عندما وضع تشارلز داروين نظريته للتطور، استسلم لرؤية آثارها فحسب؛ فقد كان على قناعة بأن التطور حدث ببطء شديد حتى إننا لم نستطع رؤية الحياة وهي تتغير من جيل إلى جيل في ضوء آلية مثل الانتخاب الطبيعي. وعليه، فقد وجد طرقًا أخرى لتجميع أدلة تشير إلى حدوث التطور.

فقد أشار — على سبيل المثال — إلى أن الانتخاب الطبيعي كان حقيقة حياتية منطقية، بل ولا مناص منها. فقد اختلف الأفراد في سماتهم، وأثَّرت بعض تلك الاختلافات في عدد ذُرِّياتهم، وأمكن تمرير هذه السمات أيضًا إلى الذُّرِّيات. وفي ظل ظروف كهذه، حدث الانتخاب الطبيعي.

نظر داروين أيضًا إلى الماضي عبر تاريخ الحياة، ووضَّح كيف استطاع التطور أن يفسر بفاعلية أنماطها واسعة النطاق. وبالطبع لم يستطع أن يعلل كل تفصيلة على مدار الأربعة مليارات سنة الماضية. لكنه استطاع أن يعلل على سبيل المثال كيف تشاركت مجموعات من الأنواع في مجموعات من السمات؛ لأنها انحدرت من سلف مشترك عاش منذ ملايين السنوات.

غير أنه بدءًا من منتصف العقد الأول من القرن العشرين، بدأ البيولوجيون التطوريون في توثيق التطور المرصود على مدار سنوات، وليس ألف سنة. وكما أرَّخ جوناثان وينر في كتابه «منقار العصافير»، قاس بيتر وروزماري جرانت — على سبيل المثال — التغيرات في مناقير عصافير داروين على مدار الأربعة عقود المنصرمة.

وتفتح أيضًا الميكروبات — التي تتكاثر أسرع كثيرًا من الحيوانات وتطرأ عليها طفرات بمعدل أسرع — قنوات بحث جديدة في التطور؛ إذ يتعقب علماء مثل ريتشارد لينسكي وبول تيرنر تطور البكتيريا والفيروسات على مدار أسابيع أو حتى أيام.

تناولتُ هذا الأسبوع في عمودي — المعنون «ماتر» — في صحيفة ذا نيويورك تايمز، دراسةً جديدة عن التطور التجريبي؛ فقد طوَّرتِ البكتيريا التي تعيش في أطباق بتري نفسها وأضحى لها ذيول إضافية؛ مما مكَّنها من السباحة على نحو أسرع والتفوق على أقرانها. والتجربة مذهلة في مناحٍ كثيرة — من تطبيقاتها الممكنة في الطب إلى ما تقوله عن إمكانية التنبؤ بالتطور، علاوة على أنها تقدم مقاطع فيديو لطيفة.

ومع أن التجاوب مع كتاباتي في العمود كان حماسيًّا بصورة عامة (وأشكر قرائي على ذلك)، فإنني تلقيت بعض التعليقات السلبية التي تعكس جملة متكررة قديمة كثيرًا ما تتردد على مسامعي عندما أكتب عن التطور التجريبي، وهي: «إنها لا تزال بكتيريا.»

وإليكم مجموعة من التغريدات ذات الصلة:

إذن البكتيريا … ظلت بكتيريا.

ما السمات «الجديدة» التي تطوَّرت؟ أن يزيد إصبع أو غيره … إنها طفرات للجينات الموجودة بالفعل.

لا تتيح التجربة قصيرة الأمد وقتًا طويلًا يكفي لفصل الأنواع: على سبيل المثال، القرد والإنسان.

ليس هذا تطورًا بيولوجيًّا، وإنما بالأحرى تكوين نمط: كتغير لون ذريات الكلاب، أليس كذلك؟

جميعكم أشباه علماء.

غالبًا ما يروق لمناوئي التطور إصدار حكم قاطع بماهية التطور، وعندما يدرس العلماء التطور، يقولون: «هذا ليس تطورًا.»

يزعم أحدهم — على سبيل المثال — أن ما حدث في هذه التجربة هو مجرد «تكوين نمط»؛ مما يشير على ما يبدو إلى الكيفية التي يلد بها الكلاب أَجْرَاءً لها أنماط ألوان مختلفة (في الواقع لا يُطلق على هذا «تكوين نمط»، لكن يتعين عليَّ أن أخمن هنا).

فالأَجْراء تكتسب أنماط ألوان مختلفة؛ لأنها (من بين أسباب أخرى) تَرِث أمزجة جينية مختلفة من آبائها. والتجارب التي كتبتُ عنها هذا الأسبوع لا تعد «تكوين نمط» بهذا المفهوم للعبارة؛ فقد بدأت ببكتيريا متطابقة جينيًّا، والتي انقسمت منتجةً نسائل متطابقة في جميع الأحيان — باستثناء الوقت الذي تنشأ فيه طفرات جديدة — ثم وُرَّثت هذه الطفرات إلى سلالاتها. وتؤدي الطفرات التي تطرأ على جين واحد بعينه إلى ظهور «بكتيريا مفرطة الحركة»، بُرمجت جينيًّا على تكوين المزيد من الذيول، التي مكَّنتها من السباحة على نحو أسرع من أسلافها. وسرعان ما أدت إلى انقراض البكتيريا الأبطأ؛ لأنها تفوقت على أقرانها.

هذا هو التطور — التطور في أقل من أسبوع في حقيقة الأمر.

يسأل أحد المعلقين: ما السمات الجديدة التي نشأت؟ لا يبدو اكتساب عدد من الذيول الجديدة سمة جديدة، على نفس منوال أن الطفرة التي تحدث في الأفراد يمكن أن تؤدي إلى تكوين إصبع زائد في اليد. وعلى ما يبدو لا يمكن أن يُطلق على التغيرات «تطور» إلا إذا تضمنت تطور سمة جديدة.

أجد صعوبة بالغة في رؤية كيف أن التطور من ذيل واحد إلى ما يزيد عن ستة ذيول — وجميعها تعمل معًا دون أن تتشابك — ليس سِمَة جديدة. ولكن حتى إذا اتفقنا تمامًا مع ما يقوله صاحب هذا التعليق، فإن نوعية حجته لا تزال عقيمة؛ لأنها ليست حجة على الإطلاق. كل ما هنالك أنه يضع تعريفًا شخصيًّا للتطور كي يهزأ من الأبحاث العلمية. وبدء ظهور سمات جديدة هو جزء من التطور، لكن هكذا يكون انتشار الطفرات المفيدة نتيجة للانتخاب الطبيعي.

أعتقد أن صاحب هذا التعليق ومن سبقه غير مقتنعَيْن بهذه التجربة؛ لأنها لا تعبر عن حوادث تطور واسعة النطاق؛ مثل الانقسام بين الأنواع، أو أصل العين أو اليد (هذا مجرد تخمين، لكنه قائم على العديد من التعليقات السابقة). وتستغرق حوادث التطور واسعة النطاق وقتًا، حيث تمتد في المعتاد لآلاف أو ملايين السنوات. ولا يتوقع العلماء الذين يدرسون البكتيريا على مدار أسابيع قليلة أن يشهدوا مثل هذه التحولات، وإنما يجدون أن بمقدورهم تحليل آليات التطور، بل وباستطاعتهم أيضًا توثيق ظهور جينات جديدة، حيث إن الطفرات تنسخ عرضيًّا امتدادات الدي إن إيه، التي تضطلع بعد ذلك بوظائف جديدة.

ولدينا أيضًا التعليق «إنها لا تزال بكتيريا»: كثيرًا ما تتردد على مسامعي أشكال مختلفة لهذه العبارة المتكررة؛ مما يدفعني إلى افتراض أنها تمنح مناوئي التطور راحة جمَّة. فالبكتيريا هي «نوع» من أشكال الحياة، ولمَّا كانت هذه التجارب عاجزة عن أن تريهم التطور إلى «نوع» آخر — كلب مثلًا — فهي إذن لا تكشف أي شيء.

لكن مثل هذه الملاحظة لا تخطئ فحسب في الحكم على التطور، وإنما تنمُّ أيضًا عن سوء فهم البكتيريا؛ فالبكتيريا نشأت منذ حوالي ٣٫٥ مليارات سنة، ومنذ ذلك الحين وهي تتنوع إلى الكثير من الأشكال المختلفة؛ فبعضها يطفو في المحيط محوِّلًا ضوء الشمس إلى كربون؛ والبعض الآخر يتنفس حديدًا، والبعض يجعل الحبَّار يتوهج. ومشاهدة البكتيريا وهي تتطور في أطباق بتري لا تساعدنا على فهم التطور بصورة عامة فحسب، وإنما أيضًا على فهم البكتيريا بكافة تفاصيلها.

Experimental Evolution and the False Solace of “They’re Still Bacteria” by Carl Zimmer. The Loom. August 16, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.