حدثني بعض الزملاء قال إن الأدباء الشبان يزعمون أننا نحن «الشيوخ» — كما يسموننا — نسد في وجوههم كل الفجاج! فتبسمت وقلت لنفسي: يظهر أن شياطيننا مردة، وشياطينهم صبية صغار لا يزالون يلعبون في «الحارة» ويُهملون اكتساب المعرفة والتجربة والحنكة!

وأتكلم جادًّا فأقول إني تذكرت كيف كنت وأنا غض السن صغيرها، وكيف كان يُخجلني حتى أن أمر على مقهى، فأنزل عن الرصيف إلى الشارع! وكيف كنت أحيي الليل بالسهر وأنا عاكف على قراءة كتب عويصة مثل «أصل الأنواع» لداروين، وعلى طبعة سخيفة ولكنها رخيصة — وتلك كانت مَزِيَّتها يومئذٍ — لكتاب الأغاني تكاد تعصف بالعقل، وعلى طبعة «هندية» أهداها إليَّ صديق كريم لديوان الشريف الرضي، محشوة بالأغلاط والتصحيف والتحريف.

وتذكرت كيف كنت أنفق نصف دخلي على اقتناء الكتب، وكان موظفو مكتبة «ديمر» يعرفونني ويأتمنونني لكثرة ما أشتري منهم، وهو في كل شهر فوق الكفاية لشهور، ومع ذلك غافَلْتُهم وسرقت طبعة «جيب» لروايات شكسبير، وإن كانت عندي مجموعة كاملة منها بشروحها وتفاسيرها، ولا خوف من الاعتراف بهذه الجريمة، فقد سقطت «بمضي المدة» ثم إنها جريمة طالب معرفة، لا جريمة طامع في مال!

وكنت كثير «الغياب» في مدرسة المعلمين، لأني كنت أسهر إلى الصباح أقرأ وأحاول أن أفهم، ثم أنام فأتخلَّف، فدعاني ناظر المدرسة المرحوم إسماعيل حسنين باشا — عليه ألف رحمة — وقال لي: «يا بني، إنك «حمار» في العلوم الرياضية، وأنا أخشى عليك الرسوب، ولا ألومك على التخلف ما دام هذا عذرك، فخذ إجازة خمسة عشر يومًا، واقرأ ما شئت، ثم واظب بعد ذلك على الحضور.»

وكان أساتذتنا يحضوننا على القراءة، وتخرجت، وصرت مدرسًا في مدرسة ثانوية، واتفق يومًا أن كنت في مقهى فيما يعرف الآن بميدان الإسماعيلية، وكان معي كتاب «الشاعر على مائدة الإفطار» لويندل هولمز، وكنت أقرأ فيه، فما كان هناك يومئذٍ بنات يشغلن الجالس في المقهى بالنظر إليهن مُقْبِلات ومُدْبِرات، فمر أستاذي في الأدب الإنجليزي، فنهضت لتحيته، فقال لي بعد كلام: «لقد أصبحت موظفًا، وأكبر ظني أنك انصرفت عن القراءة والاطلاع.» فأريته الكتاب، فربَّت على كتفي وقال: «هذا ما أرجو، أن تظل تقرأ وتقرأ ولا تشبع، وأن تحرص دائمًا على أن تضيف عقولًا إلى عقلك.» فقلت في سري: هذا مثل كلام الجاحظ الذي ما ترك في زمانه شيئًا يُقرأ إلا قرأه، وقد مات حين سقطت عليه كتبه!

وكنت أكتب، وأنظم الشعر، وأحاول النشر، ولم يكن ثمة سوى جريدتين تشجعان الأدب، هما «الدستور» لفريد وجدي بك، و«الجريدة» للطفي السيد بك، وكنا نفرح حين يُنشر لنا شيء، وإن كنا لا نتقاضى عليه أجرًا، فما كان يخطر لنا الأجر على بال، ونظمت قصيدة طويلة قلت أنشرها في «اللواء» فلبثت ثلاثة أسابيع أسعى وأرسل الشفعاء والوسطاء حتى نُشِرَ نصفها!

وكنا نطبع الكتب على نفقتنا، ونودعها المكتبات «أمانات»، ويتكفل الإخوان «بتوزيع» بعضها مجاملة ومساعدة. ومن ألطف ما يُروى أن أحد إخواننا طبع كتابًا، وأودع نسخًا منه مكتبة، ثم مَرَّ بعد شهور بالمكتبة يسأل عمَّا بيع من كتابه، فطلب صاحبها «الإيصال» فقدمه إليه، فدسه في فمه وبلعه!

وأصبحت أديبًا معروفًا، تستكتبه صحف شتى، واسمه يظهر كل يوم، وكنت أكتب وأنشر، منذ سنة ١٩٠٧، ومع ذلك بِعْتُ أضخم كتاب لي — وأحسن ما كتبت في رأي بعض الزملاء — في سنة ١٩٢٤ بثلاثين جنيها! وقد طُبِعَ الكتاب ثلاث مرات، ولكن هذا كل ما أفدت منه، ويقول المثل العامي «يكفيني نعيرها»، أي الساقية ولم يخرج منها ماء! وقد كفاني «نعيرها» فعلًا.

وفي سنة ١٩٢٩ تفضل ناشر فطلب أن ينشر لي «صندق الدنيا» وهو أروج كتبي، فقبلت وطُبِعَ الكتاب، ونفد، ولم أقبض من ثمنه مليمًا واحدًا!!

وفي سنة ١٩٣٠ طلبت مني مجلة الهلال مقالًا، فلبيت، وبعد أيام تلقيت رسالة مسجلة فيها «شيك» بخمسة جنيهات! وكنت وحدي في غرفتي، ومع ذلك احمرَّ وجهي خجلًا — أو شعرت أنه احمَرَّ — فقد كان هذا أول أجر على مقال أدبي، وكان قد تقرَّر في نفسي أن الإنتاج الأدبي لا يباع، ولا يطلب به الربح.

أريد أن أقول إن طريق الأديب طويل وشاق، وإن ظل خطوة فيه تتطلب منه كفاحًا وصبرًا، وإن الذين يُعَدُّون شيوخًا فيه إنما صاروا كذلك، لا بارتفاع السن، بل بأنهم يعدون أنفسهم «تلاميذ» لا تنقضي حاجتهم إلى الدرس والتحصيل والمثابرة عليهما، وبالنظر والتأمُّل، ومحاولة الإدراك الصحيح.

وهل يستطيع أحد أن يعيش بلا طعام؟ كذلك العقل لا بد له من غذاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Ahmed Mohammad ·٣ ديسمبر ٢٠١٣، ٩:١٤ ص

    مقال ممتاز وطريف كجميع مقالات المازني