بعد الحرب العالمية الأولى تنورت الأمم وثارت على المظالم العامة والخاصة، كما فطن الناس إلى حقيقة معاني الألفاظ الخداعة كالديمقراطية وتقرير المصير والمواثيق الدولية، فلما شارف العالم على الحرب الكبرى المنصرمة، كان من الطبيعي أن تعلن الدول المحاربة للألمان والطليان واليابان هذه الحرب قائلة: إنها بعيدة كل البعد عن مظنة التوسع والتملك، وهذا التبرؤ نفسه اعتراف صريح بأن سياسة الاستعمار شيء يجب التنصل منه كأنه وصمة تأبى الدول أن تُوصم بها وتهمة لا تريد أن تلحق بها.

نعم تخللت الحرب دعاية جليلة ودعوة إنسانية إلى حرية الشعوب وتحقيق العدالة الاجتماعية والحريات الأربع ومقاتلة الفقر والجهل والمرض، وهي أعداء الإنسان الحقيقية، ورفع مستوى الشعوب ونشر الثقافة، وقد ملأت هذه الدعاية البقاع والأصقاع وتشبعت بها الأذهان بعد الأسماع، وانتشرت في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وبلغت من الشدة والحدة شأوًا بعيدًا.

وظهرت ألفاظ حديثة مثل الانتداب والوصاية والمشاركة، دالة على أن أدواء قديمة تجب الوقاية منها والحذر من الإصابة بها.

إن مصر تتطلع إلى سوريا ولبنان وتغبطهما، فقد ضُربت دمشق بالمدافع مرتين في عشرين عامًا، وبعض أهل لبنان كانوا يسمون فرنسا الأم الرءوم، فأذن الله أن تنجو دمشق من المدافع وأن تتبرأ لبنان من بنوتها لتلك الأم!

ومصر توصف بأنها زعيمة الشرق العربي والداعية إلى الوحدة والمشاركة للأمم الناطقة بالضاد في آلامها، والمناصرة لفلسطين في محنتها والعراق في كل ما يصيبها، والشقيقة العطوف على الحجاز واليمن بل وشمال أفريقيا، فكيف تتأخر مصر في استقلالها وقد تمتعت به كل الأمم المجاورة لها؟ إن أهل تلك الأوطان أنفسهم يدهشون لما نحن فيه ويشاركون وادي النيل بعواطفهم وقلوبهم، ولكن الصديق والأخ الشقيق لا يشعر بالحريق الذي يصيب صديقه أو أخاه في جسمه أو في بيته، وإن كان يتألم له؛ لأنه لا يشعر بلذعة النار التي لا يحسها إلا الذي انكوى بها.

لما كنت في سنكم كنت وزملائي نهمس بنهضة الشرق ونتمنى إحياءه من أعماق قلوبنا، وكنت أمقت من يطلب حياة وطن واحد في الشرق وأدعو إلى حياة كل الأمم الشرقية، وأعتقد أن نهضة أمة واحدة لا تكفي، وأحدِّث نفسي بأن الدورة الكبرى في تاريخ العالم آتية لا ريب فيها، ولم يكن لديَّ ما يثبت تحقيق هذا الحلم سوى نهضة اليابان وهزيمة روسيا أمامها وانبعاث الحياة في نهضة العرب ضد المظالم التركية ودعوة المغفور له مصطفى كامل في مصر.

ولكن هذه كانت أحلامًا ذهنية وذهبية.

وكنت أحيانًا أشعر بأن نهضة الشرق ستكون عامة شاملة بحيث تعم الكافة، ولكني اعتقدت أنه ليس بالدعاية وحدها ولا بالتهويش تحيا الأمم وتنتعش، وإنما بالعلم والعمل والأخلاق، وكنا نشعر بتحفز الشباب بروحهم فكدنا أحيانًا نلمس نهضة الشرق وبزوغ فجره ثم شروق شمسه، وكنا نؤيد حلمنا بتاريخ العالم القديم، وأن الشرق مبدأ النور في العالم، وأن الشرق سيعود كما بدأ.

ولم يكن واضحًا في أذهاننا الفتية كيف نواجه العالم العربي ونخلص من نكبات الحياة وويلاتها، ولكن فطن بعضنا إلى أن أصل البلاء هو الاستعمار الذي أحاطنا بنطاق من حديد، وأن الخلاص من الاستعمار هو أهل نهضتنا، وأن الاستعمار عرض لا مرض سببه ضعف أخلاقنا وجهلنا، وكان كالوهم في أذهاننا أن أكبر دعائم الاستعمار هم رجال السياسة المحترفون الذين يعينون الدول علينا، وأن الذين يتصدون للمسائل العامة بينهم كثير من المتواطئين على أوطانهم.

وفي بعض تجارب الحياة العامة رأيت أمورًا عجيبة لا أدري كيف أسميها، فقد شاءت الأقدار أن أنشأ نشأة فكرية حتى في التعليم الابتدائي، فملت إلى المثل العليا من الآداب والأخلاق وإن كنت قصرت كثيرًا عن بلوغ غايتي بحكم البيئة، فقد اعتقدت وما أزال ولن أزال إن شاء الله أعتقد أن الحق والصدق والأمانة والشرف والعفة والاستقامة هي المبادئ الصحيحة التي يجب اتباعها، وعاشرت قومًا في مصر وفي أوروبا نزعتي كنزعتهم وآراؤهم كآرائي وقد زادتني ثقة بهذه المبادئ كالمرحومين مصطفى كامل والشيخ محمد عبده والمستر ويلفريد سكوين بلنت وكير هاردي وإدوار لامبير وعبد العزيز الثعالبي وقاسم أمين وغيرهم ممن تركوا آثارًا قوية في ذهني.

ورأيت بعضهم منغمسًا في السياسة وبعضهم قد أرغموا إرغامًا على خوض غمارها بحكم الحوادث وسلكوا في السياسة مسلكًا ينطبق على أخلاقهم فسلكت مسلكهم واقتديت بهم، ولكن هؤلاء الناس انفرط عقدهم وبعضهم توفي إلى رحمة الله وبعضهم انسحب من ميدان العمل لأسباب لم أكن أعرفها في وقتها.

وقد فطنت بعد ذلك إلى تطور خطير في الحياة العامة، وأصل هذا التطور ما أطلق عليه الناس اسم الدعاية، وكنت في أول الأمر من أنصار الدعاية على أن تكون مقصورة على نشر الحقائق فعملت في هذا السبيل، ولكن رأيت بعد قليل أن الدعاية سواء في أوروبا أو في الشرق اتخذت خطة عوجاء.

ورأيت رجالًا مشهورين في العالم يقرون أن الشيء حق، ولكن عملهم عمل من يعتقد أنه باطل، أو يقرون أن الشيء باطل، ولكن عملهم عمل من يعتقد أنه حق، كالذي يعلي من شأن الصدق ويكذب أو من شأن النزاهة ويخالفها ويمدح الوفاء ويميل إلى الخلف أو يشيد بالعدل ويسعى في سيادة الظلم، ومن يظهر العفة ثم يسعى في نيل درجة أو وظيفة من طريق غير شريف والأمثلة كثيرة.

ثم رأيت الصحافة الشرقية والغربية سواءً أثناء الحرب أو السلم تتنازعها الدعايات المختلفة في الأخبار والآراء، كل أمة تسوق الأخبار حسب هواها ومصالحها لا حسب حقائقها، فأين الحق؟ لا أدري.

رأيت كثيرًا من الذين أضروا بالأمم وأساءوا إليها يلقون الاحترام والتوقير، وكثيرًا من الذين أحسنوا إليها يلقون نقيض ذلك، وقد سمعت بنفسي أمثالًا تقال بين الطبقة الراقية تدل على «أن اللبيب من دار» أي أن التقلب والدوران مع الفائدة وتضحية المبادئ دليل على الفطنة ومجلبة للمنافع المادية!

وكان هذا الرأي في شبابي منبوذًا وصاحبه مخذولًا، أما في الوقت الحاضر فقد صار هذا الرأي مقبولًا وصاحبه ناجحًا؛ لأن المبادئ الأساسية في الحياة تغيرت وصار من يتمسك بالآراء الفاضلة موصوفًا بأنه جامد أو محافظ أو رجعي، وأن الحديث أو المساير للحياة هو المتغلب.

وعلة هذا التحول ضعف أو مرض أصاب الوعي والضمير.

ولذلك كف العقلاء عن الدعوة إلى الوعي والضمير لثقتهم بأن نتيجة دعوتهم سلبية محضة، والحقيقة أن الدعوة إلى الحق والاستقامة واجبة في كل الأحوال، ولكن باللين واللطف والمنطق، وقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم قرآنه ()، فالحكيم من يدعو إلى الحسنى بالحسنى.

أحب أن أقول قولًا صريحًا أنفي به وهمًا شائعًا وهو أن الشعب المصري لا يكنُّ البغض لأي شعب في العالم؛ لأنه مفطور على الحب والصفح والكرم والنسيان.

ولكن الذي نبغضه حقًّا هو الذل والظلم أيًّا كان مصدرهما، وقد تكون لبعض الأمم عنجهية وكبرياء وتشامخ، وهذه صفات بغيضة إلى الناس في الحياة الاجتماعية كما أنها بغيضة إلى الله سبحانه وتعالى كما ورد في جميع الكتب المنزلة ولا سيما القرآن الكريم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.