تحتلُّ مصر موقعًا استراتيجيًّا مميزًا بين القارات، يدفعها حين الشعور بالقوة وامتلاك أسبابها إلى الامتداد، ويجعلها حين الضعف فريسةً للطامعين. قديمًا أَسَّسَتْ أول إمبراطورية في التاريخ، ثم تتابع عليها الحكم الأجنبي في ليل طويل. وما زال هذا الموقع الفريد يُدير الرءوس في عصرنا الحديث، فيُغري بالعظمة والتسلط برغم تغير الظروف والأحوال، فمصر لم تَعُدْ من مراكز القوى المعدودة في العالم، وظهر في الدنيا عمالقة جُدُد تُقاس قوتهم إلى قوتنا بما تقاس به النجوم إلى الكواكب.

ونتناسى هذه الحقيقة أحيانًا في نشوة من نشوات النجاح، تناساها محمد علي، فأنشأ إمبراطوريةً متجاهلًا تربص الإمبراطوريات من حوله؛ فعرَّض نفسه وبلاده إلى قضاء شبه محتوم، فصُفِّيَتْ إمبراطوريته، بل صفَّى هو ما بناه في الداخل بنفسه، وأرجعنا إلى نقطة الصفر. تناساها جمال عبد الناصر، فشرع ينشر جناحيْ وطنه شرقًا وغربًا متحديًا إمبراطوريات الأمس والغد، فَجَرَّ بلاده إلى قضاءٍ شبه محتوم، فتوقف عمله البنائي، وأرجَعَنَا إلى الصفر.

على مصر أن تقيم سياستها الخارجية — أول ما تقيمها — على تجنُّب تحدي القوى العملاقة؛ لتتجنب ذلك المصير المشئوم. نحن مثل الكواكب التي تدور في مداراتها حول النجوم، إذا انحرفت بعيدًا ماتت بردًا، وإذا انحرفت قريبًا هلكت احتراقًا؛ فعلينا أن نهتدي إلى سواء سبيلنا المرسوم بحكم الزمان والمكان.

وهي دعوة إلى النجاة لا إلى الاستسلام، ولا تمسُّ طموحَنَا الشريف إلى المجد؛ فثمة دول من أصغر الدول حجمًا وسكانًا وقوة ولكنها تحتلُّ منزلة في الحضارة ترفعها إلى القمم، كالسويد، والدانمارك، وسويسرا. فليس التفوق مقصورًا على القوة وحدها، ولكن يوجد مجال آخر أصعب وأنبل لإثبات الذات في الحضارة والعلم والثقافة. علينا أن نستفيد من تاريخنا، وأن نفهم واقعنا، وأن نبني مشروعنا على أرض السلام والعلم والإيمان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.