كان العالم خائفًا أشدَّ الخوف حين أخفق اجتماع لندرة في الخريف، ثم أمن العالم بعض الأمن حين نجح اجتماع موسكو في أول الشتاء، ثم عاد العالم إلى قلقه أو عاد القلق إلى العالم، ولمَّا يمضِ على اجتماع موسكو إلا أيام.

ومعنى هذا كله أن العالم مضطرب بين الخوف والأمن، وبين اليأس والرجاء، وأن هذا الاضطراب طبيعة مقومة للحياة الدولية، بل للحياة الإنسانية كلها؛ حتى تستقر الأمور في يوم من الأيام، إن قُدِّر للأمور أن تستقر بعد هذه الحرب الهائلة.

وليس كثيرًا أن يظل العالم قلقًا مضطربًا عامًا أو عامين بعد حرب منكرة اتصلت ستة أعوام. وأظن أن العالم يستطيع أن يحمد الله على السلامة إن ظفر باستقرار الأمور فيه بعد عام أو عامين من انقضاء هذه الحرب الثانية التي زلزلت حياة الناس كلهم زلزالًا شديدًا في السياسة والاقتصاد والنظم الاجتماعية، بل في تقديرهم للأشياء وحكمهم عليها.

وليس المهم هو أن نعرف أن الوقت الذي سينفقه العالم في هذا الاضطراب سيكون طويلًا أو قصيرًا، وإنما المهم هو أن نتبيَّن الأسباب والعلل التي تدعو إلى هذا الاضطراب، وأن نتثبت بعد ذلك — إن أمكن التثبت من شيء في هذه الحياة — من أن العالم لن يُدفع إلى حرب ثالثة قبل أن يُتاح له من الراحة حظٌّ معقول.

وقد كان معروفًا أن أهم الأسباب الظاهرة لإخفاق وزراء الخارجية حين اجتمعوا في لندرة حرص الروسيين على الاستمساك بقرارات القرم وبوتسدام، وهي التي تقضي بأن يستأثر المنتصرون بكل شيء، وأن تكون فرنسا والصين في المنزلة الثانية بعد هؤلاء المنتصرين، تشاركان في بعض الأمر، وتردَّان عن بعضه الآخر، وأن ترتب الدول بعد ذلك درجات ومنازل بعضها فوق بعض.

وقد حاول البريطانيون والأمريكيون أن يشركوا فرنسا والصين في ظواهر الأمر كله؛ ليستعينوا بهما على التخفيف من حدة النفوذ الروسي العظيم، ولكنهم لم يظفروا من ذلك بشيء؛ فتفرق المؤتمرون دون أن يصنعوا شيئًا، وجعل بعضهم يكيد لبعض جهرة حينًا وخفية أحيانًا أخرى. ثم تبيَّن لهم أن الأمور لا تستطيع أن تمضي، ولا أن تستقيم على هذا النحو من الخلاف والكيد، فاضطروا إلى أن يستأنفوا الاجتماع في موسكو دون أن تشهد فرنسا والصين هذا الاجتماع. لعلهم أن يصلوا — حين يخلو بعضهم إلى بعض — إلى اتفاق كامل أو منقوص. وقد اجتمعوا، وتناقشوا، واتفقوا كما قال رئيس وزرائنا، ولكن على بعض الأمر دون بعضه الآخر.

وقد كان بسمارك فيما يُقال يشبِّه الدولة العثمانية بالخرشوف الذي لا يُؤكَل مرة واحدة، وإنما يُؤكَل ورقة ورقة. فقد يظهر أن المنتصرين قد عادوا إلى مذهب بسمارك، فشبَّهوا موضوع الخلاف بينهم بالخرشوف، وجعلوا يأكلونه ورقة ورقة، أو يحلونه شيئًا فشيئًا.

وليس من شك في أنهم — أثناء اجتماعهم في موسكو — قد أكلوا من هذا الخرشوف بعض أوراقه، وحلوا من أمورهم المعقدة بعض مشكلاتها؛ فتفاءلوا وابتهجوا، وشاركهم العالم في التفاؤل والابتهاج.

ومن المفيد أن تعرف أوراق الخرشوف التي أكلوها، وتتبين المشكلات التي حلُّوها أو أوشكوا أن يحلوها.

فالمشكلة الأولى بين هذه المشكلات هي المحافظة على قرارات القرم وبوتسدام، وقد حُلَّت هذه المشكلة أو كادت تُحَلُّ على نحو رائع حقًّا، انتصر فيه الروسيون انتصارًا شاملًا؛ فأُبْعِدَتِ الصين عن المشاركة في أمور أوروبا كلها، وأُبْعِدَتْ فرنسا عن المشاركة في شئون البلقان. وقد رضيت الصين بما قُسِمَ لها، وتردَّدَتْ فرنسا بين الرضا والسخط، ولكنها ستضطر آخر الأمر إلى أن ترضى، فقد ينبغي أن تملك من القوة والبأس ما يمكنها من تأييد سخطها بقوة السلاح، وما زال بينها وبين ذلك أمدٌ بعيدٌ.

وكذلك خلصت أوروبا للأوروبيين، وخلصت فنلندا للروسيين والبريطانيين من دون الأمريكيين، وخلصت بلاد البلقان للدول الثلاث الكبرى من دون فرنسا، وخلصت إيطاليا وألمانيا والنمسا للدول الثلاث الكبرى ومعها فرنسا.

وليس هذا بالشيء القليل، فقد ينبغي أن يدبر المنتصرون أمورهم في عقر دارهم كما يُقال، قبل أن يدبروها من وراء البحار. وليس قليلًا أن يتفق المنتصرون اتفاقًا ما على شئون أوروبا بعد أن كانوا لا يتفقون على شيء، فاجتماع موسكو قد أتاح لهم أن يخطوا خطوة قصيرة، ولكنها خطوة في سبيل الوفاق.

وهناك مشكلة ثانية أُتِيحَ لهم أن يحلوها أو يوفقوا إلى محاولة لها، وهي مشكلة اعتراف البريطانيين والأمريكيين بحكومات البلقان. فقد كانت هذه الحكومات خاضعة للنفوذ الروسي المطلق، وكان الحلفاء الغربيون يأبون الاعتراف بها؛ لأنها تخضع للنظام الشيوعي أكثر مما ينبغي. فقد أُتيح لهم الآن أن يجدوا مخرجًا من هذا الحرج، فقبل الروسيون أن تُمثَّل الأحزاب الديمقراطية المعتدلة في هذه الحكومات تمثيلًا ما وإن كان ضئيلًا كل الضآلة، وقبل الحلفاء الغربيون أن يعترفوا بهذه الحكومات بعد أن يتحقق هذا التمثيل، ثم أخذوا يعاونون روسيا بالفعل على تحقيقه.

وقد يجد المنتصرون هنا أو هناك عقبة تنغص عليهم هذا الاتفاق، فقد تستعصي فرنسا مثلًا، ولكنها ستلين آخر الأمر … وقد تستعصي الشعوب البلقانية الجامحة، ولكن الروسيين سيقنعونها بالمرونة إلى أن تستقر الأمور. وهناك مشكلة أخرى لم يجهر الحلفاء بأنهم قد حلوها، أو بأنهم يوشكون أن يحلوها، ولكن كل شيء يدل على أنهم يسعون في سبيل هذا الحل.

فهذه الدولة الفاشية التي تقوم في الطرف الغربي لأوروبا — على حين أن الدكتاتورية قد انهارت في كل مكان — لا ينبغي أن تُترَك متحدية للديمقراطية المنتصرة. والناس يعلمون أن ليست هناك صلات سياسية بين روسيا وإسبانيا، وأن الصلات السياسية قائمة بين الحلفاء الغربيين وحكومة الجنرال فرانكو، فلا بدَّ أن يزول التناقض بين المنتصرين.

وضرورات الحرب هي التي قضت على الحلفاء الغربيين بمصانعة الجنرال فرانكو ما دام محتفظًا بالحياد، وإن كان هذا الحياد مريبًا. فأمَّا وقد انقضت الحرب، وانتهت مناوراتها، وسيطرت الديمقراطية في كل مكان؛ فلا ينبغي أن يستمر هذا التحدي، ولا أقل من أن يقطع المنتصرون جميعًا علاقاتهم مع الجنرال فرانكو؛ لتضطر إسبانيا إلى أن تحيي النظام الديمقراطي في أرضها.

وبذلك تُنسَّق السياسة الأوروبية، وتتقارب فيها وجهات النظر، وتستطيع أوروبا المتضامنة على نحو ما أن تواجه المشكلات العالمية الأخرى، يقودها المنتصرون العظام إلى قهر المستضعفين الصغار. فالمنتصرون العظام كما ترى لم يتفقوا كل الاتفاق، ولم يختلفوا كل الاختلاف، ولكنهم بين بين!

وأوروبا — كما ترى — ليست آمنة كل الأمن، ولا خائفة كل الخوف … ليست يائسة كل اليأس، ولا آملة كل الأمل، ولكنها بين بين.

وقد استطاع المنتصرون العظام أن يحلوا مشكلات أخرى خارج أوروبا؛ لأن حلها كان شيئًا لا بد منه، وهم لم يحلوها حلًّا تامًّا، ولم يتركوها على ما كانت عليه من التعقيد، وإنما وصلوا إلى شيء بين بين. فقد أعادوا تنظيم الإشراف على اليابان بطريقة لا ترضي الروسيين كل الرضا، ولا تغضب الأمريكيين كل الغضب، ولكنها طريقة بين بين … تزيد من نفوذ الروسيين، وتحتفظ للجنرال ماك أرثر بسلطانه كاملًا.

وكادوا يوفقون بين المصالح الروسية والمصالح الأمريكية في الصين إلى أجل مسمى. وليس المهم هو أن تُحَلَّ المشكلات حلًّا حاسمًا، وإنما المهم هو أن يُؤخَذ في حلِّها، وأن يصل الحلفاء إلى موقف بين بين.

وهم قد وصلوا إلى اتفاق بشأن كوريا يجعلها مستقلة تشبه المستعمرة، ومستعمرة تشبه الدول المستقلة، ليست خالصة لنفسها من دون الناس، ولا خالصة لدولة أخرى من سائر المنتصرين، وإنما هي شيءٌ بين ذلك إلى أجل مسمى معلوم.

فإذا ابتهج وزير الخارجية الأمريكية، ورضي وزير الخارجية البريطانية، واستبشر وزير الخارجية الروسية؛ فمن حقِّهم جميعًا أن يبتهجوا، ويرضوا، ويستبشروا؛ لأنهم قد خرجوا من موقف الجمود والهمود الذي اضطروا إليه في الخريف إلى شيءٍ من الحركة والنشاط، قد دُفِعُوا إليه في الشتاء.

ولكن لم يكد وزير الخارجية الأمريكية يصل إلى واشنجطون، حتى تعرض لنقدٍ شديدٍ جدًّا. ولم يكن حظ زميله البريطاني خيرًا من حظه، فالرأي العام ساخط في أمريكا قلق في بريطانيا العظمى. وهذا أيضًا شيءٌ طبيعيٌّ لا غرابة فيه، فقد انتصرت روسيا في اجتماع موسكو إلى حد بعيد، وطبيعي أن يضيق بذلك المحافظون والمعتدلون في أمريكا وبريطانيا العظمى.

على أن اجتماع موسكو لم يستطع أن يحل مشكلتين أخريين حلًّا تامًّا أو مقاربًا، وهما مشكلتا إيران وتركيا. وفي إيران منابع البترول، وفي تركيا مفتاح البحر الأبيض المتوسط الشرقي، فلا غرابة في أن يتشاءم المحافظون والمعتدلون في أمريكا وفي غرب أوروبا. فأمَّا الإيرانيون والترك أنفسهم فأمرهم أهون من أن يُؤبَه له، وأيسر من أن يُلتفَت إليه … قد يضيق الإيرانيون بهذه المشكلات التي تأتيهم من تنافس المنتصرين حول وطنهم الذي يعيشون فيه، وثرائهم الذي يعيشون منه، ولكن هذا ليس شيئًا ذا خطر، فرضا الإيرانيين وسخطهم سواء، وإنما المهم هو أن يتفق المنتصرون على شئون إيران وإن لم تتفق معهم إيران على شئونها.

وكذلك الترك، قد يغضبون وقد يرضون، وقد يظهرون استعدادهم للحرب أو للسلم، ولكن المهم هو أن يتفق المنتصرون فيما بينهم.

ومن أجل هذا ظهرت في الجو العالمي فكرتان قيمتان كل القيمة؛ إحداهما: فكرة اللجنة الثلاثية التي تذهب إلى إيران لتحقق ثم تشير، لا على الإيرانيين بل على المنتصرين.

وقد أراد المستر بيفن أن يكون رفيقًا رشيقًا، وأن يفاوض حكومة إيران في إرسال هذه اللجنة إلى بلادها، ولكن يُقال إن الرفيق مولوتوف أبى حتى هذا الرفق، ولم يرضَ إلَّا أن يكون صريحًا. فشئون إيران تهم المنتصرين أكثر مما تهم الإيرانيين أنفسهم!

الفكرة الثانية: هي التي أخذت تظهر في اللحظات الأخيرة، وهي أن المفاوضات قد تحل الخلاف بين الروسيين والترك، وفي المفاوضات أخذ وعطاء، وواضح أن الروسيين لن يعطوا شيئًا، وأنهم لن يرضوا إلَّا إذا أخذوا شيئًا.

ومن الطبيعي أن هذه الفكرة إنما جاءت من المنتصرين، فمن يدري؟! لعل البريطانيين والأمريكيين أن يكونوا واسطة خير بين الترك والروس، فإنْ قَبِلَ الترك مشورتهم رَضِيَتْ روسيا، وقنعت تركيا بما كُتِبَ لها وبما كُتِبَ عليها، وإن رفض الترك هذه المشورة خُلِّيَ بينها وبين الرُّوس لتجرب حظها، ونتيجة التجربة معروفة لا شك فيها.

وقد تسأل عن شئون الشرق العربي، ما خطبها في كل هذه الأحاديث التي أُثِيرَتْ في موسكو، وما زالت تُثار في العواصم الكبرى الثلاث؟ والجواب عن هذا السؤال يسير جدًّا؛ فالشرق العربي آخر شيء يُفكَّر فيه، وإن كان المنتصرون لم ينسوه، ولا يمكن أن ينسوه؛ لأن فيه مصالح ومرافق ليس إلى نسيانها من سبيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.