لم نفرغ من الضحك بعد لأن الرئيسين الخطيرين لا يريدان لنا أن نستريح من الضحك والإغراق فيه، كلاهما رقيق القلب كريم النفس، كلاهما رفيق بنا شفيق علينا، كلاهما يرثي لنا من هذه الخطوب المتصلة والمحن التي لا تنقطع ومن هذه الآلام التي نشقى بها ونرزح تحت أثقالها، وكلاهما يريد — وله الشكر على ما يريد — أن يسلِّي عنا الهم، ويجلِّي عنا الحزن، فلا يكتفي بأن يرسل على ثغورنا الابتسام، بل يأبى إلا أن يملأ أفواهنا بالضحك المتصل والقهقهة التي لا آخر لها.

وكلاهما يبلغ به اللطف والظرف والإيثار ألا يُضحكنا من غيره، وإنما يضحكنا من نفسه فيما يعمل وفيما يقول، كلاهما يجود بنفسه ليضحك أمته. والجود بالنفس أقصى غاية الجود كما قال الشاعر القديم، فلنضحك إذن ما دام الرئيسان الخطيران يأبيان إلا أن نضحك، ولنغرق في الضحك ما دام وزير التقاليد يأبى إلا أن يشاركهما في هذا الظرف ويأخذ بحظه معهما من هذا الجود، ولنعلم إذن أن الله أرفق بمصر والمصريين من أن يسلط عليهم ظلمة المحنة، دون أن يرسل على هذه الظلمة من حينٍ إلى حين شعاعًا مشرقًا مضيئًا.

وأول ما يضحك من هذه المهزلة المشرقة التي تمثل أثناء المأساة القائمة هو هذه الحرب الضروس التي شبت، وما زالت تتلظَّى بين رجلين لا يقدران على الحرب وليسا منها في شيء؛ فصدقي باشا مريض مخذول وعبد الفتاح يحيى باشا ضعيف طيِّب القلب، وكلاهما خليق أن يؤثِر السلم ويفرغ للراحة والهدوء، والاستمتاع بما في الحياة من طيبات، ولكنهما على ذلك يقتتلان ويصطرعان ويبثُّ كل منهما حول صاحبه الحبائل والأشراك، ثم يجرد كل منهما سلاحه، ويرفع كل منهما صوته، ويثير كل منهما من حوله غبارًا ستر الليل والنهار، ثم يهجم كل منهما على صاحبه، حتى إذا اشتبكا واعتركا، ثم اصطدما والتحما، تفرقا فلم يلقَ أحد منهما كيدًا، ولم يعرض أحد منهما لمكروه؛ لأن أحدًا منهما لا يقدر على الكيد، ولأن أحدًا منهما لا يقدر على المكروه، إنما هي فصول تمثل وقوم يضحكون.

كان صدقي باشا يأبى إلا أن يتحكم في خصمه، وكان عبد الفتاح باشا يأبى إلا أن يتحكم في عدوه، فظهر أن أحدًا منهما لم يتحكم في صاحبه، وأن ظروف السياسة تتحكم فيهما جميعًا، تدفعهما إلى الإقدام فإذا هما يقدمان، وتدفعهما إلى الإحجام فإذا هما يحجمان، لا يكاد صدقي باشا يُقصى عن الحكم حتى يُعلِن في الأهرام أنه رئيس الكثرة البرلمانية، وأن استشارته في تأليف الوزارة واجبة محتومة، ثم لا يكاد يرتفع الضحى حتى تسعى الظروف السياسية فتضطره إلى الإحجام، وإذا هو يُكذِّب الأهرام، ويقسم أنه لم يقل مما روت عنه شيئًا، ثم يَقدُم مرة أخرى فيزعم أن الوزارة ليست شعبية؛ لأنها لم تؤلف بأعين حزب الشعب، ثم تسعى إليه الظروف فيؤمن بأن الوزارة شعبية؛ لأن رئيسها قد ثاب إلى الحظيرة، بعد أن ثار بها وخرج عليها.

ثم يعلن رئيس الوزارة أنه مسالم، ثم لا يلبث أن يعلن أنه مخاصم، ثم يفصل صدقي باشا وزيرين، ثم لا يلبث أن يرتاح لرجوع الوزيرين، ثم يقدم رئيس الوزراء فيزور الحزب، ثم يُحجم رئيس الوزراء فيتجنَّب الحزب. ثم ينهزم صدقي باشا، فيستقيل من رياسة الحزب، ثم ينتصر صدقي باشا فيعود إلى رياسة الحزب، ثم يظهر وزير الداخلية فيصول ويجول، وإذا المديرون يصولون ويجولون أيضًا، وإذا العرائض تُهَيَّأ، وإذا النواب يرادون سرًّا على أن يرشحوا لمجلسهم رئيسًا من حزب الاتحاد.

هنالك يغضب حزب الشعب ورئيس حزب الشعب، فيكون العتاب أول الأمر، ثم تكون الشكوى، ثم يكون الهجوم، وينهزم رئيس الوزراء وهو رجل طيب القلب نزيه النفس، فيدعو إليه المديرين، ويأمرهم ألا يفعلوا، ويخيَّل إلى الناس أن المختصمين قد جنحوا إلى السلم واطمأنوا إليها، ولكن ما يكفُّ عنه المدير يستطيع أن يأتيه الوزير، فتهيأ العرايض، ويدعى النواب إلى وزير الداخلية في مكتبه أو في داره ويطلب إليهم الوزير أن يمضوا فيشتد العتاب، وترتفع الشكوى، ويعظم الغضب، وتستأنف الحرب، وتقدَّم الأسئلة، ويثار الغبار، وتبرز الأسلحة؛ فإذا الفضائح يهدم بعضها بعضًا، وإذا المخزيات تفسد الجو وتملؤه شرًّا، وإذا السماء تمطر أسئلة على الوزراء، وإذا الصحف تُثير عجاجًا في وجه رئيس حزب الشعب، والمصريون يرون؛ فتحزن نفوسهم، وتبسم ثغورهم، وتُعرِض وجوههم، أنفةً واشمئزازًا، ثم يبلغ الجهد أقصاه بالجيشين المتحاربين؛ فقد كثرت الجراحات فيهما، ودبَّ الفشل بين صفوفهما.

وأحس القادة أن الصلح خير، وإذا هم يجنحون إلى السلم مرة أخرى، ويجدُّون فيها ملحِّين، ويسعى بها بين الرئيسين قوم يودون لو يُلقى الستار على كل هذا العار. وهنا يظهر وزير التقاليد، وما أدراك ما وزير التقاليد؟ صريح جريء، ونزيه بريء، لا يعرف المراوغة، ولا يحب المداورة، وإنما يندفع وأجره على الله، ويأتي ما يريد وخلاص، كما يقول ما يريد وخلاص، فإذا لقي سُعَاةَ الصلح، وطلاب السلم، وضعها على حجر كما يقول العامة وقال للسفراء لا صلح حتى تؤمنوا لرفعت باشا برياسة مجلس النواب، وتكتفوا لصدقي باشا برياسة حزب الشعب؛ فإن رفعت باشا قد ضحَّى بالوزارة في سبيل الرياسة، فأخذُها منه ظلم له، ورفعها عنه اعتداء عليه، والحق أحق أن يتبع، وعدل الله يجب أن يستقر في الأرض، وقد ورد في كتاب البيع أن من اشترى فدفع الثمن فله أن يقبض العين، ومن رده عنها أو نزعها منه فهو غاصب، ورفعت باشا قد اشترى رياسة مجلس النواب، ودفع وزارة الحربية ثمنًا لها؛ فحقه في الرياسة ثابت بَيِّن يُظَاهِره على ذلك كتاب البيع، الذي ألفته منذ أعوام وأعوام، ويؤيده في ذلك القانون، فكتاب البيع بيننا وبينكم، والقانون حكم في هذا الخلاف.

ولم يكد وزير التقاليد يضع الأمر على حجر، ويتحدى الشعبيين، ويجعل تطبيق كتاب البيع شرطًا للصلح، حتى استيأس الشعبيون من الصلح، وأمر رئيسهم بقطع المفاوضات.

وفي أثناء ذلك أقبلت نجدة من لندرة تؤيد رئيس الوزراء؛ فلقيها رئيس حزب الشعب بجواب محرج للخصمين جميعًا، كتبت الديلي تلغراف وترجمت الأهرام، فقال صدقي باشا طُبخت الرسالة في مصر وقُدِّمَت للناسِ على مائدة الديلي تلغراف.

ثم لم يتقدم النهار أمس حتى هجم رئيس الوزراء، ولكن رئيس الوزراء لا يهجم حتى يقدم بين يديه الطلائع تسعى وتعلن النذير، فذكرت المقطم وغير المقطم أن رئيس الوزراء سيذيع بيانًا، وخفقت قلوب الشعبيين لهذا البيان، ثم أصبح الناس ولعل الشعبيين لم يناموا ليلهم، وإذا الأهرام تحمل القنبلة، فتلقيها في صفوف الشعبيين، وقد كانت قنبلة ضخمة فخمة، وقد كان دويها عنيفًا ظريفًا، أخافَ قومًا وأضحك آخرين. وقد كانت هذه القنبلة قيمة حقًّا تدل على شيء كثير، ولكنها لا تنتهي إلى شيء، تدل على أن رئيس الوزراء لا يحسن الحرب، وعلى أن من الخطر أن ينزل في الميدان، وأن يستعمل أسلحة القتال؛ لأنه يوشك أن يصيب نفسه بيده، وأن يؤذي نفسه بسلاحه، لم يقل رئيس الوزراء في بيانه شيئًا، إلا أن هذا البيان مقدمة لبيانات أخرى ستأتي بعده، فهو إذن أعلن الحرب الصريحة المريحة؛ فالحرب خير من انتظار الحرب، والارتواء بالدماء خير من التعطش إليها، ولكن رئيس الوزراء مع هذا قد قال شيئًا كثيرًا، أراد أن يؤذي صدقي باشا فآذى نفسه من غير شك، وستظهر الأيام أَبَلَغ من صدقي باشا ما يريد أم لم يبلغ منه شيئًا؟ أعلن رئيس الوزراء كما أعلن وزير التقاليد، وكما أسرَّ وزير الداخلية أن الوزارة تجعل كتاب البيع حكمًا بينها وبين حزب الشعب، وتريد أن تكون رياسة مجلس النواب خالصة لرفعت باشا دون صدقي باشا.

ومن الحق أن رئيس الوزراء لم يذكر بيعًا ولا شراءً، ولا تضحيةً بالوزارة في سبيل الرياسة، وإنما ذكر الكفاية والنزاهة، والعدل بين النواب، ومن الذي يستطيع أن يشكَّ في كفاية الدكتور رفعت باشا ونزاهته وبراعته، وإن الناس جميعًا ليذكرون رفقه بالمعارضة البرلمانية، وإنصافه لها من الكثرة، ودقته في أخذ الأصوات وتنفيذ القانون، ولكن الغريب أن رئيس الوزراء قد أعلن في بيان رسمي أن للوزارة مرشحًا معينًا لرياسة مجلس النواب، ومن الذي زعم أن الوزارات ترشح لرياسة النواب، وتفرض مرشحيها عليهم فرضًا؟ وفي أي نص يوجد هذا من نصوص الدستور الجديد؟ وفي أي فن يوجد هذا من فنون التقاليد؟ وما شأن الوزراء برياسة النواب؟ وما تدخل الوزراء في أمور النواب؟ وأين يكون احترام الدستور والاعتراف بسلطة الهيئة التشريعية إذا أباحت السلطة التنفيذية لنفسها أن تختار رئيس مجلس النواب، وتفرضه على الكثرة البرلمانية فرضًا، وتخيِّر الكثرة بين الإذعان وبين الحرب التي لا تُبْقِي ولا تذر؟!

أرأيت أن رئيس الوزراء أراد أن يصرع صدقي باشا فصرع نفسه، وأراد أن يدفع عن التقاليد فانتهك حرمة التقاليد؟ أرأيت أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الفصل إننا لم نفرغ من الضحك بعد؛ لأن الرئيسين الخطيرين يريداننا على أن نضحك ضحكًا متصلًا. وليس من شك في أن زعيم البرلمان سيذود عن البرلمان، وفي أن مؤسس النظام سيدافع عن النظام، وفي أن صدقي باشا سيلقى قنبلة عبد الفتاح باشا بقنبلة شرٍّ منها أو مثلها، وفي أننا سنضحك من الثانية كما ضحكنا من الأولى، وفي أننا لم نفرغ ولن نفرغ من الضحك حتى يأذن الله بأن نستريح من الوزارة ومن حزب الشعب جميعًا، وحتى يأذن الله بأن تعود أمورنا إلى وزارة لا تفرض الرؤساء على مجالس النواب، ولا يأذن لها البرلمان بأن تعتدي عليه إلى هذا الحد، وإلى أحزاب تحترم نفسها أكثر مما تحترم الوزارة، وتحرص على الحق أكثر مما تحرص على السلطان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.