذل جهودها «لإقناع الناس بفكرة عالم متماسك واحد. ويتحقق هذا الغرض بتشجيع التعاون على تنفيذ واجبات معيَّنة بين الحكومات والشعوب، وكذلك بين المُربِّين والعلماء والفنانين والخبراء في الإذاعة والسينما والصحافة وجميع العاملين في ميادين التربية والعلوم والثقافة.»

هذه هي الغاية، وهذه — في الوقت نفسه — هي العقدة.

فتوحيد العالم — أو إقناع الناس بفكرة عالم متماسك واحد — هو أَسْمَى الغايات التي يَعْمَل لها خُدَّامُ الإنسانية في العصر الحاضر، ولكن اتخاذ الثقافة وسيلة للوصول إلى هذه الغاية هو محل النظر من جهات كثيرة، لا من جهة واحدة.

وقبل أن نمضي في بيان محل النظر هذا نحب أن نقرر أننا نؤمن بقدرة الثقافة على بلوغ هذه الغاية، ولكننا نشعر بعد ذلك بأننا سوف ندور في حلقة مفرغة؛ لأننا قبل أن نُوحِّد العالم يجب أن نُوحِّد الثقافة، ويعترضنا المعترض هنا قائلًا: وهل نستطيع أن نُوحِّد الثقافة قبل أن نُوحِّد العالم؟! وهذه هي الحلقة المفرغة التي ترجع بنا إلى حكاية البيضة والدجاجة في صورة أخرى.

فقبل أن نتوسل بالثقافة إلى توحيد العالم يجب أن يتفق العاملون «أولًا» على أن قضية الثقافة قضية إنسانية شاملة، وأن يتفقوا «ثانيًا» على أنها قضية حرة منطلقة من جميع القيود التي تُفْرَض عليها، فلا يُرْجى من الثقافة أن تُوحِّد بين أناس تُفْرَض عليهم أفكار لا يحق لهم أن يخالفوها ولا يجسرون في مباحثهم ومساعيهم على أن يخالفوها.

يجب أن يتفق العاملون على أنها قضية إنسانية حرة، وأن يعملوا في خدمة هذه القضية على هذا الأساس دون غيره. فهل هم متفقون على أن الثقافة «أولًا» قضية إنسانية؟ وهل هم متفقون «ثانيًا» على أنها قضية حرة مطلقة من قيود الفرض والإكراه؟

إنهم غير متفقين على هذا ولا ذاك؛ لأن المشكلة كلها أن العالم اليوم منقسم على نفسه؛ لأنه منقسم في فهم معنى الثقافة، أو أن المشكلة كلها هي أن وسيلة التوحيد هي نفسها سبب الانقسام.

فعند فريق من الناس أن الثقافة قضية إنسانية مشتركة بين الأمم في الماضي والحاضر، وفي الشرق والغرب، وعلى اختلاف الأجناس والألوان، وأنها هي قضية الفكر الحر الذي ينطلق في حريته إلى أبعد الأزمان المُقْبِلة ولا يختم المعرفة البشرية برأي من الآراء أو بمذهب من المذاهب كائنًا ما كان.

وعند فريق آخر من الناس: أن هذه الثقافة كلها ليست قضية الإنسان في جميع عصوره وأقطاره، ولا أنها قضية حرة يجوز أن يأتي الغد فيها بجديد لا نَعْلَمُه اليوم. كلا؛ ليست هي قضية مشتركة بين أمم الإنسانية على اختلاف طبقاتها، ولا هي قضية حرة تتجدد مع الزمن، ولكنها قضية طبقة واحدة تمحو بقية الطبقات، وقضية مذهب واحد هو مذهب المادية الثنائية الذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل إلى آخر الزمان، إن كان للزمان آخر معروف.

قد يُقال إن اختلاف الآراء لا يمنع اتفاق الشعور، ولا يَحُول دون اتفاق الشعور، وهو قول صحيح لا غبار عليه. ونستطيع أن نُضِيف إليه أن هذا الاختلاف قد يكون سببًا للتعاون والتقارب بين المختلفين، ونضرب المثل له باختلاف الأقاليم في الأجواء والموارد والمحاصيل. فإن هذا الإقليم ينتج القطن، وهذا ينتج الحبوب، وهذا ينتج المصنوعات، وإن هذا البلد يشتهر بالموسيقى، وهذا يشتهر بالتمثيل، وهذا يشتهر بالتصوير. فيكون هذا الاختلاف بين الأقاليم والبلدان سبب التعاون؛ لأنه سبب لاحتياج بعضها إلى بعض وإتمام بعضها لبعض، وعملها جميعًا على تبادل المصلحة وتقارض الحاجات.

ولكن الأمر في انقسام الثقافة غير هذا الانقسام في الموارد المادية أو الموارد الأدبية؛ لأنه تناقض وليس بمجرد اختلاف. فإما أن يقوم هذا وإما أن يقوم ذاك، ولا سبيل إلى قيامهما معًا متعاونين أو متممًا أحدهما للآخر، على أي نحو من الأنحاء. إلا أن يتخلى أحدهما أو كلاهما عن فهمه للثقافة ليلتقيا معًا في منتصف الطريق.

فأصحاب الثقافة التي تجعلها قضية طبقة واحدة ومذهب واحد لا ينشرون ثقافتهم إلا إذا هدموا الثقافة الأخرى من أساسها وقلبوا كل ما أقامته المجتمعات الإنسانية قديمًا وحديثًا من الحضارات، والعقائد، والأخلاق، والآراء رأسًا على عقب.

وأصحاب الثقافة التي تجعلها قضية إنسانية باقية متجددة لا ينشرون ثقافتهم إلا بحطم القيود التي تمنعها أن تنطلق إلى غايتها أو غاياتها، وهي غايات ليس لها انتهاء.

ولو كان الأمر مجرد اختلاف بين العلماء والباحثين لأمكن الإقناع من الطرفين بوسائل الإقناع بين ذوي المذاهب والأفكار. ولكنه تجاوز الخلاف بين العلماء إلى مجال السياسة الدولية؛ إذ قامت دولة كبيرة تسيطر على دول صغيرة وتفرض ثقافة الطبقة الواحدة والمذاهب الواحدة بقوة السلاح، وترفض كل الرفض أن تأذن للثقافة الأخرى بمناظرتها بين رعاياها، فلا تسمح لأحد من أولئك الرعايا أن يطَّلع على رأي يخالف المادية الثنائية أو يؤمن بخدمة الإنسانية دون خدمة الطبقة الواحدة.

هنا تقف السياسة الدولية في طريق الأونسكو وقفة لا طاقة للأونسكو بها؛ لأنها تعتمد على السياسة الدولية، ولا تستطيع أن تعمل في نطاق غير نطاقها، على ما يتخلل هذا النطاق من العوائق والعراقيل.

قال قادة الأونسكو في كراستهم الجميلة عن ضرورة التعاون لكشف المخترعات الحديثة: «نحن على الأرجح مُقْبِلون على عهد جديد من شتى المخترعات العلمية، أفتعلم أن الإنسان استطاع أن يشق الذرة بفضل بحوث تمت خلال العشرين سنة الأخيرة في خمسة أقطار مختلفات؟! إن غرض الأونسكو هو مساعدة التعاون من هذا القبيل.»

وهو كلام جميل يسأل السائل بعده: أي قبيل؟! أقبيل الوحدة في العلم أم قبيل الوحدة في استخدام القنبلة الذرية؟!

فالوحدة في العلم حاصلة لا يقوى أحد على تفريقها؛ لأن العلم يصل إلى الحقيقة من طريق واحد وهو طريق البحث الحر الصحيح.

أما إن كان القبيل هو قبيل استخدام العلم، أو استخدام كشوف العلم، فهنا تدخل السياسة الدولية، وهنا يعترضنا ذلك الانقسام بين الثقافتين: ثقافة الطبقة الواحدة والمذهب الواحد، وثقافة الإنسانية شاملة لجميع أبنائها والمذاهب شاملة لجميع الآراء.

هنا تنتهي لغة العلم الواحدة في عقل الإنسان، حيث تبدأ [بابل] الألسنة بشتى الأقوال، وشتى الأهواء، وشتى الغايات.

ومن دواعي الرجاء أن الأونسكو تستطيع أن تمضي في عملها ولا تنتهي عند هذه النهاية، وأنها تستطيع أن تنشر الثقافة كما تراها، وأن تصل إلى التعاون حيث يتيسر التعاون، وتترك للغد إتمام هذا العمل على النحو الذي ينحوه تطور الإنسانية جمعاء، وتطور العلاقات بين الشعوب والحكومات.

نعم؛ إنها تعتمد على هيئة الأمم المتحدة، وإنها في الوقت الحاضر مقيدة بالظروف التي تحيط بهيئة الأمم في المسائل الدولية. ولكنها تنشر ثقافتها — بل ثقافاتها المتعددة — حيث تنتشر في بلاد العالم، فيتسع للأمم مجال الموازنة، وتنتهي من هذه الموازنة إلى التوفيق بين النقيضين، فتأخذ من ثقافة الطبقة لثقافة الإنسانية، وتنكشف لها عيوب هذه وعيوب تلك فتنفي الزبد وتستبقي ما ينفع الناس، وما ينفع الناس هو الذي يبقى آخر المطاف.

وتنحل العقد على هذا الوجه الذي لا محيد عنه: هل نوحد الثقافة لنوحد العالم أو نوحد العالم لنوحد الثقافة؟ أيهما نبدأ به وأيهما نرجئه إلى حين؟ والجواب الذي عند «الغد» المحتوم أنه لا ابتداء ولا إرجاء، وأنه لا تعجيل ولا تأجيل. بل يمضي توحيد الثقافة وتوحيد العالم معًا خطوة فخطوة، وكلما ازداد توحيد من هذه الجهة ازداد معه التوحيد من الجهة الأخرى.

فاليوم نِصْف ثقافة موحدة ونِصْف عالم موحد، وغدًا ثلاثة أرباع وثلاثة أرباع، ثم يأتي الغد المحتوم الذي تزول فيه حصة الخلاف من هناك، ويتلاقى العالم كله على ثقافات لا يمنعها التعدد أن تصبح ثقافات أحرار متعاونين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.