من المحقق أن حظ الأزهر من الرعاية أعظم جدًّا من حظ الجامعة المصرية في هذه الأيام، لا بالقياس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك؛ فهو يرعى مرافق مصر كلها بما ينبغي لمقامه السامي من العدل والعطف والبر بشعبه الكريم عليه المخلص له، بل بالقياس إلى الحكومة التي لا تتنزَّه عن الأَثَرَة كما أنها لا تتنزَّه عن الإيثار. وقد تعلم أنت — كما أعلم أنا — أن رئيس وزرائنا هو حامي الدين والذائد عن الإسلام والأثير عند الشيخ الأكبر مهما تختلف الظروف وتتبدل الخطوب، والذي لا يأتي عملًا إلَّا الْتَمَس له الشيخ الأكبر تأييدًا وتخريجًا في كتاب من كتب الفقه أو سفر من أسفار الأصول.

وحكومتنا كما تعلم أنت وأعلم أنا حكومة تقليد لا تجديد، قامت لتحقيق غرض واحد هو أن تردَّ مصر والعالم الإسلامي إن استطاعت إلى سماحة الإسلام وطهارته، وأن تمحق البدع محقًا وتمحو الإلحاد محوًا. فلا غرابة في أن تؤثر الأزهر بالعناية والرعاية، وتنكب الجامعة ما استطاعت إلى التنكيل بها سبيلًا، فإن أعياها ذلك وضعت الجامعة منها موضع المغضوب عليه المزهود فيه.

ولست أريد الآن أن أذكر ما ربح الأزهر — أو بعبارة أدق ما ربح الأزهريون — من عطف الحكومة والأزهر، وما خسرت الجامعة والجامعيون من غضب الحكومة على الجامعة؛ فقد يكون لهذا يوم قريب. وإنما أقف عند شيء واحد لا أعدوه، ذكرته حين قرأت ما نشرته الصحف من وصف الزيارة الملكية لكلية أصول الدين أمس.

في أواخر فبراير من السنة الماضية تفضَّل جلالة الملك فشرف الجامعة بزيارته الكريمة، فلما شرف كلية الحقوق والآداب تفضل فذهب إلى سرادق الجامعة حيث سمع النثر والشعر، وحيث تفضل فوزَّع بيده الكريمة بعض شهادات الدرجات الجامعية العلمية والتشريفية على أصحابها. ولاحظ الناس يومئذ أن الجامعة لم يُسمع لها في هذا الحفل صوت، وإنما سُمع وزير التقاليد يخطب بصوته العميق العريض فيطيل، وسُمع مفتش من وزارة المعارف ينشد قصيدة لشوقي رحمه الله. وتفضل صاحب الجلالة فزار كلية من كليات الأزهر أمس فلم يُسمع في هذه الزيارة لغير الأزهر صوت. لم يُسمع صوت التقاليد في عمقه وعرضه، ولم يقل مفتش من وزارة المعارف شعرًا ولا نثرًا. ومن الناس من يظن أن مصدر هذا الاختلاف أن الأزهر كان أحرص من الجامعة على أن يتكلم بين يدي حامي الأزهر ومنشئ الجامعة، ولكن هنا يجب الإنصاف، وهنا يجب أن يُكتب التاريخ.

فقد أرغمت الجامعة إرغامًا على أن لا تتكلم لأسباب يعرفها وزير التقاليد ووكيله، والذين كانوا يرقون إليه بالكيد وينزلون عليه بالوحي. واستقال مدير الجامعة، أو همَّ أن يستقيل، وتعب عمداء الجامعة في هذا تعبًا شديدًا، وسعى وكيل الجامعة في هذا سعيًا معقدًا ملتويًا طويلًا. وانتهى مدير الجامعة إلى أن نزل لوزير التقاليد عن الكلام بين يديْ صاحب الجلالة. فتكلم وزير التقاليد وبرع في الكلام، وقال وزير التقاليد فأطال القول. وانتهت الزيارة وانصرف الناس وبعضهم يتحدث إلى بعض بأنهم قد أقبلوا يستمعون لمدير الجامعة فإذا هم يستمعون لوزير المعارف. ويتنبأ بعضهم لبعض بأن منع الجامعة من الكلام بين يديْ منشئ الجامعة لا يدل على خير.

وكان بعضهم يسبق الحوادث فيرى في منع الجامعة من الكلام نذيرًا بأنها ستمنع من العمل قليلًا أو كثيرًا. وكان بعضهم يسبق الحوادث أيضًا فيرى في إنشاد مفتِّش من وزارة المعارف للشعر في الحرم الجامعي نذيرًا بأن يد وزارة المعارف ستُبسط في الجامعة والجامعيين حتى تخضع الجامعة لوزير المعارف ووكيله، والذين يرقون إليه بالكيد، والذين ينزلون إليه بالوحي.

ولم تمضِ أيام أربعة حتى كان من أمر الجامعة ما كان، ولم يتمَّ العام دورته حتى غُيِّر قانون الجامعة فقصَّت أجنحتها، وحيل بينها وبين العمل الجامعي الصحيح. وفي أثناء هذا العام أُقصيَ من الجامعة من كرههم الوزير ووكيله، والذين يرقون إليه بالكيد والذين ينزلون عليه بالوحي. وضُيِّق فيها على الذين لم يكرهوا ولم يخافوا، ولكنهم وضعوا موضع الشك والريب، ووُسِّع فيها على الذين عرفوا كيف يدورون حول الأقطاب، في القمة والحضيض. وجرت أمور الجامعة أو مشت أمور الجامعة كما علمت متعثرة، مشيَ القيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد.

أمَّا الأزهر الشريف فما أظن أن أحدًا نازع شيخه الأكبر في الكلام بين يديْ زائره الكريم. وتعليل ذلك يسير، فكلام الشيخ الأكبر بين يديْ صاحب الجلالة المصرية أهون على الله والناس من أن يخاف أو يُحسب له حساب. وشخص الشيخ الأكبر ألين عودًا وأشد مرونة من أن يُنْكِره رئيس الوزراء أو يحاول التخلص منه.

وقد بذل الشيخ الأكبر من الجهد والقوة في تأييد رئيس الوزراء وأعماله وأقواله وآماله ما لم يبذل مثله مدير الجامعة السابق، وطمع رئيس الوزراء من شيخ الأزهر فيما لم يطمع في مثله من مدير الجامعة السابق، فما الذي يمنع حامي الإسلام أن يخلِّي بين شيخ الإسلام وبين الكلام؟ ولا تقل إن شيخ الأزهر رجل دين فيجب أن يتكلم لأن الوزراء لا يُحْسِنون من علم الدين ما يُحسن، فأنا أؤكد لك أن مدير الجامعة السابق رجل علم، فكان يجب أن يتكلم؛ لأن الوزراء وفيهم وزير التقاليد لا يحسنون من العلم بعض ما يُحسن. وأنت تعلم أن كثيرًا من الوزراء إذا تكلموا لم ينشئوا الكلام وإنما أنشئ لهم. وقد أنشئت لوزير التقاليد خطبته يوم الجامعة، فتلاها في صوته العميق العريض، فكان من الممكن أن تُنشأ خطبة أزهرية للوزير المختص بشئون الأزهر فيتلوها. ولكن شيخ الأزهر أَثِير ومدير الجامعة لم يكن مرغوبًا فيه. ولكن رجال الأزهر تورَّطوا في تأييد رئيس الوزراء، ورجال الجامعة أبوا أن يكونوا أداة سياسية لرئيس الوزراء، ولكن رجال الأزهر يريدون أو يرضون أن يكونوا دعاة إلى الرجوع، وكان رجال الجامعة يريدون أن يكونوا رسل الرقي، ولكن رجال الأزهر يجدُّون في بسط سلطان الحكومة القائمة على الشعب، وكان رجال الجامعة لا يفكرون في حكومة ما، وإنما يريدون تحرير العقل.

وتحرير العقل خطر؛ لأنه وسيلة الحرية والديمقراطية، وحكومتنا شديدة الزهد في الحرية والديمقراطية. وإذن فيجب أن يخفت صوت الجامعة، ويجب أن يرتفع صوت الأزهر. وكان في الجامعة قومٌ لا يحبون أن تخفت أصواتهم، فأُبعدوا عنها، وليس في الأزهر إلا من يحب أن يرتفع صوته إن شاءت الحكومة ويخفت صوته إن شاءت الحكومة، فيجب أن يُقربوا جميعًا.

ولا تقل إن رجال الأزهر رجال دين، فيجب أن تعرف لهم مكانتهم الدينية، فإن رجال الجامعة رجال علم، وقد أدَّوْا واجبهم العلمي أحسن أداء، ورفعوا مكانة مصر العلمية وكرامتها في أقطار الأرض، ولم يؤدِّ رجال الدين واجبهم الديني ولا نهضوا منه بشيء.

أتذكر أننا استفتينا شيخ الأزهر في التمثيل والرقص والغناء، وما يُنفق عليها من أموال المسلمين في الأوبرا، وأكدنا لك أن الشيخ سينكر إعانة الأوبرا في مجلس الشيوخ. فقد مرت ميزانية وزارة المعارف أمام مجلس الشيوخ يوم الاثنين — أي قبل الزيارة الملكية للأزهر بليلة واحدة — فلم تُذكر إعانة الأوبرا، ولم يُسمع صوت الشيخ. من يدري؟ لعله تخلَّف عن هذه الجلسة عمدًا لتبرأ ذمته من إعانة التمثيل والرقص والغناء؛ فغيَّر المنكر بالصمت، واكتفى بأضعف الإيمان! ومن يدري؟ لعله تخلَّف عن هذه الجلسة مضطرًّا ليتمرَّن على إلقاء خطبته بين يديْ صاحب الجلالة؛ فآثر حسن الإلقاء حلى حسن البلاء في سبيل الإسلام والمسلمين.

لا تقل إن رجال الأزهر رجال دين فيجب أن تُرعى مكانتهم الدينية؛ فإن رجال الدين لا يسكتون على موت السنوسي لأن وزارة مصر الإسلامية أبت أن تأذن له بالاستشفاء في مصر الإسلامية، إنما رجل دينه هو الحاخام الأكبر الذي لم يتردد في أن يشارك الإسرائيليين في الاحتجاج على ما يُقال إن اليهود يلقون من الشر في ألمانيا.

لا، ليست المسألة مسألة دين ولا مسألة علم، وإنما هي مسألة سياسة ليس غير. رأت الوزارة في الجامعة معهدًا خطرًا على سياسة القهر والتسلط، فغضبت عليها. ورأت الوزارة في الأزهر، أو قل في شيوخ الأزهر، أو قل في الهيئة الرسمية للأزهر، أو قل في شيخ الأزهر، مؤيدًا لسياستها هذه، فرضيت عنه وآثرته بالخير. فأمَّا الأمة فإنها تعلم حقَّ العلم أين الذين يؤيدونها وينصرونها ويهيئون لها الوسائل إلى الحرية والعزة والكرامة، فتنظر إليهم في حب وترمقهم في أمل وتعدهم بأن تمنحهم من التأييد ما يمكِّنهم من المضي فيما هم بسبيله من سعي إلى تحقيق الحرية والعزة والكرامة والاستقلال.

فليهنأ الأزهر برضا الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضًا إلَّا أيضًا غضب الوزراء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.