قيل في التعقيب على مصير الملك السابق كلامٌ كثير، بعضه حق وبعضه باطل، ومنه الجد ومنه الهزل، ولكننا لا نعلم أننا قرأنا في التعقيب على ذلك المصير ما هو أبطل ولا أهزل من قول القائلين إنه انتهى إلى مصيره المخجل؛ لأنه لم يجد من ينصحه ويحذره، فتمادى إلى النهاية وهو جاهل بعُقباه.

فهذا الكلام خطأ من وجوه كثيرة؛ خطأ مركب يدلُّ على أن قائليه لا يبغون الحق، ولكنهم يبغون غاية لأنفسهم يخدمونها ولو ألقوا بالتهمة على الأمة في جملتها.

هذا الكلام خطأ «أولًا» لأنه مخالف للواقع، وخطأ «ثانيًا» لأنه مسيء إلى سمعة المصريين جميعًا في غير صدق ولا إنصاف، وخطأ «ثالثًا» لأنه يفتح أبواب المعاذير ويفتح معها غدًا أبواب الدعاية المغرضة مما نشير إليه ولا نتوسَّع فيه.

والحقيقة على نقيض ما يقوله أولئك المعقبون؛ لأن الملك السابق قد لقي من العظات ما يهديه لو أنه أهلٌ للهداية، واجتمع في عصره من الحوادث العالمية والحوادث القومية ما هو حسبه من التاريخ كله، لو لم يركبه الغرور وتُسوِّل له الخيلاء الكاذبة أنه هو وحده بنَجْوَة من حوادث الأيام التي تطيح بذوي التيجان.

ولم تكن به من حاجة إلى قراءة التاريخ القديم أو التاريخ الحديث قبل عصره بل قبل ميلاده؛ فقد سمع على الرغم منه أنباء الأمم في المشرق والمغرب، وجرى على لسانه أحيانًا ما يدل على انتباه إلى معنى هذه الأحداث المعاصرة، ومن ذلك قوله الذي كان يردده مرارًا عن الملوك ومصيرهم في العصر الحاضر: إنه لن يبقى من الملوك بعد قليل غير ملوك الكتشينة وملك الإنجليز.

أما في الداخل، فلا نعرف مصريًّا تسمع منه النصيحة نصح له يومًا من الأيام بالمسلك الوخيم الذي سلكه إلى أن فارق عرشه وبلاده، وقد نعرف أناسًا بأسمائهم نصحوا له بالعدول عن هذا المسلك الوخيم، وبصَّروه بعاقبته في أقوال حاسمة صريحة يفهمها من لم يحجب عن الفهم لشِقوته وإطباق العمى على بصيرته باختياره أو بقضاء لا اختيار لأحد فيه.

نعرف أناسًا بأسمائهم نصحوا له أصدق النصيحة في الشئون الخاصة التي يحجم بعض الأصدقاء عن مكاشفة أصدقائهم بها، ولو لم يكونوا من الملوك.

وقد أشرنا إلى نصيحة النقراشي له في مسائل السهرات والتردد على أندية اللهو والمجون، وأشرنا إلى نصيحته له في مسائل الزواج الذي تم والزواج الذي كان على وشك التمام، ونذكر هنا نصيحة يعرفها عشرات من الأحياء، كان الملك السابق نفسه يتندَّر بحكايتها لخاصته وغيرهم؛ تارة بلهجة الإعجاب وتارة بلهجة السخرية والاستخفاف.

قد يتحرَّج بعض الناس من مفاتحة صديق بما يمسُّ أقرباءه وقريباته، ولكن النقراشي — رحمه الله — لم يتحرَّج من مفاتحة الملك السابق بأصرح ما يقال عن أقرب الناس إليه.

وفي يوم من الأيام بلغ سخط الشهيد العظيم أشده، فكتب استقالته وبناها على أسباب صحية، ولزم بيته، وأصرَّ على الاعتزال إن لم يستطع أن يعمل شيئًا لإصلاح الحال.

كان ذلك إبان حرب فلسطين، فلم تمضِ ساعة على وصول الاستقالة حتى كان النقراشي مدعوًّا بإلحاح إلى مقابلة الملك السابق، وكان هذا يريد أن يأخذ المسألة مأخذَ المزاح على عادته أحيانًا في علاج الأزمات الوزارية، فقال للنقراشي: إن صحتك أمامي «بُمْب»، فدعنا من التعلل بالصحة. أنت رجل صادق، فقل لي هل هناك سبب غير هذا السبب المكتوب؟

قال النقراشي: وهل يُحِلُّني مولاي من الصراحة؟

قال الملك السابق: نعم. أريد أن أعرف السبب الصريح كائنًا ما كان.

قال النقراشي: السبب هو أنت يا مولاي!

فدهش الملك السابق وصاح به مستغربًا: أنا؟! وكيف أكون أنا السبب وأنا أطلب منك البقاء؟! فعاد النقراشي يقول: أنت السبب يا مولاي؛ لأنني مسئول عن حراستك، وليس في وسعي أن أنهض بهذه المسئولية وأنت تذهب إلى «العمارات» التي تتردد عليها.

إننا في حرب مع الصهيونيين، فماذا يقول العالم عن رئيس وزارة يعتدي الصهيونيون على ملكه في عاصمة ملكه؟

وكاد فاروق أن يبكي، وضرع في لهجته ضراعة غير مألوفة منه في مظاهر العتوِّ والكبرياء، فإذا به في مقام الاعتذار يقول للوزير الأمين: إنكم قساة عليَّ، إنكم لا تعرفون ظروفي العائلية، فلماذا لا تعذرونني؟ إن أحدكم لو ابتُلِي ببعض ما ابتليت به لفعل ما أفعله وزيادة.

وكانت مناسبة لم يهملها الوزير الأمين، فقال: بل نحن نعرف هذه الظروف، ونود من أجل هذا أن يكون جلالة الملك قدوة للآخرين، وراح يروي ما يحصل من بعض الأقرباء والقريبات، ويؤكد أن القدوة الحسنة تُصلِح كل شيء.

هذه نصيحة لا يتاح لكثير من عامة الناس أن يسمعوها من خاصتهم، وقد سمعها الملك السابق، وعلم منها أن «الأسرار» التي يحسب أنه يداريها مكشوفة للناس، وكان عليه أن يتداركها بالستر قبل أن تَمضُغَها جميع الأفواه.

أما في الشئون العامة، فمن عهد الرئيس محمد محمود إلى سنوات قريبة تعوَّد فاروق أن يسمع المعارضة لرأيه والإصرار عليها، والاستقالة إذا لم يقبل الرأي الذي يصر عليه الوزير.

وقد أشرنا إلى بعض هذه المواقف في مقالين سابقين، وسنجمل الكلام عنها جميعًا في بيان آخر، ولكننا نكتفي هنا بنصيحتين تاريخيتين لا تتكرَّران في حياة كثير من الملوك المحتاجين إلى النصيحة، وهما: عريضة المعارضة، وخطاب الرئيس السابق إسماعيل صدقي الذي كتبه إلى فاروق في مرض وفاته.

فليس أصرح ولا أقوى من قول المعارضة في عريضتها المشهورة: «إن الصدور منطوية على غضب تغلي مراجله، وما يُمسكها إلا بقية من أمل يعتصم به الصابرون.»

أو من قولها في تلك العريضة: «إن احتمال الشعب مهما يَطُل فهو لا بدَّ منتهٍ إلى حد، وإننا نخشى أن تقوم في البلاد فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة.»

وقد كانت المعارضة صريحة قبل ذلك حين أشارت في أول العريضة إلى تحول القلوب بعد حادث القصَّاصين، «وأنها كلما اتجهت إلى العرش في محنتها حيل بينه وبينها، لا لسبب إلا لأن الأقدار قد فسحت مكانًا في الحاشية الملكية لأشخاص لا يستحقُّون هذا الشرف، فأساءوا النصح وأساءوا التصرف، ومنهم من حامت حول تصرفاتهم ظلال كثيفة من الشكوك والشبهات.»

أما خطاب الرئيس السابق إسماعيل صدقي، فقد تحدَّث به الخاصة، وسرى حديثه إلى العامة، وكان في تحذيره على هذا المثال من النصح الصريح والإنذار الذي يوشك أن يلمسه العواقب بيديه.

فأما جزاء المعارضة على تلك النصيحة، فهو الاستعلاء السمج، والقسم أمام أولئك الحاشية المتهمين «أن أحدًا من موقِّعي العريضة لن يدخل القصر ولا دواوين الحكومة ما لم يعتذر علانية عن هذه الوقاحة».

ولجَّت به الصبيانية والنَّزَق؛ فجعل من حين إلى حين يرسل إلى المعارضين من يمنيهم بالوزارة ويقول لهم الأمر معلق على الاعتذار.

بل لجَّت به الصبيانية والنزق، حتى خرج من التأميل إلى التهديد، فلما أعرضوا عنه ولم يكترثوا لتأميله ولا لتهديده، تعمَّد تقليب الوزارات أو تعمد اللعب بعرشه ليكابر ويعاند على أسلوبه «النسوي» الذي خلا من الرجولة خُلُوَّه من الحصافة والمبالاة بالمصير.

أما جزاء إسماعيل صدقي على خطابه، فهو ما يعلمه المصريون من ذلك الانتقام الحقير من جنازته، وتلك الخسة التي سوَّلت له أن يسأل عمن مشوا في الجنازة ليسجلهم عنده في القائمة السوداء؛ قائمة الذين لا «يتشرَّفون» بالوزارة ما يتشرف بها حسين سري عامر وأمثاله المقربون.

وعلى ذكر الوزارة لا ننسى العظة الكبرى التي كان خليقًا به أن يفهمها؛ لأنه كان يفهم أن الوزارة هي قبلة الآمال ومشدُّ الرحال ومذلة الرجال، وأنها هي «الطُّعْم» الذي يصطاد به أكبر «شارب» حيث يشاء وكيف شاء.

تلك العظة الكبرى هي إضراب الأكفاء عن قَبول وزارة المالية على التخصيص، فقد عرضت على كل مرشح لها فرفضوها، ولم يتزحزحوا عن موقفهم مع ملاحقتهم والتشديد عليهم، ولو كتب له أن يفهم النُّذُر لفَهِم من هذا الزهد في وزارة المالية، خاصة أنه نذير له بالإقلاع عن صفقاته ومناوراته وسرقاته. فإذا كانت سهولة الإغراء بالوزارة قد غرَّته زمنًا كما كان يقول، فقد كان الأحرى به أن يُفِيق من الغرور عندما استعصى عليه أن يغري أحدًا بذلك الشَّرَك المحطوم، ولكنه هو نفسه قد كان يحطم عرشه بيديه، فلا يُفيق لما حوله من ضروب التحطيم والتهشيم.

على أن الشوارع والأزقة لم تبخل بحصَّتها في وعظه وتنبيهه، حين تجاوز الأمر عظات الحكماء وتنبيه المسئولين، فماذا ينتظر ملك يسمع صبية الشوارع يهتفون بسقوطه ويشهرون باسمه وأسماء خاصته وذويه؟

ماذا بقي من النصح لذلك الملك الذي يقول عنه الحمقى إنه لم يجد من النصح ما يغنيه.

إنه شهد مصارع الاستبداد وسمع العظات من المصرحين والملمِّحين، ولم يقصر عن نصحه إلا الذين برزوا من جحورهم بعد خلعه ليُلقوا الوصمة على الأمة كلها ويلتمسوا له المعذرة بتعميمهم للذنوب وإشراكهم فيها للبعيد والقريب، ولو سئلوا ماذا بذلوا من النصح، وهو في مقدور كل ناصح ولم يكن وقفًا على الوزراء والمستوزرين؛ لأفحمهم السؤال وأسكتهم عن كل جواب.

إن عظات فاروق كانت أكثر مما يلزم لوعظه، بل نكاد نقول إن عشراء السوء — على وفرتهم حوله — كانوا أهون من أن يُفسِدوه لو كان به موضع لصلاح، ولكنه إنسان معكوس الطبيعة، معكوس النية، معكوس العمل، قد استعان بشيطانه واستعزَّ بسلطانه، فجنى على نفسه بيديه.

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأول ما يجني عليه اجتهاده

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.