النكتة سلاح.

نعم؛ سلاح تحارب به الأمم المغلوبة من يغلبونها، سواء أكانوا من أبنائها أو من أبناء الأمم الأخرى.

وإذا كان الغالبون أجانب عن الأمة التي يحكمونها، فالنكتة هنا تنقلب إلى سلاح للمناجزة والمفاخرة بين الأقوام والشعوب.

فيصول الغالب بالسيف والنار وينتقم منه المغلوب بالنكتة الحاضرة، ولسان حاله يقول: أنت تخضعني وأنا أجعلك أضحوكة بين العالمين، وأنت تظهرني للناس ضعيفًا مقهورًا وأنا أظهرك للناس سخيفًا تقهره النكتة وتقهرهم على الضحك منه.

وقد غلب الرومان المصريين في زمن من الأزمان فأغرقهم المصريون بالنكات والفكاهات؛ حتى صدر الأمر الإمبراطوري بتحريم اشتغال المصريين بالمرافعة في المحاكم؛ لأنهم — كما زعموا — يخلطون الجد بالمزاح ويُخلُّون بوقار القضاء. وحضر بعض القياصرة من رومة إلى الإسكندرية لِعِقاب أهلها على السَّخْر منه وتسليط فكاهتهم عليه، وهو المسلط عليهم بالصولة والصولجان.

ولم يكن نصيب الأمم الأخرى بأقل من نصيب الرومان من فكاهات المصريين في قديم الزمان، فلا تُعرَف أمةٌ بين أمم البحر الأبيض المتوسط لم يتناولها المصريون بالتنكيت كلما جمعت بينهم وبينها علاقة الحكم والسياسة.

والعناية الإلهية تجود بمَلَكة التنكيت على الأفراد المحتاجين إليها ليرُدُّوا بها سخرية الساخرين وكبرياء المتكبرين، فلا تندر مَلَكة التنكيت بين الأقزام والحدب والمفرطين في الدمامة؛ لأنها سلاح عندهم يحاربون به المترفعين عليهم في معترك الحياة.

***

والنكتة منطق سليم وإن ظهر لأول وهلة أنها أبعد شيء عن المنطق وعن التفكير.

فما من نكتة عارضة إلا وهي تشتمل على قضية منطقية أو تشير إلى الخطأ في فهم قضية منطقية.

خذ لذلك مثلًا هذه النكتة المصرية التي ذاعت في الزمن الأخير: «إن رجلًا دميمًا وقف أمام قفص القرود بحديقة الحيوان فقذفته القرود بالفول السواداني!»

هذه النكتة تتألف منها قضية منطقية سليمة لا خلل فيها؛ لأن القرد استحق أن يُرمَى بالفول السوداني؛ لأنه دميم ولأنه تسلية للآدميين، فالذي يكون تسلية للقرود نفسها لا بد أن يكون في نظر القرود بمنزلة القرود في نظر الآدميين.

وخذ لذلك مثلًا آخر نكتة ألمانية تناسب هذه النكتة المصرية:

وقفت امرأة وطفلها أمام قفص القرود بحديقة الحيوان، فصاح الطفل بأمه قائلًا: انظري يا ماما، إنه يشبه بابا …

فانتهرته أمه وصاحت به: اسكت يا قبيح!

فخفت صوت الطفل، وقال هامسًا: لِمَ يا ماما؟! وهل يغضب القرد منا؟!

منطقٌ سليمٌ من أكثر الوجوه:

القرد هو الذي يَسْمَع؛ فالخوف إذن من غضب القرد السامع لا من غضب الوالد الذي لا يَسْمَع، ومعنى هذا أن الوالد أقبح من القرد وأن القرد يغضب من تشبيهه به، وأن الأم يهمها القرد ولا يهمها أبو الوليد الصغير.

ولا توجد نكتةٌ قط إلا وهي مشتملة على قياس منطقي أو على تنبيه صحيح إلى خطأ الناس في فهم القياس.

***

ولأن النكتة «منطق» أو قياس صحيح؛ تُعَدُّ النكتة ضربًا من التعبير الذي يدل على أفكار الأمم كما يدل عليها كل تعبير بالفنون والآداب.

فالنوع الإنساني يتشابه في العقل والإحساس على الإجمال؛ ولهذا يضحك الناس في الصين من نكتة تُضْحِك المصريين أو الأوروبيين.

ولكن هناك نكتًا خاصة تُضْحِك الشعب من الشعوب ولا تُضْحِك غيره، أو تروج في بلد ولا تروج في بلد آخر.

ولهذا تُعرَف الأمة من مجموعة نكاتها كما تُعرَف من مجموعة صورها وتماثيلها، ومن مجموعة رواياتها ودواوينها.

ونكات المصريين الأقدمين والمحدثين إذا جُمِعَتْ هي أدل عليهم من المتحف المصري ومن مقالات الصحف وقصائد الدواوين.

وبخاصة ذلك النوع المعروف «بالقافية»، وهو أشيع أنواع النكت بين المصريين.

والنكتة على كل هذه التعريفات تكون لعبًا كما تكون سلاحًا ومنطقًا وضربًا من التعبير … وقد يلعب الناس بالسلاح كما يلعبون بالأحاجي والكلمات.

والنكتة التي تلعب بالألفاظ هي نكتة الجناس أو نكتة التورية والمغالطة.

قال رجل لأعرج: ارقص لنا دورين «تانجو».

فقال له الأعرج: بل خير لك أنت أن «تنجو» بنفسك!

هذه النكتة لعب بالألفاظ، ولكنها مع ذلك سلاحٌ ردَّ به الأعرجُ عدوانَ الساخر المترفع عليه.

وكان لتاجر ستون قرشًا دَينًا على رجلٍ موظف، فتأخر عن سداده بضعة أشهر، فجعل الموظف كلما مر بالدكان ذاهبًا أو آيبًا ناداه التاجر: أوحشتنا يا فلان؟ كيف حالك يا فلان؟ لِمَ لا نراك يا فلان؟ وهكذا في كل يوم وفي كل مرة، حتى ضجر الموظف وأراد أن يُفهِمه ويُفهِم العارفين بالسر من حوله أنه لم ينسَ الدين وأنه يعلم أن كل هذا السؤال إنما هو سؤال عن الدين؛ فوقف في وسط السوق ورفع عقيرته قائلًا: يا أخي ستين مرة أوحشتنا … يا أخي ستين مرة كيف حالك؟! … يا أخي ستين مرة لِمَ لا نراك؟! … يا أخي ستين مرة يلعن … فأسرع التاجر إلى إسكاته، وضج السامعون بالضحك، وضمن الموظف بعد ذلك حرية المرور إلى آخر الشهر … على الأقل.

هذه النكتة أيضًا لعب بالألفاظ وإن كانت سلاحًا حمى به الموظفُ نفسَه من لجاج المطالبة إلى حين.

والقافية المصرية كلها — أو معظمها — من هذا القبيل، وهي تدور في أكثر الأحوال على تورية قريبة أو بعيدة، ولكنها موصولة بمناسبة واحدة هي العنوان.

يتسابق رجلان مثلًا في قافية الكتب، فيجري بينهما هذا الحوار:

– وش حضرتك …

– اشمعنى؟!

– مجلد!

فلولا عنوان القافية لما كان لهذه اللعبة اللفظية معنى في الكلام.

أو يجري بينهما هذا الحوار في قافية الصحف:

– يسألك صاحبك: أنت مجنون ولا مغفل؟! تزعق وتقول: …

– اشمعنى؟!

– الاثنين!

أو يجري بينهما هذا الحوار في قافية الأحزاب:

– بينك وبين الفلس …

– اشمعنى؟!

– ائتلاف!

أو هذا الحوار في قافية البرلمان:

– دماغك …

– اشمعنى؟!

– دائرة مفتوحة!

إلى آخر تلك «القوافي» التي تدور حول هذا اللعب بالتوريات والمغالطات، ويتوقف معناها على العنوان المتفق عليه.

وهذا هو النوع الشائع في النكتة المصرية بين طبقات العامة على الخصوص، وخلاصة القول فيه أن الأمة المصرية عريقة في التنكيت من أواخر أيام الفراعنة على الأقل، وأن الفكاهة المصرية تكثر فيها نكتة الجناس والتورية، فنكتة «السلاح»، فنكتة «المنطق» ولا سيما المنطق الذي تتعدد فيه جوانب القياس ويومئ إلى الحالات الخفية في أسرار الطباع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.