لم يكن صدقي باشا في يوم من الأيام أقوى مما كان أمس، كما أن وزارة صدقي باشا لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما كانت في اليوم الذي رفع فيه صدقي باشا استقالتها إلى جلالة الملك، وكما أن حزب الشعب لم يكن في يوم من الأيام أقوى مما كان في اليوم الذي طافَتْ فيه تلك الجنود الخفية على أعضائه بتلك العريضة، التي كانت تلغي حكم الرئيس في الوزيرين المفصولين المردودين. والناس يخطئون خطأ ظاهرًا في فهم القوة وتفسيرها؛ فهم يظنون أن القوة هي هذه القدرة التي تمكِّنك من أن تأتي ما تريد، وتدع ما لا تريد، وهم يظنون أن وزارة صدقي باشا كانت ضعيفةً يوم استقالت لأنها أتت ما لم تكن تريد من الاستقالة، وتركت ما كانت تريد من البقاء في الحكم، وهم يظنون أن حزب الشعب كان ضعيفًا؛ لأنه ترك العريضة تمر على الأعضاء، ولم يكن يريد أن يفكِّر فيها مفكِّر، ولا أن يكتبها كاتب، ولا أن يدور بها دائر على الأعضاء.

كذلك يظن الناس، ولكنهم مخطئون؛ فالقوة الحقيقة، القوة التي تفرض نفسها على الناس فرضًا، القوة التي تُبهِر العقول، وتسحر القلوب وتفحم الخصوم، هي هذه القوة الفلسفية التي أشار بها ذلك الفيلسوف اليوناني القديم حين كان يقول للناس: إذا لم يكن ما تريدون، فَلْتريدوا ما يكون.

ولم يستطع صدقي باشا أن يبقى في الحكم، وكان اعتزاله للحكم أمرًا محتومًا، فأراد اعتزال الحكم ليلائم بين إرادته، وبين ما تقضي به الظروف وتفرضه الضرورة القاسية. وكان حزب الشعب لا يستطيع أن يُقصِي الوزيرين عن الحظيرة، ولم يكن بد من أن يعودَا إلى حظيرتهما، بين الإخوان والأصدقاء؛ فأراد حزب الشعب أن يعودَا ليلائم بين إرادته، وبين ما تقضي به الظروف، وما تفرضه الضرورة القاسية.

وكذلك كان رئيس الوزراء وصاحباه أقوياء إلى أقصى حدود القوة؛ لأنهم أرادوا شيئًا، فتَمَّ ما أرادوا. وكان صدقي باشا وأصحابه أقوياء إلى أقصى غاية القوة؛ لأنهم لما لم يستطيعوا أن يغيِّروا المكتوب أرادوه وأذعنوا له، وأي قوة أقوى وأي عزة أعز من الإذعان والخضوع حين لا يكون بد من الإذعان والخضوع. وإذا كان صدقي باشا لم ينتصر على خصمه أو على خصومه، فإن صدقي باشا قد انتصر على نفسه، فأخذها بما تكره من تقديم الطاعة والاستسلام لسلطان الخصم القوي، والانتصار على النفس أروع أنواع الانتصار.

وصدقي باشا رجل لبق، وصدقي باشا رجل موفَّق يعيبه ثلاثة من الوزراء، ولكن ظروف الحياة كلها تواتيه، وتخضع لذكائه النادر، وكفايته البارعة، فهو في حقيقة الأمر مقهور مغلوب، ولكنه استطاع أن يخيِّل إلى نفسه أنه قاهِرٌ غالبٌ، وآية ذلك أن الذين طُرِدوا من الحظيرة لم يستطيعوا أن يدخلوها إلا بعد أن أذن لهم صدقي باشا في الدخول. فأنت لم تَنْسَ أنه جمع إليه مجلس إدارة الحزب يوم الخميس، وطلب إلى الأعضاء أن يرتاحوا لعودة المفصولين، كما ارتاح هو. وقد ارتاح الأعضاء كما ارتاح الرئيس، وفتح باب الحظيرة للمفصولين، فدخلوه بسلام آمنين. وسلطان صدقي باشا ليس مقصورًا على نفسه ولا على أصحابه، وإنما هو يتجاوزهم ويتجاوز نفسه إلى ما لا يناله سلطان الناس عادةً، من أعراض الطبيعة وظروف الحياة. فقد أذن صدقي باشا للمفصولين بالعودة إلى الحزب، فقرَّروا أن يعودوا أمس، وكانوا يريدون قبل كل شيء أن يعتذروا إلى صدقي باشا مما أساءوا إليه، ويشكروا لصدقي باشا إذنه لهم بالرجوع، ويستمدوا من صدقي باشا قوة وعونًا على النهوض بتصريف الأمور، ولكن صدقي باشا لم يُرِدْ أن يراهم ولا أن يسمع منهم عذرًا ولا شكرًا، فطلب إلى المرض أن يُلِمَّ به يومًا، وأن يكون هذا اليوم يوم الاثنين. والغريب أن المرض أذعن لأمر الرئيس، فما أسرع ما أقبل يسعى في هدوء ودعة، وكآبة مبتسمة كهذه الكآبة المبتسمة التي تغشى وجه صدقي باشا منذ استقال أو أُقِيل، أقبل المرض يسعى فمَسَّ صدقي باشا مسًّا خفيفًا، وإذا دوار خفيف، ويُدعَى الطبيب فيشير على صدقي باشا بأن يعتكف أمس، ويخرج اليوم.

وكذلك لزم صدقي باشا داره أمس مريضًا، وأقبل المفصولون المقبولون فزاروا الحزب وتكلَّموا، واستمعوا، وانصرفوا، لم يبسطوا عذرًا، ولم يرفعوا شكرًا، ولكنهم ظفروا بالتأييد كل التأييد، لا من الحزب، فتأييد الحزب مكفول من زمن بعيد، بل من صدقي باشا. وكيف يمتنع صدقي باشا عن التأييد بعد أن أذن بالرجوع إلى الحظيرة؟ ولكن صدقي باشا يؤيِّد من بعيد، يمنح تأييده من وراء حجاب، كما يمنح الأولياء بركتهم من الضريح. والظاهر أن هذا النحو من منح البركة والتأييد قد تعلَّمَه صدقي باشا منذ شهر أبريل ومايو الماضيين، حين كان يُكثِر من زيارة الأضرحة والتبرُّك بقبور الأولياء، فيحس بركتهم ترقى إليه فتغرقه إلى أذنيه. من ذلك الحين عرف صدقي باشا أن رجال السياسة يستطيعون أن يكونوا كالأولياء والقديسين، يمنحون التأييد منحًا، وينفحون البركة نفحًا، دون أن يمسوا طلَّاب التأييد والبركة بأيديهم، أو ينظروا إليهم بالعيون.

وكذلك خرج رئيس الوزراء أمس من حزب الشعب مؤيدًا مباركًا، نستغفر الله، بل لم يكد رئيس الوزراء يعود إلى الحظيرة أمس حتى شمله السر ونالته البركة. ونظر فإذا هو خطيب مبين، يقول فيعجز القائلين، وأشهد لقد قرأت خطبة رئيس الوزراء على قِصَرها أربع مرات، وأشهد لقد أعجبتُ بها، وما زلتُ أعجب بها كما لم أُعجَب قطُّ بخطبة سياسية، حتى خطب العظماء.

فخطبة رئيس الوزراء على قِصَرها مباركة، تمتاز بخصالٍ لم يُتِحْها القضاء لأحدٍ من الخطباء. وأظهر هذه الخصال أنها لا تحب المنطق، ولا استقامة الكلام، وإنما تزدريهما ازدراءً، وتتركهما في سخريةٍ لأرسطو طاليتس، وأشباهه من علماء البيان. فإذا كنتَ في شك من هذا، أو كنتَ في حاجة إلى أن تذوَّق البيان الجديد الذي يستمد عذوبته وسحره من سر صدقي باشا وبركته، لا من استقامة الكلام وإصابة التفكير؛ فانظر كيف بدأ رئيس الوزراء آيته البيانية بهذه الجملة الخالدة: «أؤكِّد لحضراتكم أنه ما كان ليخطر ببالي أنه يوجد خلاف في صفوفنا، وانتهى الأمر وأصبحنا اليوم في حالة أقوى مما كنَّا بالأمس.»

أقرأت؟ أفهمت؟ أذقتَ هذا الكلام العذب؟ أفتنتَ بهذا السحر الحلال؟ رئيس الوزراء يؤكِّد أنه لم يكن ليخطر بباله أنه يوجد خلاف في صفوف الحزب وانتهى الأمر، وأصبح الحزب اليوم أقوى مما كان بالأمس. أما أنا فيعجبني هذا الكلام لا لأني أفهمه، بل لأني لا أفهمه، وخير الكلام ما لم يُفهَم، وأجمل الكلام ما قَلَّ ولم يدل. وكيف تريد أن أفهم أنه لم يخطر ببال رئيس الوزراء أنه يوجد خلاف في صفوف الحزب وانتهى الأمر وعاد الحزب قويًّا؟ قلِّبْ هذا الكلام على ما شئتَ من وجوهه، وظهوره، وجنوبه، فلن تفهم منه إلا أن رئيس الوزراء لم يكن ليخطر بباله أنه يوجد خلاف في صفوف الحزب وانتهى الأمر وأصبح الحزب قويًّا.

قلتُ لك إن مَزِيَّة هذا الكلام أنه غير مفهوم، ووضوح الكلام عيب من عيوب الخطباء، فإذا كان الخطباء ساسة، فوضوح الكلام أدخل في العيب، فإذا كان الخطباء رؤساء وزارات أو نوَّاب أحزاب، فوضوح الكلام عيب لا يُحتمَل، وعِيٌّ لا يُطَاق.

ولعلك إن التمستَ الأسباب لما أصاب صدقي باشا وأمثاله من رؤساء الوزارات من الإخفاق، لم تجد سببًا إلا أنهم كانوا يخطبون فيقولون كلامًا مفهومًا؛ ولهذا أقدِّر لرئيس الوزارة القائمة توفيقًا لم يظفر به صدقي باشا وأمثاله؛ لأنه استطاع أن يتجنَّبَ عيب الوضوح، ويبرأ من داء الكلام المفهوم، ويقول كلامًا ليس إلى فهمه من سبيل.

وهناك سبب آخَر لعله أثَّر في إخفاق صدقي باشا، وأمثاله من رؤساء الوزارات، وهو أنهم كانوا يلائمون بين سيرتهم وكلامهم بعض الملاءمة في الوضوح، فيظهر ما في سيرتهم من الضعف، وما في أعمالهم من الخطأ، أما رئيس الوزراء فلن يصيبه الإخفاق لأن سيرته في الحكم ستكون ككلامه أمس غير مفهومة ولا بيِّنَة؛ وإذن فلن يظهر فيها ضعف ولا قوة، ولن يتبيَّن فيها خطأ ولا صواب، والبراعة السياسية الصحيحة هي أن يعجز الناس عن فهم سياستك فيصيبهم العجز عن نقدها، كما أن البراعة البيانية الصحيحة هي أن يعجز الناس عن فهم ما تقول، فيصيبهم العجز عن نقد ما تقول. وأنا أؤكد أن رئيس الوزراء قد ظفر بحظٍّ موفورٍ من البراعة في السياسة ومن البراعة في البيان. فكُنْ ماهرًا ما وسعتك المهارة، فلن تستطيع أن تفهم سياسة رئيس الوزراء على وجهها، أملائمة هي لما كان يراه حين أخرجه صدقي باشا من الحكم؟ أمخالفة هي لما كان يراه في ذلك الوقت؟ أمعتمدة هي على تأييد صدقي باشا؟ أمعتمدة هي على خصومة صدقي باشا؟ أمُقِرَّة هي لما يقع في الأقاليم من الظلم؟ أمُنكِرة هي لهذا الظلم الذي تشكو منه الأقاليم؟ لن تستطيع أن تجيب؛ لأنك لن تستطيع أن تفهم. وكن أدبيًّا ما وسعك الأدب، فلن تستطيع أن تنقد تصريح رئيس الوزراء أمس. أكان بين الحزب خلاف؟ أكان بين الحزب وفاق؟ أكان الحزب ضعيفًا فأصبح قويًّا؟ أكان الحزب قويًّا فأصبح ضعيفًا؟ أكان الحزب فقيرًا فاغتنى؟ أكان الحزب غنيًّا فافتقر؟ لن تستطيع أن تجيب؛ لأنك لن تستطيع أن تفهم. أرأيت أن صدقي باشا رجل مبارَك باتع السر يؤيِّد من بعيد فيحدث الأعاجيب، فكيف لو أيَّدَ من قريب؟ ولكنك تسألني، وإذا كان صدقي باشا باتعًا إلى هذا الحد، فما باله لم يبارك على نفسه ولم يعصم وزارته من السقوط؟ ولكن جواب هذا يسير، فصدقي باشا رجلٌ لا يحب نفسه، ولا يؤثرها، وإنما يحب غيره، ويحب خصومه بنوعٍ خاص.

وآية ذلك واضحة لا تحتاج إلى بحث ولا إلى سؤال، فهو لم يستَقِلْ إلا ليخلفه خصمه على رياسة الوزارة. وصدقي باشا رجلٌ من هذا الطراز القديم النادر الذي لا يوجد الآن إلا بين القديسين.

زعموا أنه تبرَّكَ بالقديسة تيريز قبل سفره إلى أوروبا، فتعلَّمَ منها أو من بركتها كيف يعمل بحكمة الإنجيل، فيقدِّم خده الشمال لمَنْ يمس خده اليمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.