… بمناسبة الحديث عن الإنسان في القرآن دار الحديث بيني وبين صديق أديب عن مذهب داروين، وروى الصديق أبياتًا مطلعها:

عاش في الغاب القرد دهرًا طويلًا

قبل أن يلقى إلى الرقي سبيلا

وقال عنها إنها لأبي العلاء المعري بدليل قول المعري:

والذي حارت البرية فيه

حيوان مستحدث من جماد

ورفض أن يذعن حين قلت له إن القصيدة لشاعر العراق الزهاوي بعنوان «سليل القرد»، فأجمعنا على أن نسألكم عن القصيدة وعن رأي المعري والزهاوي في مذهب النشوء والارتقاء …

أحمد الطايع محمد، منيحة، كوم أمبو

… إن قول المعري عن الحيوان إنه مستحدث من جماد لا يلزم منه القول بمذهب داروين؛ لأنه قد يصدق على خلق الإنسان من الطين أو خلق الأحياء من الماء، فلا يخالف القول بالخلق المباشر الذي يقول به غير النشوئيين.

وللمعري أبيات كثيرة تشبه في معناها نظريات النشوئيين؛ كقوله بتنازع البقاء:

ولا يُرى حيوان لا يكون له

فوق البسيطة أعداء وحساد

وقوله في تسليح الحيوان بالأعضاء واستعداد البنية الذي يساعده في ذلك النزاع:

وما جُعِلَتْ لأسود العرين

أظافير إلا ابتغاء الظفر

أو قوله:

ولو ذهبت عينا هزبر مساور

لما راع ضأنًا في المراتع أو سربا

أو كقوله في غريزة حب البقاء:

أرى حيوان الأرض يرهب حتفه

ويفزعه رعد ويرهبه برق

ولكن القصيدة التي ذكرتموها لا يمكن أن تُنسَب إلى الشاعر قبل العصر الحديث؛ لأن الكلام عن علاقة التطور بسكنى القرد للغابات وانتقاله من التسلق إلى المشي مذهب حديث لم يُعرَف قبل القرن التاسع عشر.

وفي هذه القصيدة بيت يَذكُر فيه الشاعر رأيَ نيتشه في الإنسان المترقي على سنة التطور، أو السبرمان باسمه الإنجليزي، حيث يقول:

وسيأتي باسم السبرمان نسل

هو أرقى منهم وأهدى سبيلا

فإذا كان صديقكم لم يطلع على القصيدة في ديوان الزهاوي؛ فالاطلاع على هذه الأبيات فيها كافٍ لنسبتها إلى أحد الشعراء المتأخرين وامتناع نسبتها إلى أبي العلاء.

ويكاد نظم القصيدة أن يخصصها بالشاعر الزهاوي ولو لم يطلع عليها القارئ في ديوانه؛ لأنه ينمُّ على طريقته في تفعيلات البحر الخفيف إذ يجعل «مستفعلن» بدل «متفعلن» كما لاحظ صديقنا الأستاذ خليفة التونسي، مع التسكين والتحريك المختلف أحيانًا في بعض الأسباب والأوتاد.

وقد كنت أعجب لتكرار هذا التجوز في جميع قصائده حتى سمعته ينشدها على طريقة الإنشاد الفارسي، فعلمت أن الإنشاد هو الذي يداري عن أذنه وقع التفاعيل المختلة، ولا يبعد أن يكون إنشاد الشعر على طريقة من هذه الطرق هو الذي كان يداري ما فيه من الخلل عن آذان فحول الشعراء الجاهليين، كما قال أبو العلاء:

وقد يخطئ الرأيَ الفتى وهو حازم

كما اختل في وزن القريض عبيد

يعني عبيد بن الأبرص المعلقة المعروفة، ولم يكن بالوحيد في اختلال الوزن بل كان امرؤ القيس وغيره يشاركونه في شيء منه، ولم يكد يسلم منه غير الشعراء الذين نظموا الشعر بعد عصر الإنشاد والحداء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.