… شرعتُ في ترجمة كتاب للروائي المعاصر لورنس دوريل Durrell، ثم قرأتُ تلخيصًا لسلسلة رواياته الأربع عن الإسكندرية كَتَبَه الدكتور طه حسين في بعض صفحاته الأدبية، ولاحَظَ فيه أن الكاتب لا يُحْسِن القالة عن المصريين. فترددتُ وتوقفتُ عن الترجمة، وخطر لي أن أسأل الدكتور وأسألكم رأيكم في هذا الكاتب ومكانته الأدبية، وفي كتبه التي تناسب الترجمة إلى لغتنا العربية … فهل تسمحون بإبداء هذا الرأي في إحدى يومياتكم، وإبداء رأيكم إجمالًا في ترجمته وترجمة أمثاله إلى اللغة العربية؟

«س. ر» أديب ناشئ

لورنس دوريل — على أية حال — لا يقول قولًا حسنًا في أحد من «شخوصه» وأبطاله الذين يكتب عنهم، وأكثرهم من الأجانب والنزلاء بالثغر الإسكندري، يكاد عدد الوطنيين بالنسبة إليهم لا يزيد على خُمسهم، مع قلة الصفحات المخصصة لهم بالقياس إلى مجموع الصفحات في رواياته ودواوينه ورحلاته أو مقالاته الوصفية.

ويلوح من قراءة الكاتب في جميع منظوماته ومنثوراته، أنه أحد أولئك القصاصين والنقاد الذين يعتقدون أن وظيفة القصص — أو وظيفة النقد الاجتماعي على الجملة — أن يتحرى مواضع الريبة فيمن يكتب عنهم، فلا يكتب عن إنسان واحد لم يعرف له سرًّا أو هنة أو فضيحة صارخة أو هامسة في بعض أطواء حياته.

وهكذا تطرد كتاباته عن أبناء جلدته الإنجليز وعن الأوروبيين والشرقيين جميعًا فيما تناولهم به من الأوصاف والتحليلات. ويكفي أن نعرف أنه سمى بنته «سافو»، على اسم الشاعرة اليونانية القديمة، وهو يعلم من هي سافو، وينظم فيها قصيدة مسرحية مطولة تزيد فيها صراحته على صراحته المعهودة في سائر مؤلفاته.

ولسنا نرى ترجمة كتاب كامل لهذا القصاص الشاعر، أو لهذا الشاعر القصاص على الأصوب. ولكنه إذا اختيرت من دواوينه ورحلاته، وفصوله الوصفية مجموعة وافية من هنا وهناك، ظفرت اللغة العربية بذخيرة لا يجوز إهمالها جملة واحدة بين ذخائر الآداب الغربية المعاصرة، ومن هذه الفصول صفحات مطولة في قصة «مونتوليف»، تنحي على السياسة البريطانية أيام الاحتلال، في خططها المُبيَّتة للتفرقة بين طوائف الوطن الواحد؛ فإنها صفحات قد تُحذَف منها كلمات معدودات وتبقى بعدها بقية لا يستطيع الوطنيون أن يضيفوا إليها كلمة حتى في إنصاف تاريخهم الديني القديم والحديث.

أما أسلوب هذا الأديب، فهو نمط من الكتابة ينحو فيه نحو «جويس» الكاتب الأيرلندي المعاصر، ويَفُوقه فيه على ما نعتقد. وقد سمَّاه بأسلوب «البعد الرابع»؛ لأنه يتكلم عن جهات كثيرة وشخصيات متفرقة، ثم يعود إليها في زمن واحد، فليست سلسلته الرباعية عن الإسكندرية حلقات متلاحقة زمنًا بعد زمن، ولكنها طبقات يتخلل بعضها بعضًا، ويتناول في آخرها تتمة كلام تركه على اقتضاب في أولها، ثم راجعه بعد مئات الصفحات كأنه يستأنف حكاية مستطردة جاوزها قبل سطور.

وقد تأثر «دوريل» ولا شك بأسلوب سَمِيِّه «لورانس» رسول الأدب المكشوف في العصر الحديث، وتأثر قبل ذلك بمذهب «الماركيز دي ساد» الذي تُنسَب إليه السادية؛ أي: حب الألم والعذاب. ولكنه لا يُحسَب من المقلدين في كل ما تأثر به من مناهج الأدب والتفكير؛ لأنه لا يلبث أن يملك زمامه بعد بضع خطوات في أول الطريق، وربما اتفقت له عبارات ومواقف بين الصفحات تسمو على أسلوب أساتذته أجمعين، سواء منهم جويس ولورانس ودي ساد.

عاش هذا الأديب بالإسكندرية، وتنقَّل بين بلاد اليونان والبلقان والجزر «الإيجية»، وأقام فيها وأتقن لغاتها ولهجاتها، ثم كتب عن هذه البيئات كلها بأسلوب واحد لا يُقال فيه إنه شهادة حسنة أو شهادة سيئة، ولكنه أسلوب «الواقع» إذا علمنا أن الواقع في اصطلاح الكاتب أن يكون البحث عما وراء الستار دائمًا مقدمًا على النظر القانع بما هو أمام الستار، وذلك كله على هينة — ورواقة — بغير اجتهاد في النبش والتفتيش.

ونحن نُفضِّل شعر «دوريل» على نثره في موضوعاته المختلفة، ونتجاوز عما يتخلله أحيانًا من «الشطحات» الرمزية؛ لأن حسناته تُعوِّض هذه السيئات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.