في الطبيعة الإنسانية قصد عجيب؛ لأنه يحسب الحساب الدقيق للانتفاع بجميع المزايا والمَلَكات، والتوفيق بين جميع المقاصد والضرورات، ولو بدا في ظاهر الأمر أنها من النقائض التي لا تقبل التوفيق بحال.

منذ القِدَم الأَقْدَم، عَرَف النوعُ الإنسانيُّ أنه محتاج إلى قيود القانون والعرف والآداب الاجتماعية، وعرف إلى جانب ذلك أن هذه القيود قد تسرف في وضعها أو تتقيدها؛ حتى لا تَجُور على مَلَكات الحرية والابتكار وتُغْلِق أمام الناس أبواب التغيير والتنقيح، ففتح منفذين باقيين لاستدراك الخطأ وموازنة الإسراف واحتمال المراجعة والتصحيح؛ وهما: منفذ الفن الجميل، ومنفذ الفكاهة والمزاح.

ففي أحرج العصور التي كانوا يُحرِّمون فيها الإشارة إلى المرأة، أو التحدث بالمحظورات، أو الاجتراء على الحرمات والمقدسات كان الشعراء يتغزلون، وكان المغنون يترنمون بالغزل والمجون، وكان الظرفاء ينطلقون فلا يتورعون عن نكتة تصيب هذا الإمام المُتزمِّت الوقور أو ضحكة تصيب ذلك العرف المأثور.

وكانت الطبيعة الإنسانية تغضي عن هذا جميعه؛ لأنها ترى فيه ضمانًا للحرية وإطلاق المَلَكات، واتقاء الإفراط والعنت في قيود القوانين والآداب.

وإذا تعذَّر على الطبيعة الإنسانية أن تُوفِّق بين التقديس والسخرية في بعض الشئون، فهي لا تعدم سبيلًا للخلاص من هذا الحرج يخلعها الظرفاء والأدباء وأصحاب الفنون من ربقة القوانين والآداب، واعتبارهم «خلعاء» أو مخلوعين من تلك القيود التي يتقيَّد بها الناس كافة فلا يُلامون ولا يُحاسَبون … لأنها تشعر في أعماق أغوارها أنها لا تُرِيد أن تلومهم ولا تطبق الإفراط في التضييق عليهم، فتحتال على التوفيق بين النقيضين بإقامة القانون، وإخراج الظرفاء والأدباء من هذه الحوزة التي يقوم فيها حكمه المرهوب؛ فالقانون قائم والأدب والفكاهة قائمان إلى جانبه على السواء.

وكذلك وُجِدَتْ في الدنيا عصور كانت فيها هذه الحقيقة شاخصة للأبصار في هيئة السلطان القاهر، وإلى جانبه شاعره وندَّاه الخالدان: كل ما في بلاط ذلك السلطان يُمثِّل القانون الصارم الذي لا هوادة فيه والمراسم المحدودة التي لا خروج عليها، إلا اثنين بين الحاشية من أكبرها إلى أصغرها يُباح لهما ما لا يُباح لغيرهما؛ وهما: الشاعر، والنديم.

فهذان الرجلان، بل هذان الرمزان في الحقيقة، قائمان هنالك لتمثيل الفن والفكاهة أو لتمثيل الطلاقة التي تدخرها الطبيعة الإنسانية لمنع العنت والتمهيد للمراجعة والتنقيح في كل ما يتجاوز حده من النواهي والقيود.

***

فالحرية شرط أصيل للفن والفكاهة بل هي قانون الفن والفكاهة الذي شاءت الطبيعة الإنسانية أن تُغلِّبه على جميع القوانين، وأن تفتح له منفذًا في جميع السدود.

وإن شئتَ فقُلْ إن الفنان والظريف هما الكاهنان المرسومان في هيكل الحرية من قِبل الطبيعة الإنسانية، لإعطاء هذه المعبودة الغالية حقَّها من الشعائر والولاء، وإن كانا لا ينالان من الناس ما يناله الكهان المُبجَّلون.

وربما قيل إن الآداب والفكاهات قد راجتْ في عصور كثيرة معروفة بالظلم والاستبداد، فكيف نعتقد إذن أن الحرية شرط لا غِنى عنه من شروط الأدب والفكاهة؟! وكيف يُقال إن فقدان الحرية يتبعه لا محالة فقدان الأدباء والظرفاء؟!

والذي ينساه المعترضون بهذا الاعتراض أن موضوعات الاجتماع والسياسة لم تدخل في نطاق الأدب والفن إلا في العصر الحديث، وأن الأديب قبل ألف سنة — أو قبل عصر المطبعة والحرية الشعبية — لم يكن يريد أن يكتب في شئون الدولة أو شئون الحقوق الاجتماعية حتى يقال إنه كان حرًّا أو كان مقيدًا في الكتابة عنها، فأما ما عدا ذلك من الشئون فقد كانت حريته فيها على أوسع ما تكون حتى لو صدمَتْ أقدس المحارم وأرفع المقامات.

ولكن الأديب اليوم يعيش في ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية؛ لأنه على اتصال وثيق بالجمهرة العظمى من الناس، ولأنه مطبوع على الشعور بتيارات الحياة فلا انفصال بينه وبين أطوار الجماعات، ولا سبيل إلى التفرقة بين الحرية الفنية والحرية السياسية إلا مع العزلة التي يعكف فيها الأديب على نفسه كما يعكف الرهبان في صوامع الصحراء؛ فكل ما يكتبه الأديب في عصرنا فهو وشيك المساس بأحوال الأمم من قريب أو بعيد، ولو كان وصفًا للربيع أو عطفًا على المساكين أو سخطًا على الزمان.

***

لهذا يُشاهَد في عصرنا هذا أن زوال الحرية السياسية يتبعه زوال الحرية الفنية أو يتبعه العقم السريع في قرائح أصحاب الفنون، ولو كانت الأمم قبل ذلك مخصابًا وَلودًا للنوابغ والعبقريين كما عُهِد من قبل في الطليان والألمان والروسيين.

ولا اختيار للحاكم المطلق في تقييد الحرية الفنية؛ لأن الضرورات تُخضِعه لأحكامها كما تُخضع الأديب والمصور والممثل والموسيقار، فإذا أراد السيطرة المطلقة فلا مناص له من عقابيلها ولا حيلة له في جرائرها، وإن كان في دخيلة نفسه من أنصار الفنون.

وربما أوجبت الضرورةُ على الحاكم المطلق أن يحجر على رجال الفنون في أقاويلهم الخاصة فضلًا عن حَجره على آثارهم الفنية وكتاباتهم المطبوعة، كما حدث في ألمانيا حين أصدر وزيرُ الدعوة أَمْرَه بفصل أولئك الممثلين الثلاثة من غرفة الدولة الثقافية؛ لأنهم تناولوا الزعماء والنظم النازية بالمزاح والتنكيت، فسقطت عنهم حقوق الثقافة الجرمانية وأصبحوا غير أهل لرسالة الفن عند الآريين.

ومن طرائف هذه الحادثة، أن وزير الدعوة أشفق مِنْ تَسامُعِ الناس بها واستدلالِهم منها على نضوب الفكاهة بين الجرمان؛ فكتب في الصحف مقالًا مسهبًا يشرح فيه معنى الفكاهة، ويُثبِت فيه بالأدلة الرسمية أن الفكاهة الصحيحة موفورة بين أبناء الشعب الجرماني، وأن الممثلين الثلاثة على عكس ذلك ليس لهم منها نصيب.

وأعقب ذلك بإيعازه إلى صحيفة أنجريف Angriff أن تُعلِن عن مسابقة عامة ذات جوائز متعددة لمن يُقِيمون الدليلَ على صحة مقال الوزير؛ فنال الجائزةَ الأولى — وهي مائة مارك — عاملُ بناءٍ اسمه «كورت نومان»؛ لأنه أرسل إلى الصحيفة بعض النكات المصوَّرة، ومنها هاتان النكتتان:

رسم صورة تخطيطية لراقصة توشك أن تكون عارية خرجت إلى مدير المسرح وهي تقول غاضبة: أتُرَاني أستطيع الظهور أمام الناس بهذه الملابس؟! فسألها المدير: ولِمَ لا؟! ألأنها تبدي كثيرًا جدًّا؟! فقالت: كلا أيها الشيخ الأحمق، بل لأنها تبدي قليلًا جدًّا! …

أما النكتة الثانية التي ظفرتْ بتنويه المحكمين؛ فهي أيضًا صورة فتاة توشك أن تكون عارية تقول لزوجها: ما بالك لا تنظر إلى ملابسي الجديدة؟! إنني اشتريتُها بالتقسيط! فيقول لها زوجها: حسن؛ وأظن الذي عليك الآن هو القسط الأول من الملابس!

وقد ذكر المحكمون في تعقيبهم على القرار الذي منحوه به الجائزة الأولى أنهم أُعجِبوا منه برجولة العامل البناء الذي يدأب على مشقاته ويستخدم ساعات فراغه في الترفيه عن زملائه بابتكاره المستملح وتنكيته الظريف، فكأنما يريد المحكمون فكاهة تعين على احتمال الشقاء وتساعد على الصبر وتُسهِّل مهمة الحكم للحكام المطلقين.

أما النكات التي لا تُحسَب من الفكاهة الجيِّدة في رأي خبراء الحزب فقد مثَّلوا لها بهذه النكتة التالية التي تشيع اليوم في برلين:

ذهب موظف كبير من جبهة العمل الجرمانية إلى أحد المصانع للتفتيش والمراقبة، فأبصر عاملًا يلتهم شطيرة كبيرة، فسأله: هل تدري مَنْ أنت مَدِين له بالشكر من أجل هذا الطعام؟ أظنك تدري … أليس كذلك؟ فأجابه العامل: كلا … فمن هو؟ … قال المفتش: إنك مَدِين بالشكر للزعماء. فغفل العامل عن موقفه وأجاب المفتش قائلًا: معذرة يا سيدي! بل أنا مَدِين بها على نقيض ذلك لصرَّافنا العزيز؛ لأنه نسي أن يقطع ضريبة الجبهة — جبهة العمل — من أجرة هذا الأسبوع!

***

وهكذا يصبح للدولة المطلَقة رأي «قانوني» في التمييز بين النكات الجيِّدة والنكات الرديئة، ويصبح من حقها أن تستحسن للناس ما يضحكون منه ويصغون إليه، فأما النكتة الجيدة فهي تلك التي تدع للحاكمين أن يفعلوا ما يشاءون ولا تدع للناس إلا الصبر والرضا بما يفعلون، وأما النكتة الرديئة فهي تلك التي تشتمل على نقد الحاكمين ولو من وراء غطاء، ولا عجب أن ينضب مَعين الفن والفكاهة إذا سيطرت عليهما هذه الأحكام، وهذه القيود.

***

ولِقائلٍ أن يسأل: وماذا يضير الدولة أن ينضب مَعين الفن أو ينضب مَعين الفكاهة؟!

والجواب لذلك القائل: ماذا يضيرك أن تَعبُر بالشجرة في الربيع وعليها الطيور خرساء لا تُغرِّد ولا تصيح؟

لا شيء!

لكن هل تستطيع أن تُخفي على نفسك أن في تلك الشجرة أو في الجو الذي يحيط بها شيئًا مخالفًا للطبيعة والحياة، وشيئًا لا محيص لك من أن تحسب لعقباه ألف حساب؟!

وتلك هي الحالة بعينها كلما نضب في الأمة مَعين الفكاهة ونضب مَعين الفنون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.