يحتاج الإنسان في هذا الزمان إلى مثل صبر أيوب، وإلى أضعاف أضعاف ما أثر عنه إذا كان من سكان القاهرة، وعلى ذكر أيوب أقول إنه عربي لا عبري، وإنه شاعر أيضًا، ويزعم فكتور هيجو أن موسى عليه السلام ترجم شعره ويقول: «ناهيك بأيوب من شاعر، وبموسى من مترجم!» على أني أشك في صحة هذا، أي إن موسى ترجم شعر أيوب، وهذا كله من التاريخ الضائع. حتى إن فرويد — وهو عالم يهودي — يرجح أن موسى كان مصريًّا أميرًا أو حاكمًا، اتخذ اليهود شعبًا له بعد الرِّدَّة التي حصلت بمصر عقب وفاة إخناتون، ويزعم فرويد أيضًا أن اليهود قتلوا موسى بعد الخروج من مصر … إلخ.

وأعتقد أن الله أكرمُ من أن يعاقب القاهري المُفطر في رمضان، وليست هذه فتوى، ولكن هي شكوى، وأستغفر الله إذا كنت مخطئًا، وهل يكون مخطئًا من يؤمن برحمة الله؟

وقاهرتنا هذه قاهرتان: إحداهما — وشرهما — لنا نحن المصريين أهل البلاد المساكين، والأخرى لغيرنا ولمن استطاعوا منا أن يسلكوا أنفسهم مع «غيرنا» وهذه القاهرة الثانية مبعثرة الأحياء، وكلها مما يُطاق العيش فيه على الرغم من الضيق والكظة، أما قاهرتنا نحن المصريين فالعياذ بالله منها! فإنها شيء يعجز العقل عن تصور المحنة به؛ لأنه لا يبقى في رأس ساكنها عقل.

وإليك بعض الخطوط الرئيسية لصورة الحياة فيما ألفنا أن نسميه «الأحياء الوطنية» — وهو اسم ثقيل بغيض يفيد معنى الذِّلَّة والتحقير — وعلى القارئ أن يكمل الصورة، وما أسهل ذلك وأقل حاجته إلى البراعة فيه!

فأنا مثلا أقيم في شارع من أوسع شوارع القاهرة — بل القاهرتين جميعًا — وأحدثها، ولكنه يشق حيًّا وطنيًّا، فهو من أقذر الشوارع وأكثرها ترابًا وان كان مفروشًا بالأسفلت، وأعظمها ضجة وأشدها ضوضاء، وعلى جانبيه الشجر، ولكنه شجر من الضرب الذي جاء به عهد الاحتلال والسيطرة البريطانية، يُقلم في الصيف حين يشتد الحر وتَحمى الشمس ويحتاج السائر إلى الظل، ويكثف ورقه، وتنتهي أغصانه في الطول، ويخرج زهره ونواره في الشتاء حين يُستحب المشي في الشمس.

وطول هذا الشارع ألفا متر، فهل تدري كم مقهى فيه؟ مائتان وعشرون — عددتها واحدًا واحدًا — وقل ما شئت في عدد الدكاكين، فإنه لا خوف من الغلط ولا بأس الدكاكين، فإنها تيسر قضاء الحاجات، ولكن البلاء، والداء العياء، أن في كثير من هذه الدكاكين وفي المقاهي جميعًا أجهزة للراديو، فإذا أضفت إلى هذه ما في البيوت — أو الشقق — من أجهزة الراديو، وأن هذه الأجهزة كلها — بلا استثناء تقريبًا — يرفع الصوت فيها إلى آخر مداه نهارًا وليلًا؛ فإن في وسعك أن تتصور الضجة العظمى التي يمتاز بها هذا الشارع الحديث!

ولكن الأمر لا يقتصر على هذا؛ فإن بعض الدكاكين مُتَّخَذ «ورشًا» لإصلاح السيارات وما إليها، على طول الطريق، والطقطقة فيها تطير العقل، أو على الأقل تورث الصداع الذي لا يشفى منه أو يلطفه عشرة أقراص من الأسبرين.

وشر من ذلك احتفال بعض الدكاكين برمضان المعظم، أو اغتنام فرصته للإعلان! أو تصور عشرة دكاكين متقاربة، في كل واحد منها مقرئ يتلو آيات الكتاب الحكيم، وأنعِم بهذا، ولكن التلاوة لا تجوز — على ما يظهر — إلا إذا كان هناك مكبر للصوت يسمع الصُّمَّ. عشرة دكاكين متقاربة فيها عشرة مكبرات للصوت، تذيع القرآن الكريم «محليًّا» وتتنافس وتتبارى في إسماع خلق الله جميعًا أرادوا أم لم يريدوا، ولا شك أن الناس جميعًا يودون أن يسمعوا كلام الله، ولكن كيف بالله يستطيعون أن يتبينوا شيئًا، وهم يسمعون أصواتًا مختلطة بسور مختلفة فكأنهم في ميدان العلمين حين بلغت المعركة غاية الشدة في القذف والقصف؟

وقبل أن يُذاع شيء نسمع أمثال هذه العبارة: «اللو! اللو! هنا محل فلان الحلواني المشهور (أو البقال أو غيرهما) وهو مستعد لتوريد أصناف الحلوى من كذا وكذا (أو اللحم أو البقالة … إلخ) بأسعار متهاودة لا تزاحَم وتوصيلها للمنازل مجانًا، وسيذاع عليكم من محله الآن … أما الميكروفون فتركيب وتجهيز محل كيت بشارع كذا رقم …

القرآن يُتَّخَذُ أداة للإعلان، ولإزعاج الناس وإقلاق راحتهم، فيا له من ابتذال لكلام الله! ولو كان في الإذاعة فائدة لأغضينا عن الشر والأذى من أجل الخير الذي يُجنى!

وحتى هذا كله لا يكفي، فإن بعض الدكاكين يؤجِّر الموتوسيكلات (أو الطعطعانات كما يسميها أهل نجد حكاية لصوتها) للشبان بالساعة فيركبونها أربعة أربعة ويقطعون بها الشارع المسكين جيئة وذهوبًا ألف مرة (وكم مرة تُقطع كيلومترين في ساعة؟ ولا تنسى عدد الموتوسيكلات) وهم يطعطعون أو يقعقعون — كما تشاء — فرحين بما يصنعون، مباهين بالسرعة وشدة القعقعة، ومن لم يعجبه هذا فلينفلق!

فإذا كان هذا حال شارع عظيم حديث، فما ظنك بما هو دونه؟

وإني لأسأل سؤالين اثنين ليس إلا: أليس في هذا البلد حكومة؟ ومتى يفهم الناس أن لبعضهم على بعض حقوقًا تُرعى، وأن الدنيا ليست فوضى؟

ومما يعزيني — أنا على الأقل — أن هذه الضجات تحول دون الكلام — أي دون المطالب — لأن الكلام لا يتيسر إلا بعد السحور، وحينئذٍ أكون نائمًا!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.