ويقال: إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل؛ سخط على لون من الحياة يجب أن يتغيَّر، ورضًى عن لون من الحياة يجب أن يتحقَّق؛ يأس من نُظم قائمة يجب أن تزول، وأمل في نُظم جديدة يجب أن تستقر.

والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل؛ تشاؤم بما كان قائمًا وما لا يزال قائمًا؛ لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولا بد — فيما يظهر — من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم؛ لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطًا للهمم وقعودًا عن العمل واستسلامًا للأحداث. ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل؛ لأن في طغيان هذه الخصال استراحةً إلى الوهم واطمئنانًا إلى الخيال وفتورًا في النشاط.

والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحِظوا هذا كله، فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة قاتمة تدعو إلى اليأس، أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانًا إلى الخيبة وسوء الظن.

أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أُذيعت في هذه الأيام حول شئون التعليم في مصر، فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لَمَا احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.

وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص، ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء، فلو قد كان هذا حقًّا لَما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدَّمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهى بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقًّا، لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات، حتى تهيئ للناس تعليمًا جديدًا ملائمًا لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططًا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.

ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعوَّدت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقَبِلَت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويَسَّرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلًا. والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.

والواقع أن التعليم — كغيره من المرافق المصرية — فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح وفيه ما يجب الإبقاء عليه، حتى يُتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعًا.

ولو قد سألتَ أي وزير من وزراء الدولة: أراضٍ هو كلَّ الرضى عن وزارته وعما تدبِّر من المرافق؟ لعلمتَ أنه بعيد عن ذلك بعدًا شديدًا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرَّم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يُدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلامًا. وإنما يستقبل عمله ناصحًا للناس مخلصًا للشعب، ناسيًا لنفسه، جادًّا في الإصلاح، مذللًا للعقبات، متفائلًا بما يتاح له من ذلك، صابرًا على ما يستعصي عليه من المشكلات.

ليس من الخير أن يُصبح الطلاب والتلاميذ فيقرءوا في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يُلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل، ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يُحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرءون مثل ما قرءوا في الصباح؛ ذلك أجدر أن يُفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويُهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلِّميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرَهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات، وأن يأخذوا ما يُقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرءوا فيما بين أيديهم من الكتب. والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب.

وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله، بما يبذل من جهد في التعليم وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تُغني عن أكثرهم شيئًا، ثم يقرءون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل، ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه. ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم، لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرًا ولا ينفع قليلًا.

إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل، وبين السخط الذي يرغِّب في الإصلاح ويحبِّب التقدم والرقي. وليس أدلَّ على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة؛ يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس، ويطمحون إلى أن يكون اليوم خيرًا من أمس وإلى أن يكون غد خيرًا من اليوم.

ليس من شك في أن مدارسنا مكتظَّة بالتلاميذ، وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يُلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير: أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلًا بالتعليم، أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تُبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول؟ وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال، فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحامًا وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة؟ ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام، حتى تُبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟

أمر رئيس الحكومة مشكورًا ألا يُرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم؛ لأنه يعلم أن قليلًا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصًا ضئيلًا من النور خير من الظلمة المُطبِقة التي يُخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.

وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعًا — لا أستثني منهم وزير المعارف — موفقين توفيقًا عظيمًا حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردُّوا الطلاب والتلاميذ عن العلم، ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعًا عظيمًا. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا: يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس، فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية، ولكل مدينة مدرستها الثانوية، ولكل إقليم مدرسته الفنية.

بذلك ناديت منذ سنين، وبذلك أنادي الآن، وبذلك سأنادي ما وسعني النداء. والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها، وستتيح للشعب أن يعلم أبناءه وبناته جميعًا في غير مشقة ولا عناء.

وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي؛ ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقلَّ انتفاعهم بما يُلقى فيها من الدرس، ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم. وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ، وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.

فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيًا حرًّا متحضِّرًا، ويريد أن يكون عظيمًا كما كان في أكثر عصوره.

ولست أُخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام، من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية، هذا كثير مسرف في الكثرة؛ لأنه ليس صحيحًا، فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير، ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يُدَرَّس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات، ولعله يدرس فيها خيرًا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر، ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام؛ لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.

وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك، وهي كتب متقنة جيدة تصوِّر حبًّا للبحث وتفوقًا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر، وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضًا.

وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرءون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصُون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تُضِع وقتها عبثًا منذ أنشئت فيها الجامعات.

وأقول مرة أخرى: إن جامعاتنا في حاجة — وستكون دائمًا في حاجة — إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضى عن نفسها، فليس يرضى عن نفسه إلا من أَلِفَ الخمول والخمود. فأما الذين يطلبون الرُّقِيَّ ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائمًا، راضون عن أنفسهم أحيانًا، يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويُتيح لهم الرضى شيئًا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.

وإني لأرجو ملحًّا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام؛ فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم، ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظَّة والازدحام.

فلنخفِّفْ عليها الضغط، ولنمنحها الثقة وحسن الظن، ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقًا جديدًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.