إذا كان الرَّجل قويًّا؛ فمن العَجْزِ أن يُخفي قوته، وإذا كان الرجل قادرًا؛ فمن الضعف أن يُلغي قدرته، وإذا كان للرجل من الأمر والنهي، ومن ارتفاع الشأن واتِّساع السُّلطان ما يُمكِّنه من أن يُولِّي ويعزل، ومن أن يُقرَّ ويَنْقُل، ومن أن يَلعب بالموظفين كما يلعب أصحاب الشطرنج بأدوات الشطرنج؛ فمن الحمق أن لا يُشبِع الناس توليةً وعزلًا، وإقرارًا ونقلًا، وتغييرًا وتبديلًا.

ذلك أنَّ الصِّفات والمَلَكات، والخِلال والخِصال، لم تُخلق لتُهمل، وإنما خُلقت لتُستغل ويستفيد الناس من آثارها ونتائجها. وأين يكون الفرق بين القوي الذي لا يُظهر قوته، والقادر الذي لا يُعلن قدرته، وبين الضعيف الذي لا حظَّ له من قُوَّة، والعَاجِز الذي ليس له من القدرة نصيب؟

ووزير التقاليد قويٌّ ما في ذلك من شَكٍّ، قادر ما في ذلك من ريب، ووزير التقاليد أبعد الناس عن الضعف والعجز، ووزير التقاليد إذا قوي أظهر قوته، وإذا قدر بسط قدرته، وإذا تسلَّط لم يتردد في أن يُشعِرَ الناس بأنه عظيم الحظ من السلطان.

ومن الناس من يرى تكلف الضعف عند القوة خيرًا، واصطناع العفو عند القدرة حِلمًا، ولكنَّ هؤلاء الناس رجعيون مُسرفون في المُحافظة، يَعِيشون في هذا العهد وهُم لم يُخلقوا لهذا العهد، وإنما خُلقوا لما مضى وانقضى من العهود. ومن الناس قوم آخرون لا يتحرجون من اصطناع القوة مع الرِّجال، مهما تكن ظروفهم وحقوقهم، ومهما تكن أقدارهم ومنازلهم، ولكنهم يحسون الحرج كل الحرج من أن يصطنعوا القوة مع النساء؛ لأنَّهم قد تعلموا أن الحضارة، ورقة المزاج، وصفاء الطبع، وارتفاع النفس عن الصغائر، وسموها إلى المكارم، كل ذلك يقضي على المُتَحَضِّرين أن يختصوا السيدات والآنسات بالرِّفق واللطف، إلا أن يكون في ذلك تضييع لمنفعة، أو اعتداء على حق، أو مخالفة لقانون، فالتسامح والتلطُّف أساس المعاملة بين السادة والسيدات في البلاد المتحضرة والبيئات الراقية المُهذبة.

ولكنَّ هذا كله كلام قديم قد مضى مع العهود الماضية، وخلا مع الأيام الخالية، ولم يحتفظ به إلا الأوروبيون الذين ما زالوا مُحافظين رجعيين يضطربون فيما هم فيه من الانحطاط، على حين نَسْبِقُهم نحن — المصريين — إلى الرُّقي الرَّاقي، وإلى الكمال الذي ليس فوقه كمال. وإذا أسرعتْ مصر إلى الرقي؛ فطبيعة الأشياء تقضي بأن يكون وزير التقاليد قائدها إلى الرقي، وإذا سمت مصر إلى الكمال؛ فمن منطق الأشياء أن يكون وزير التقاليد طليعتها إلى الكمال.

أليس إليه أمر التربية والتعليم؟ أليس إليه تكوين الشباب على أحسن ما يُحِبُّ المصريون لأنفسهم من الخلال والأخلاق؟ أليس إليه ضرب المثل، وإقامة القدوة الصالحة والأسوة الحسنة؟ وإذن فما يأتيه وزيرُ التقاليد، في وزارة التقاليد، خيرٌ لا ينبغي أن نشُكَّ فيه، وإنَّما ينبغي أن نُقدم عليه إقدامًا، ونُسرع إليه إسراعًا، ونستبق إليه استباقًا.

وقد أقدم وزير التقاليد في هذه الأيام على عمل من أجل الأعمال، وضرب وزير التقاليد في هذه الأيام مثلًا من أرقى الأمثال؛ فمن الحق علينا أن نتأثَّره، ومن الحق علينا أن نتبع خطواته، ومن الحق علينا أن نعلم السيدات كيف يكون الحزم والعزم، وكيف تكون الشجاعة والإقدام، وكيف يعرف الرجال أن يقولوا فيفعلوا، وأن يعزموا فيُتمُّوا، وأنْ يأمروا فإذا أمرهم نافذ لا سبيل إلى التردد فيه.

كانت آنسة من الأوانس تعمل في وزارة المعارف مُعلمةً أوَّل الأمر، ثم ناظرة لبعض مدارس المُعلمات بعد ذلك، ليس على تعليمها بأس، وليس على إدارتها للمدارس التي أدارتها لوم، وليس في أخلاقها مغمز، وليس على سيرتها مطعن، وليس في كفايتها لعملها شك، ولكنها — وهنا يحسن التفكير والتقدير وإطالة الروية والتأمل — أذِنَتْ لنفسها أن يكون لها مذهب سياسي، وأذنت لنفسها بما هو شرٌّ من هذا؛ وهو ألا تتحرج من زيارة بعض الدور التي لا تحب الحكومة أن يزورها الموظفون، وأذنت لنفسها بما هو شر من هذا وذاك، من بغض النفاق، والانصراف عن المُصانعة، والحرص على أن تؤدي عملها في دقة صريحة واضحة لا يألفها الموظفون.

والغريب أنَّ مذهبها السياسي الذي تظهره في غير تحدٍّ، ولا تخفيه نِفاقًا ورياء، لم يُؤثِّر في عملها بحالٍ من الأحوال، ولم يَظهَر في سيرتها المدرسية بوجه من الوجوه، فكانت بغيضةً إلى الحكومات التي تُخاصم الوفد، ولكن هذه الحكومات لم تكن تجد إليها سبيلًا؛ لتُبسطَ عليها ظُلمًا صارخًا، إنما كانت تنظر إليها في شيء من الحذر والرَّيب، ثم تدعها وما هي فيه من العناية بالتعليم.

على أنَّ الأمور تغيرت في هذه الأيام تغيُّرًا مَفهومًا مَعقولًا، مصدره تغير طبائع الأشياء، وتبدل عقلية الناس، وإذا هذه الآنسة تلقى من وزارة التقاليد عناية لا تشبهها عناية، وعطفًا لا يُقاربه عطف، وإذا هي سعيدة كل السعادة، مُغتبطة أعظم الغبطة بما يمسها من هذا العطف وتلك العناية، وكيف لا تسعد ولا تغتبط، وكيف لا تنعم ولا تبتهج وقد أُحيلت على المعاش، واضطرت إلى البطالة، وحيل بينها وبين المدارس ومعاهد التعليم؟!

نعم، أُحيلت على المعاش، واضطرت إلى البطالة، لا في عنف وبأس، ولكن في رقة ولين. ألغيت مدرستها إلغاءً لقلة الطالبات، ولحُبِّ الحكومة للاقتصاد — وكانت مَدرستها في قنا — ونُقل كل من كان في هذه المدرسة من المُعلمات والمُعلمين، ومن الموظفين والخدم إلى جهات أخرى يعملون فيها إلا النَّاظرة؛ فقد أُهملت إهمالًا، وتُركتْ أشهر الصيف الماضي كلها تقبض مُرتبها، ولا تعلم من مصيرها شيئًا.

حتى إذا جاء وقت العمل في سبتمبر الماضي، وكانت في القاهرة، حزمت أمتعتها ومضت إلى أعلى الصعيد، وآوت إلى المدرسة فأقامت فيها لا تعمل شيئًا، ثم بَيْنَا هي مُقيمة في مدرستها ذات يوم، دُعيت إلى الوزارة برسالة برقية، فعادت إلى القاهرة، ولقيت أولياء الأمر في الوزارة، فأنْبَئُوها بأنها نُدبت للعمل في الديوان، وأذِنُوا لها في أن تذهب إلى قنا مرة أخرى لترد متاعها إلى القاهرة، فذهبت وعادت، وأخذت تَخْتَلِف إلى الوزارة في كل يوم: تغدو إذا كان الصباح، وتَرُوح إلى بيتها إذا كان المساء، لا تكلف بين ذلك شيئًا، وإنما تذهب وتجيء، وتقبض مرتبها آخر الشهر كأنْ ليس في الوزارة ولا في مدارسها عمل ما يُمكن أن يُفرض عليها، وكأنْ لا بد من أن يقوم الدليل على أنَّها حِمْلٌ على الوزارة يحسن أن تتخلص منه.

وقد جدت الوزارة في أن تتخلص منها، فكتبت إلى المالية تطلب إحالتها على المعاش، ولكنَّ المالية ناقشت في ذلك، وأرادت أنْ تفهم أصله وفصله، وأن تعرف سره وجهره، فآثرت وزارة المعارف العافية وكرِهت المُناقشة، وكتبت إلى وزارة المالية تطلب إليها إرجاء النظر في هذا الموضوع، وقالت وزارة المعارف لنفسها:

ما حكَّ جِلدَك مِثلُ ظُفرِك

فتَولَّ أنتَ جميعَ أمْرِك

وتولت وزارة المعارف جميع أمرها، فلمَّا هيَّأت ميزانية العام الجديد مَحَتْ منها وظيفة هذه الآنسة، ثم أقبل يوم ٢١ مايو الماضي، وإذا كتاب يصل إلى هذه الآنسة يُنْبِئُها بأنَّها قد فُصِلَتْ من خدمة الحكومة؛ للاستغناء عنها، ولإلغاء وظيفتها في الميزانية!

أرأيتَ كيف تجمع وزارة المعارف بين الحزم والرفق، وبين الشدة والظرف، وبين القسوة واللين، وبين القوة والإنصاف؟!

أما أنا، فقد أُهنئ وزير التقاليد بهذه البراعة التي تَخَلَّص بها من هذه الآنسة، وبهذه القوة التي أقدم بها على محاربة السيدات، كما أقدم بها على محاربة الرجال، ولكني لا أدري، أَأُهنئ رئيس الوزراء بهذا التصرف القوي، الظريف، العنيف، الرقيق أم لا أُهنِّئه؟ فما زال من الناس من يظن أنَّ رئيس الوزراء رجلٌ محافظ على شيء من التقاليد القديمة، يكره أخذ السيدات بما لا يؤخذ به السيدات، ولا سيما إذا لم يكن هؤلاء السيدات قد جَنَينَ ما يجعلهن أهلًا للعقاب، لا أدري أَأُهنئ رئيس الوزراء بظرف وزير التقاليد أم لا أُهنِّئه، ولكني أُقدِّم من غير تردد أصدق التهنئة إلى الآنسة فكرية حسني. وكيف لا تُهنَّأ وهي ضحية التقاليد؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.