نشرت أخبار اليوم أن رجلًا بأخميم وُلِدَ أعمًى منذ سبعين عامًا وعمل منذ نشأته نساجًا على النول اليدوي، وأنه يميز الألوان بلسانه …

ويسأل السيد حسين سيد أحمد عبد الحليم بشبرا البلد عن «المفهوم الجديد» الذي نفهم به طاقة الحواس الإنسانية بعد الاطِّلاع على هذا الخبر وأمثاله، «وإلى أي مدى يمكن أن ينوب الحس عن النظر على هذا المنوال …»

وقد استشهد السيد صاحب الخطاب بكلام للجاحظ في علة اختصاص كل حاسة بعملها ثم قال: «… إن هيلين كيلر كانت تُحاضِر بدار الحكمة وتتوقف لتنحني للتصفيق والإعجاب، وهي التي لا ترى ولا تسمع ولا تنطق … وقد قالت للصحفيين عن سر معرفتها للصوت أن موجات الهواء قد وصلت لأرجلها من أثر التصفيق فأدركته.»

ونقول إن الخبر الذي رواه السيد صاحب الخطاب عن هيلين كيلر يهدينا إلى وسائل الاستعانة بحاسة اللمس على إدراك المسموعات أو المنظورات، وربما كان تمييز الألوان بذوق اللسان ميسرًا لعامل أخميم؛ لأن مواد الصبغة معروفة بطعومها، كما نعرف طعم الحبر الملون أو طعم النيلة، ونميِّز بين روائح المِدَاد التي تختلف صناعتها … وربما استطاع عامل أخميم ذلك ولم يستطعه ضرير آخر يجهل مواد الصباغة في إقليمه، ولا نهاية للرسائل المتعددة التي تقترن فيها المسموعات أحيانًا بالمنظورات العِيَانية، بل المفهومات العقلية، كما نسمع صوت الطفل فنقدر عمره بالسنين … أو نسمع صوت الغناء فنقدر أن صاحبة الصوت امرأة جاوزت الثلاثين أو فتاة دون العشرين، وإذا اشتدت الحاجة إلى التمييز بهذه الوسيلة دون غيرها تضاعفت القدرة على التدقيق في إدراك الفوارق إلى الحد الذي تتساوى فيه الحاستان أو تتقاربان.

ومن المألوف عندنا في كل يوم أن نعرف أنواع الأزهار بروائحها، وأن نعرف أنواع الأقمشة بلمسها، وأن نعرف أنواع الآلات الموسيقية بنغماتها وألحانها … وهذه تفرِقة بين وظائف الحواس لا نحتاج إليها ولا تَضطرُّنا الظروف العامة إلى التعويل عليها. فإذا احتاج المحروم من بعض الحواس إليها فالحاجة تفتق الحيلة وتبلغ بهذه الحيلة مبلغًا لا نتصور إمكانه حتى نراه … وقد رأيناه في الصعيد رجلًا أكتَعَ يستخدم أصابع قدمه في إخراج عيدان الثقاب من العلبة الصغيرة وإشعالها ونقلها مشعَلة إلى الموقد مكانًا بعيدًا من مكان جلوسه ثم إخراج البن بالملعقة الصغيرة من الحُق المغلق بعد فتحه، ثم صنع القهوة وتحريكها وصبها في الأقداح وإدارتها بين الحاضرين على الصينية التي تكاد تضيق عنها … ولو أخبرَنا بذلك مُخْبِرٌ قبل أن نراه بأعيننا لما صدقناه لأنه لا يقِل في الغرابة عن تعويد اللسان أن يميز بين طعوم الأصباغ والألوان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.