صحتك بالدنيا!

يسمع أحدنا هذا فيكون أول ما يجري في خاطره أن القائل جاهل أو عاقل، أو بليد، أو مغرور، أو ممن لا خير فيهم ولا زيادة بهم إلا حين يكون إحصاءٌ. ولا يخطر له أن الجهل الأكبر، والغفلة العظمى، والغرور الأفحش أن يتوهَّم الإنسان أنه شيء له قيمة في الحياة، وأن الأرض إنما تتخذ زينتها له، وأنه هو — بإيجاز — مركز الدائرة وقطب الرحى في هذا الوجود!

نعم، صحتك بالدنيا! لأن صحتك والدنيا — كلتيهما — لا تساويان شيئًا، وكل صفر ككل صفر آخر، وإنما هوَّل الأمر علينا وعظَّم قدر الدنيا وقيمة الحياة عندنا شعورُنا بذاتنا، ولست أنسى فعل الغريزة الذاتية التي تدفعنا من تلقاء نفسها إلى المحافظة على حياتنا، ولا أنا أهمل أثر العقل الذي تخدعه وتُضله قدرتُه اليسيرة المحدودة. ولكن ما العقل؟ إنه لا أكثر من «مسطرة» طولها شبر أو شبران، نحاول أن نقيس به — لغرورنا — كونًا لا أول له يُعرف، ولا آخر له يوصف. وحتى الكون الذي استطعنا أن نهتدي إلى وجوده — وإن كان جهلُنا به ما زال عظيمًا — ليس إلا بعض المجهول المَهُول، وما أكثر ما نجهل من أرضنا التي ندب عليها ونحيا فوقها ونُدَسُّ بعد موتنا في ترابها! بل ما أكثر ما نجهل من أنفسنا التي نعتز بها ونغرق في الحرص عليها ونغالي بشأنها. أما الغريزة فنحن والحيوان فيها سِيَّانِ، وفرق ما بيننا وبينه في هذا أننا نشعر بذواتنا، وأنه غير شاعر بذاته، فهو مستريح من هذا الهم.

تعجبني قصيدة الشاعر الإنجليزي توماس هاردي، أو أبيات منها إذا أردت الدقة، يقول فيها ما معناه — إذا كانت ذاكرتي لم تَخُنِّي على عادتها؛ فإن بي كسلًا عن مراجعتها، ولِمَ أجشم نفسي هذا العناء؟ — أنه صعد إلى السماء موفدًا من بني الأرض، فلما صار بين يدي الرب شكا إليه ما هو فيه من كرب وبلاء، فقال الرب متعجبًا: «أتقول الأرض؟ الجنس الإنساني؟ وإني خلقتهما، حظهما سيئ؟ كلا! لا أذكر مكانًا كهذا؟ لم أخلق عالمًا كهذا.»

فيقول الشاعر: «غفرانك اللهم؟ ولكنك قلت الكلمة فكان ذلك كله.»

فيقول الرب: «أرض بني الإنسان … دعني أتذكر؟ نعم … أتذكَّر أني أنشأت كرة صغيرة كهذه من زمان بعيد بين ملايين من أمثالها. لا شك أنها هلكت ولم يبق منها أثر؟»

وتنتهي القصيدة بأن يقول الرب إنه لا يرضى أن يرى السوء قد حاق حتى بمثل هذا الشيء الحقير؟ فيبعث الرسل ليضعوا حدًّا لما يعانيه البشر، ويفتح الشاعر عينه كل مطلع فجر وفي مَرْجُوهِ أن يرى واحدًا من هؤلاء الرسل واقفًا على كثب، ويستسخف ظنه أو أمله، ويصفه بأنه «صبياني»، ولكنه أمل يساوره كلما شارفه الهم!

***

كنت مرة أتمشى في الصحراء أيام كان بيتي على تخوم الأبد، فرأيت جماعة من النمل كِدتُ أطؤها بقدمي مستخفًّا بحيويتها، غير عابئ بها، ولكني رَدَدْتُ نفسي ومِلت عن طريقها وأنا أقول لنفسي: «حرام! عالم النمل هذا ما فضل بني الإنسان عليه؟ يكد مثلنا ويشقى ويبني بيوتًا، ويفتح طرقًا ويمدها، ويقيم حصونًا ويجمع ويحشد ويدخر، وله ملِكات وشُرَط وحُجَّاب وجيوش، وفيه عمال مجاهيد، وسادة رؤساء، ولعل له وزراء ودواوين وكُتَّابًا وجباة، ومن يدري؟ عسى أن يكون فيه قوم علماء وأدباء، فنانون وصُنَّاع، ومهرِّجون ودجَّالون، وعنده مدارس، وله مصانع ومعامل واختراعات. أمن أجل أن دنياه صغيرة بالقياس إلى دنيانا نحتقره ونظن به العجز عن مثل ما قدَرنا عليه؟ أليس مثالًا للكد والدءوب والنظام؟ وهل عالمنا نحن إلا شيء ضئيل أو ذرة إذا قسناه إلى هذا الوجود الذي يَعْيَا العقل أن يتصوره؟»

ولم أمحق النمل يومئذٍ لأني رأيت حياته كحياتنا نحن بني الإنسان بلا فرق، ولأنه خيل إليَّ أني أترفق بنفسي وببني جنسي إذا ترفقت به، ولكني الآن لو مررت ببيت من بيوت النمل لوطئته غير متحرج أو متردد، والذي يغريني الآن بترك التأثُّم أن حياة النمل كحياة الإنسان، وإني حين أعصف به وأسحقه تحت قدمي لست إلا كالأقدار حين تعصف بنا نحن بني آدم، وتطلق علينا البراكين تدفن مُدُننا العامرة بنا، أو تجري علينا السيل متراكمًا متبطحًا فيغمر مساكننا ويغرقنا، أو ترمينا بالطواعين والأوبئة أو السنين فتلوي بنا، أو تسلط بعضها على بعض فتسوي المدن بالتراب ويصبح عاليها سافلها وأهلوها أشلاء، وما قيمة أن تَبيد أمةٌ بل أممٌ؟ وما ضير أن يُمحى هذا العالم من النمل الذي نسميه الإنسان؟ أيقف الفلك الدوار من أجل أن هذا الإنسان المغرور بادَ، أو أرضه كلها صارت هباء؟ أيختل شيء في الكون أو يضطرب له نظام أو يقول أهل كوكب من الكواكب الأخرى إن كان فيها أمثالنا من الحمقى: «خسارة!» لا أظن.

ليس أسخف ممن يبالي هذه الحياة أو يأبه بها مثقال ذرة؟ فما لها قيمة إلا في رأيه وحسابه هو، أما في حساب غيره من الناس ورأيهم فلا، وأما في حساب الحياة فهو بعض ما يكون أو لا يكون، سيان! وكل ما تعرفه الحياة — إن كانت قد أوتيت المعرفة، ومن أدرانا وما نحن إلا بعض مظاهرها؟ فهو أنها قانون يجري مجراه، وقد أبى الذي سَنَّهُ أن يملك أحد أو شيء خلافَه أو اعتسافَه، ونحن في هذا كالرياح والرمال والماء والنبات والطير والحيوان، السُّنَّة واحدة والقانون لا يختلف، ولما كان هكذا، ولا قيمة لنا في نظر الحياة أكثر من قيمة الذرة من الرمل أو القطرة من الماء، فما العمل؟

العمل أننا أُعْطِينا الحياة لنحياها؛ فعلينا أن نحياها على خير وجه ميسور، ولنغتر كما نشاء، فما في الغرور بأس، ولا سبيل إلى احتمال العيش بغير جرعة كافية أو قدر وافٍ منه، وليتوهم من شاء أنه شيء عظيم، وأنه خلق ليؤدِّي عملًا جليلًا في الحياة، وأنه أهل لكل ما يطلب أو يتطلع إليه من المنازل الرفيعة، فما من ذلك كله ضير — أو فائدة — ولكنه لا داعي أن يعذب الإنسان نفسه، ويقطع قلبه حسرات، يحزن الإنسان لفقد عزيز، وما حزنه في الحقيقة إلا على فَقد ما طاب هو به نفسه، لا على أن العزيز فَقَدَ نفسه، فلو كان لا يعرفه ويرضى عنه لما حزن عليه ولا اكترث لموته أو حياته، ولكن أليس هو سيموت كما مات العزيز ويلحق به ويأسف ويألَم وتَسْوَدُّ الدنيا في عينه لأن خيرًا كان يطمع فيه ويسعى له فاته، وسيخرج هو من الدنيا بكرهه فلا يعود يطمع أو يسعى أو يحس، فما معنى الأسف على عرض زائل على كل حال؟ ولماذا «يجب» أن يكون أبدًا على حال واحدة لا تتغير؟ ولماذا يعجز عن التكيف على مقتضى ما يكون؟ من الذي خوَّله الحق في النجاح والتوفيق في كل حال؟ إن أمور الدنيا خبط عشواء، والمصادفة هي العنصر الأكبر والأهم في كل ما يقع للإنسان في حياته، والأمر أشبه بالمقامرة، والتوفيق والخيبة حظوظ، وما أغبى ما يطمع أن يكسب دائمًا ولا يخسر أبدًا، ولا بأس بالطبع، ولكن ما أسخف من يسوءه أو يغضبه أن لا يجيء الربح والخسارة على ما قدر، أو يطير عقله ويفقد رشده لأنه خاب في حبه، سبحان الله العظيم! أليس في الدنيا الطويلة العريضة الزاخرة بالنساء غير امرأة واحدة موافقة؟ ما أفقرها من دنيا إذن وأقل استحقاقها للمبالاة بما يكون فيها!

لقد سعدت وشقيت مرارًا، وسررت وحزنت عدد شعر رأسي، فأما ما يسرُّ ويُسعد فكنث أتلقاه شاكًّا مرتابًا كأني لا أصدق أن الحياة يمكن أن تجود على الإنسان بخير، وأما ما يكرب النفس فكنت أسـتقبله بهَزة رأس العارف الموقن أن هذا هو الذي لا بد أن يكون في هذه الدنيا، وفي ظني — أكبر ظني — أني لن أقوى على احتماله، ثم تعلمت على الأيام بالتجربة أن من خطل الرأي أن أسيء الظن بالحياة، وأن من الحماقة أن آخذ بالرأي الشائع في الخير والشر، وفي بواعث السرور والحزن، ودواعي الرضى والسخط؛ فإني أنا الذي سيحس ويتأثر، فينبغي أن أتولى أنا ترجمة الحوادث لنفسي، وشرحها وتفسيرها لقلبي وعقلي، ولكل شيء في الحياة أكثر من جانب واحد، فمن الغفلة أن يتعلق المرء بناحية مفردة ويغضي عن النواحي الأخرى التي لعل فيها ما يشرح الصدر، وكل شيء نسبي كما يقولون. ثم إن من قصر النظر أن يتوهم المرء أنه لا يقدر على المقاومة، فليس أقدر من الإنسان على الاحتمال والتكيُّف وكل شيء يمضي ويزول ولا يخلف إلا أثرًا هينًا معقولًا إذا نظر إليه المرء من الناحية التي هي أضوأ له. ومما ساعدني أيضًا على حسن الاحتمال أني أدرك الآن إدراكًا صحيحًا أن الدنيا ليست لي وحدي، وأني استطعت أن أروض نفسي على مقتضى ذلك، وأنه صار في وسعي أن أجرد من شخصي إنسانًا آخر يتدبر الأمر وكأنه لا يعنيه، ولم يَقَعْ له، وإنما هو شيء يقرأه في كتاب أو يقصد عليه سواه، ومن هنا صار يسعني أن أكون كالواقف على ساحل البحر يتفرَّج على السابحين فيه؛ فأنا على الأكثر في موقف «المتفرج» حتى على نفسي؟ ومن هنا يَسَعُنِي أيضًا أن أضحك كثيرًا، وأن لا أحزن إلا حزنًا هينًا رقيقًا لا ينفذ إلى حبة القلب، وأن لا أعذب نفسي بالخوف مما عسى أن يكون. وماذا أخاف؟ الموت؟ المرض؟ الفقر؟ الخيبة؟ الناس؟ ومن ذا الذي لا تنتقل به الأحوال؟ وما الناس؟ ذرات مثلي، وهباء. إن مبالاة الإنسان بهم هي التي تُورثه الحيرة والضعف والجبن.

فأنا لهذا أقول إن «صحتك بالدنيا» وأعني صحة النفس والأعصاب واستقامة النظرة، وسداد الرأي، وحسن الإدراك للحقائق وللجوهر لا للغرض والأكاذيب والأوهام التي لا تلبث على التدبر. أما صحة البدن فشيء ليس في أيدينا كله، وهو قسمة وحظوظ وأرزاق ككل شيء في الدنيا، وما يملك الإنسان الرشيد أكثر من العناية في غير إفراط وإلا جعل من بدنه «صنمًا» معبودًا بغير حق، وخير للبدن أن يهمله الإنسان بعض الإهمال فإنه يقوى بذلك ويشتد ويصلب، ولا يهِن أو يفتُر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.