تاريخنا الطويل يشهد بأن موقعنا المتوسط بين جناحَي العالم العربي جعلنا الملتقى والمنطلَق لتياراته المتضاربة، كما فرض علينا دورًا نؤديه لضم الجناحين، أو مدِّهما بالقوة التي تمكِّنهما من التحليق، أو في الأقل دفْع الأذى عنهما، وكأنما ندفعه عن أنفسنا. وإن أردت شواهد على ذلك فارجع إلى العهد الفاطمي، أو عهد صلاح الدين، أو محمد علي، أو جمال عبد الناصر، بل ارجع إذا شئت إلى العصر الفرعوني نفسه.

من أجل ذلك حُقَّ لنا أن نقول عن دورنا العربي: إنه قدرُنا الذي لا فكاك منه. ولكن الزمن تغير، فما كان صالحًا للأمس لم يعد صالحًا لليوم؛ اليوم تقوم على ساحة العالم دول عملاقة تغطي استراتيجيتها خطوط الطول والعرض، وتتدفق مسئولياتها ومصالحها بغير حدود، وتهيأ المسرح لرواية جديدة، وبالتالي يجب أن تتغير الأدوار، وأن تتساءل الأمم الصغيرة عما بقي لها في العالم الجديد من دور يناسب حجمها ويليق بمجدها معًا.

ولأن هذا السؤال لم يستوعبه محمد علي ولا جمال عبد الناصر فقد انتهى كل منهما بنكسة أودت به وأوشكت أن تودي بوطنه، فهيهات أن نلقى اليوم ما يليق بنا في مجالات الزعامة أو القوة أو السياسة، ولكن أمامنا مجالًا آخر في الحضارة بما تحوي من تراث ومعاصرة، وهو القيمة الحقيقية التي تعتز الإنسانية بإيداعها فوق الأرض، وفي هذا المجال تقاس الهمم لا بالحجم ولا بالكثافة ولا بالقوة، ولكن بالقيمة والفائدة وحسن الأثر.

إن دورنا الحقيقي أن نتعلم ونتثقف ونبدع، وأن نعطي العالم مثلما نأخذ منه، وحذارِ أن تظن أنني أدعو إلى الانعزال عن الأمم العربية، ولكنني أدعو إلى وحدة تنهض أساسًا على التكامل الاقتصادي والثقافي والعلمي، بعيدًا عن التحدي والاستفزاز وتبديد المال فيما لا يفيد. فلنعرف دورنا، ولنتهيأ لإتقانه، ولنتخلَّ عن أحلامٍ مضى عهدها وانقضى، ولنؤمن بكل قوة بأن دورنا الجديد أعظم من سابقه وأبقى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.