قرأنا في الصحف أن ثلاثة من الأطباء نالوا جائزة العلوم هذه السنة؛ لأنهم اكتشفوا تغيير مادة حمضية تتكون منها جرثومة الحياة الأولى، وأنهم بذلك يقتربون من خلق الحياة في المعمل، فما هو مبلغ هذا الخبر من الصحة في اعتقادكم؟ وهل إذا صح يمكن التوفيق بينه وبين الإيمان بأن الله جل شأنه هو خالق الحياة دون سواه؟

متعلم متدين – بورسعيد

إن القول باقتراب العلماء من صنع جرثومة الحياة لا يعدو أن يكون بعض التهويلات في عناوين الأنباء البرقية، ولا يعقل أن يصدر مثل هذا القول من أولئك العلماء المشتغلين بهذه البحوث؛ لأنهم أدرى بحقائق الأسرار التي يعملون فيها. وقد كتب أحدهم الأستاذ «كريك» دراسة عن تركيب المادة الوراثية نشر منذ سنوات فقال: «إن في جسم الإنسان من مادة ذلك الحمض ما يكفي لكتابة ألف كتاب كبير، وكل ما نحاول معرفته مع هذا هو: ماذا ترمز إليه هذه الجفرة؟»

وقد قرأنا في آخر عدد من مجلة «تايم» كلمة للدكتور «شرام» أشهر الباحثين في هذه المادة من علماء الألمان، يرد بها على الصحفيين، أبناء وطنه، الذين تعجلوا فأعلنوا اقتراب اليوم الذي تصنع فيه جرثومة الحياة، فقال: «إنه يجب أن نعلم أن المادة المذكورة ليست مادة حية، وكل ما في الأمر أنها عند اختبارها بوسائل الكيمياء تشبه جزءًا من الخلايا الكبيرة التي تدخل في تركيب الأحياء.»

ويظهر مبلغ التعجل في تهويلات أولئك الصحفيين من العلم بأبسط الحقائق عن مادة (الدال والنون والألف) dna التي وردت عنها تلك الأخبار، وهي أنها تتناهى في الصغر حتى تقاس بوحدة «الإنجستروم»؛ وهي واحد على مائة مليون من السنتيمتر، وأنها لا تدرك بالمجاهر العادية، ولكنها تعرف بالحساب مع تكرار التلوين واستخدام المجهر الإلكتروني عدة مرات. وليس المهم فيها — بعد هذا — أنها من الصغر بهذه الدقة البالغة التي لا يدركها التصور، بل يرجع السر المهم فيها إلى أشكال تركيباتها وإلى الفجوات بين هذه التركيبات، وإلى النسبة التي تجعلها صالحة للتعاون في العمل مع مثيلاتها في الصبغية الواحدة، وتجعل هذه الصبغية صالحة للتعاون في عملها مع أخواتها من الصبغيات المتعددة في خلايا الأنواع الحية.

وعلى مقدار هذا الاختلاف في الأشكال، وفي ترتيب هذه الأشكال، وفي تركيز الحمضية المكتسبة من وراثة ملايين السنين؛ يتوقف الفرق الذي يجعل إحدى الصبغيات منتجة لحيوان يسمى الضفدع أو الفيل، أو منتجة لحيوان يسمى الإنسان.

ومن بسائط علم الخلايا نفهم بعض البديهيات التي تكشف عن طيش العقول التي تتخبط ذلك التخبط في موضوع خلق الحياة.

وبين هذه البسائط التي أصبحت في حكم البديهيات:

أولًا: أن المادة العامة في الصبغيات التي تتولد منها جميع أنواع الأحياء متشابهة على الجملة.وثانيًا: أن عدد الصبغيات في كل نوع من أنواع الأحياء يختلف اختلافًا ثابتًا لا يتغير، وأنها توجد بمثل هذا العدد في خلية الذكر وخلية الأنثى، ولا بد أن تتقابل بنسبة مقدورة في كل صبغية وما يقترن بها للانقسام، ثم إعادة الانقسام ملايين المرات إلى أن يتجمع منها جسم الكائن الحي بوظائفه المركبة من اللحم والدم والأعصاب، وسائر المواد التي تتألف منها الأجساد الحية، فلا تحل ناسلة واحدة في هذه المجموعة الهائلة محل الناسلة الأخرى لتركيب لون الجلد أو الشعر أو العين أو الجوارح التي تنقل خصائصها بالوراثة، ولا بد أن يكون ذلك كله ملحوظًا منذ البداية في اختلاف كل شكل من أشكال الناسلات واختلاف النسبة بينه وبين غيره.وثالثًا: أن كل فرد من أفراد النوع الواحد له صبغياته وناسلاته التي تتماثل في التركيب عامة بين أبناء النوع كله، ولكنها تتخصص في كل فرد بالأشكال التي لا تتكرر في غيره؛ ولهذا تحمل كل منها خصائص الوراثة في الفرد الواحد، فيأتي الأبناء بهذا التعدد الهائل في صفات الجسد والعقل والاستعداد للقوة والضعف إلى غير نهاية.

ويجب أن نفهم ذلك جيدًا؛ لكي نفهم أن العلم بتركيب المادة العامة للخلايا الحية لا يوصل إلى العلم بالأشكال أو الترتيبات التي تكمن فيها خصائص الحياة، وأن هذا الاختلاف في الشكل يقع في مقدار من المادة يقاس بجزء من مئات الملايين من السنتيمتر الواحد.

فإذا فرضنا أن مقدار الحمض الذي يحمل خصائص الوراثة في النوع الإنساني قد عرف بجميع تفصيلاته وأشكاله، فسوف يبقى بعد ذلك أن اختلافًا يسيرًا جدًّا في أشكال هذا الحمض هو الذي يجعل هذين الزوجين ينتجان إنسانًا أبيض أزرق العينين أشقر الشعر طويل القامة له خطوط في كفه لا تشبه خطوط كائن آخر من بني الإنسان، وهو الذي يجعل زوجين آخرين ينتجان وليدًا أسود لا يشبهه في تركيب عضو من الأعضاء. ويفعل هذا الاختلاف الشكلي الدقيق فعله الحاسم فيما بين الوليدين من تفاوت القوى العقلية وتباين الصفات الخلقية وكوامن الاستعداد للمرض أو لمقاومته ومكافحة جراثيمه.

فإذا كان هذا بعض ما يترتب على اختلاف دقيق بين «الحمض الوراثي» في إنسانين من نوع واحد، فماذا يفيد العلم بمقدار الحمض في ضبط الخصائص التي لا تحصى ولا يدري أحد كيف تتناقل بالوراثة من أقدم الأزمان؟

إن الذي يقول: إن العلم بمقدار حمض (الدال نون ألف) في الناسلة أو الصبغية يجعلنا قادرين على خلق الحياة بالمعمل، أشد طيشًا ممن يقول: إن العلم بالمادة التي تسبك منها الحروف الأبجدية يكفي لإصدار «أخبار اليوم» في هذا الصباح وفي صباح الغد وبعد ألف صباح، متسلسلة من هذه التركيبة المعلومة إلى غير نهاية، كما تتسلسل الأجيال ويتتابع الأبناء من مادة (الدال نون ألف) أو من جميع مواد الصبغيات والناسلات.

إن العالم الطبيعي الذي يخوض في أسرار المادة الحية أولى بالتواضع والذهول من كل مؤمن يعجب لأسرار الروح ويقول في طمأنينة وتسليم: «إنها من أمر ربي»؛ فإن فهم العقل لفهم روح يبث الحياة في المادة، أقرب إلى الإدراك من فهم العالم الطبيعي كيف تنتقل الخاصة الحية في جزء من مائتي مليون جزء من السنتيمتر، ذلك الانتقال الذي نسميه الوراثة ولا نزيد، كأن كلمة الوراثة أوضح تفسيرًا لحقيقة الحياة من كلمة الروح!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.